أحكام المحدثين على الرواة

أحكام المحدثين على الرواة بين المعايير النقدية والأهواء المذهبية

بقلم

صلاح الدين بن أحمد بن محمد سعيد الإدلبي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين

وعلى آله وأصحابه وإخوانه الغر الميامين

وبعد، فإن أئمة الجرح والتعديل من علماء الحديث النبوي كانوا من أشد الناس حرصا على هذا الدين، ومن أكثرهم غيرة على رسولنا الكريم عليه صلوات الله وسلامه، ولذا فقد أفنوا الأعمار في كتابة الأحاديث وجمْعها ونقدها، وجمْعِ أسماء الرواة مع النظر في أحوالهم وأحوال مروياتهم، وذلك لتمييز ما صح من الروايات عن رسول الله ص عما لم يصحَّ، ابتغاء مرضاة الله تعالى، وذبًّا للكذب عن رسوله ص، لا يريدون من أحد من الناس في مقابل تلك الجهود المضنية ـ في الجملة ـ جزاء ولا شكورًا.

ولا يعني ذلك البذلُ وتلك الجهودُ أنه لا يقع منهم الخطأ، فليسوا بمعصومين، ولكنْ حسْبهم أنهم بذلوا جهدهم، وأنهم كانوا على درجة عالية في الدقة والنزاهة لا يدانيهم فيها أحد ـ فيما أعلم ـ.

 

 

الاتهام الموجه من قبل بعض الباحثين لعلماء الحديث

يتراءى لبعض الباحثين أن علماء الحديث لم تكن أحكامهم على الرواة والمرويات تخضع لمعايير نقدية منصفة، وأنها كانت تحابي السلطات الحاكمة، والأمويين على وجه الخصوص، وهذا يعني مجاملة النواصب وتوثيقهم غالبًا وتجريح المحبين لآل البيت.

وإذا كان هذا صحيحًا ومبنيًّا على دراسة جادة غير متحيزة فإنه يزعزع الثقة بأقوال أئمة الحديث، فهل هذا صحيح فعلًا؟؟.

لعل في هذه الدراسة بعض ما يكشف عن وجه الحق في هذه المسألة الهامة بإذن الله، وحسبي أن أبذل وُسعي سائلا المولى الكريم جل وعلا أن يمنَّ علينا جميعا بالإخلاص والتسديد والقبول.

 

مقتطفات من كلام أحد الباحثين:

قال أحد الباحثين: “على الرغم من أن المحدثين لم يتركوا الرواية عن الشيعة غير أن التحامل عليهم ديدن المحدثين أو بعضِهم، ومجاملة النواصب ظاهرة في عباراتهم، نتيجة تأثرهم بالوضع السياسي في الدولة الأموية ثم العباسية”.

ثم قال الباحث: “أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط ابن فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب، قال علي بن المديني: سئل يحيى بن سعيد القطان عنه فقال: في نفسي منه شيء، ومجالد أحب إلي منه”.

ثم قال الباحث: “كتب الجرح والتعديل تزخر بالتجريح والتشنيع لكل من يحب عليا، والويل له إن روى حديثا في فضله أو كان من أصحابه أو سكن الكوفة، ويعدّلون ويوثقون من يلعن عليا ويروي أحاديث كاذبة في انتقاصه، كما في ترجمة حَريز بن عثمان وأضرابه، ويمزقون حديث من يروي مثالب معاوية، كما في  ترجمة إبراهيم بن ظُهير الكوفي”.

ثم قال الباحث: “إن المحدثين يجرحون الشيعة مطلقا، ويوثقون النواصب غالبا، ويعتبرون محبة أبي بكر تعديلا ومحبة علي جرحا، وتجنبوا الرواية عن الشيعة بحجة أنهم يقولون بالتقية، كما تجنب البخاري علي بن هاشم”.

ثم قال الباحث: “ولو سلمنا أن الشيعة مجروحون فإن المحدثين لم يستطيعوا تركهم، ولن يستطيعوا، فهذا الإمام البخاري جل شيوخه شيعة، ومن مشايخه عبيد الله بن موسى، قيل فيه محترق ونحو ذلك، وذكر العلامة صارم الدين الوزير مئة وواحدا وستين من حفاظ أهل البيت وشيعتهم ممن شُحنت كتب الحديث برواياتهم وجواهر أخبارهم، واعتمده أهل الصحاح في الحلال والحرام”.

ويقول الباحث في معرِض الكلام عن موقف المحدثين من الراوي: “موقفهم هو الجرح بأي رواية في مثالب معاوية وإسقاطُ عدالته، بعكس الراوي في فضائله المحكوم عليها بالكذب فإنه لا يُجرح ولا تُسقط له عدالة”.

 

أقول والله المستعان ومنه أستمد الهداية والتوفيق:

ـ لا بد من التساؤل أولا: هل هذا الكلام هو نتيجة البحث المنصف النزيه؟ أو هو نتيجة التأثر بالهوى؟!، أليست المسألة جديرة بالبحث والتقصي؟!!.

ـ من الغريب أن يقول الباحث عن المحدثين بأنهم “يعدّلون ويوثقون من يلعن عليا ويروي أحاديث كاذبة في انتقاصه، كما في ترجمة حَريز بن عثمان وأضرابه”!، فهل عند الباحث بعض الأمثلة على توثيق المحدثين لمن يروي أحاديث كاذبة في انتقاص علي ر؟!، ليته يُعنى بجمع بعض الأمثلة وتبيين أن الحمْل فيها على الراوي الذي يوثقونه!.

ذكر الباحثُ هنا حَريز بن عثمان الناصبي المحترق، فهل روى حريز رواية في انتقاص علي ر والحمل فيها عليه؟!. والمطلوب هو ذكر رواية واحدة على الأقل، أليس يقول الله عز وجل {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا}؟!.

ـ قد يقال إن حريز بن عثمان  كان يسب عليا رضي الله عنه وقد روى له البخاري في صحيحه!.

فأقول: روى له البخاري في صحيحه حديثين اثنين:

أما أحدهما فهو حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن من أعظم الفِرَى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يُرِيَ عينه ما لم تَرَ أو يقول على رسول الله ما لم يقل”.

وأما الثاني فهو أن حَريزا سأل عبدَ الله بنَ بُسْر صاحبَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت النبي صلى الله عليه وسلم كان شيخا؟. قال: كان في عنفقته شَعَرات بيض. هذه هي مروياته في صحيح البخاري، وليس له في صحيح مسلم شيء.

 

هل يجرح المحدثون كل من يحب عليا رضي الله عنه؟:

  • يذكر المحدثون في ترجمة الراوي أنه شيعي أو ناصبي أو قدري أو مرجئ أو خارجي للإشارة إلى بدعته، ولكن هذا لا يعني أنه ضعيف الرواية بسبب البدعة، بل إنهم ينصّون على توثيقه إذا لم يجدوا في مروياته ما يُنكر عليه، وربما رأى بعضهم أن يُهجر المبتدع وتُترك الرواية عنه، لكن لا يقولون بتضعيفه إلا إذا كان في مروياته من الغرائب والمناكير ما يستحق أن يُحكم عليه لأجلها بالضعف.
  • من الغريب قول الباحث إن كتب الجرح والتعديل تزخر بالتجريح لكل من يحب عليا وقوله بأن المحدثين يجرحون الشيعة مطلقا ويتجنبون الرواية عنهم، وقد ذكر هو نفسه أن كتب الحديث شُحنت بروايات مئة وواحد وستين من حفاظ أهل البيت وشيعتهم وأن أهل الصحاح اعتمدوا تلك المرويات في الحلال والحرام!.

فأي تناقض أكبر من هذا التناقض!، وأي استخفاف بالعقول أشد من هذا الاستخفاف!. وكأن الأخ الباحث يرخي العِنان للقلم ليخط ما يمليه الهوى.

ـ انظر إلى ترجمة سعيد بن خُثيم الكوفي، فقد نقل ابن الجُنيد عن يحيى بن معين أنه قال عنه: كوفي لا بأس به ثقة. فقيل ليحيى: شيعي؟. فقال: وشيعي ثقة وقدري ثقة. [تهذيب التهذيب 4: 22 ـ 23].

هذا منهج جمهور أئمة الجرح والتعديل، وابن معين عليه رحمة الله من كبارهم، يفرِّقون بين التوثيق وبين الابتداع، فيوثقون الراوي وهو شيعي أو قدري إذا كانت رواياته مستقيمة، ويضعفونه وهو شديد في السنة إذا كانت رواياته مستنكرة، دون مجاملة ولا تحامل.

ـ ثم انظر إلى كتب الحديث ـ  بَدْءً من الصحيحين ثم السنن والمسانيد وفضائل الصحابة وكتاب الخصائص للنَسائي وغيرها ـ فستجد أن فيها أحاديث صحيحة الأسانيد في فضائل الخلفاء الأربعة، وأن الأحاديث في فضل علي ر أكثر من مجموع ما صح في فضائل الخلفاء الثلاثة، وأنه لم يصحَّ حديث واحد في فضل معاوية. فتأمل.

ولو كانت تصورات الباحث عن المحدثين صحيحة لما كان ينبغي أن نجد في فضائل علي ر ذلك العدد الكبير من الأحاديث الصحيحة التي تفوق ما صح في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ر، ولكان ينبغي أن نجد مجموعة من الأحاديث الصحيحة في فضل معاوية، ولكن الواقع بخلاف ذلك، إذ لم يصحَّ في فضل معاوية على قواعدهم النقدية حديث واحد، كما قال الإمام الكبير إسحاق ابن راهويه قرين الإمام أحمد رحمهما الله.

 

وهذه بعض أسماء أهل البيت والمتشيعين لهم ممن وثقهم المحدثون ويوجد غيرهم الكثير، فمنهم:

ـ عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ر: ثقة.

ـ حسين بن علي بن الحسين بن علي ر: ثقة.

ـ شريح بن هانئ بن يزيد: كان من أصحاب علي ر وشهد معه المشاهد، واتفقوا على توثيقه.

ـ مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي الكوفي: كان متشيعا شديد التشيع، اتفقوا على توثيقه ووُصف بأنه ثقة متقن.

– جعفر بن زياد الأحمر: قال الأزدي: مائل عن القصد فيه تحامل وشيعية غالية، وحديثه مستقيم. ووصفه جماعة بالتشيع، ومع ذلك فقد وثقه ابن معين في رواية جماعة عنه ووثقه العجليُّ وعثمان بن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان البسوي، وقال أبو زرعة وأبو داود: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. بينما قال أحمد: صالح الحديث. وقال الدارقطني: يُعتبر به. وقال ابن عمار: ليس عندهم بحجة. وقال ابن حبان في المجروحين: إذا روى عن الثقات تفرد عنهم بأشياء في القلب منها شيء.

وتأمل قول الأزدي الذي لم يقف على ما فيه نكارة في مروياته كيف ذكر غلوه في التشيع وذكر أن حديثه مستقيم، وأما ابن حبان فلا يمكن أن يوصف بالانحراف عن علي رضي الله عنه ومحبيه، لأنه من المحبين لآل البيت، كما يعرف ذلك من قرأ تراجمهم في كتابه الثقات، فقوله فيه يعني أنه رأى في مروياته أشياء استنكرها.

ـ  محمد بن جُحَادة الكوفي: كان يغلو في التشيع، واتفقوا على توثيقه.

ـ علي بن قادم الكوفي: قال البسوي: قصّرتُ في الكتابة عنه للتشيع، فإنه كان يميل إلى التشيع، ثم وجدت عامة كهولنا قد كتبوا عنه وقالوا هو ثقة. [المعرفة والتاريخ للبسوي 2: 252].

ـ جعفر بن محمد بن جعفر بن قولويه المتوفى سنة 368: قال الذهبي: كان من كبار أئمة الشيعة وهو شيخ الشيخ المفيد، قال فيه المفيد: كل ما يوصف الناس به من جميل وفقه ودين وثقة فهو فوق ذلك. [تاريخ الإسلام للذهبي 8: 286]. ولم يتعقبه الإمام الذهبي بشيء.

– عمرو بن جابر الحضرمي: قال العجلي في كتاب السؤالات: عمرو بن جابر الحضرمي مصري تابعي ثقة، وكان يغلو في التشيع. وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات، وذكره البرقي فيمن ضُعِّف بسبب التشيع. وهذا يعني أن هؤلاء لم يجدوا في مروياته التي وقفوا عليها روايات منكرة، أو إنها ليست بالكثيرة في جنب ما روى بحيث تنزله عن مرتبة الثقة، مما يعني أن التشيع ـ عندهم – لا يعني الضعفَ.

ولا بد أن غيرهم قد وقفوا على مناكير في مروياته فكان قولهم مخالفا لقول هؤلاء، فقال أحمد: روى عن جابر بن عبد الله مناكير. وقال النسائي والجوزجاني: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يُحتج بخبره. وقال الدارقطني في كتاب الضعفاء: متروك. واتهمه الأزدي بالكذب، وربما كان هذا بسبب الكذب في آرائه لا في رواياته، فقد كان يقول: إن عليا رضي الله عنه في السحاب.

– عبد الرحمن بن صالح الأزدي العتكي:

قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: أخبرنا العتيقي قال: حدثني يوسف بن عمر القواس قال: حدثنا محمد بن موسى الخلال قال: أخبرنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال: كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضيا، وكان يغشى أحمد ابن حنبل فيقربه ويدْنيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي!!. فقال: سبحان الله، رجل أحبَّ قوما من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم نقول له لا تحبَّهم؟!، هو ثقة. [العتيقي أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ولد سنة 367 وتوفي سنة 441، وثقه أبو القاسم الأزهري وقال الخطيب: صدوق. يوسف بن عمر القواس ولد سنة 300 وتوفي سنة 385، وثقه الأزهري والعتيقي والخطيب. محمد بن موسى بن علي الخلال الدولابي توفي سنة 323، وثقه القواس. يعقوب بن يوسف بن أيوب المطوعي ولد سنة 208 وتوفي سنة 287، وثقه الدارقطني]. فهذا سند صحيح.

ووثقه يحيى بن معين في رواية وموسى بن هارون، وقال أبو حاتم وصالح بن محمد صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات.

 

هل ضعّف يحيى بن سعيد القطان الإمام جعفرا الصادق رحمه الله؟:

  • قال الباحث عند ذكره للإمام جعفر الصادق “سئل يحيى بن سعيد القطان عنه فقال في نفسي منه شيء ومجالد أحب إلي منه”.

إذا قال إمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان في الإمام جعفر الصادق هذه الكلمة فما الذي تعنيه؟، قد تعني التضعيف، وقد تعني أن معظم مروياته مراسيل فيتطرق التضعيف إليها من الإرسال لا من قِبَله.

وهذا كنحو ما روى ابن عدي عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم عن أبي بكر بن عياش أنه قيل له: مالكَ لم تسمع من جعفر بن محمد وقد أدركته؟!. فقال: سألناه عما يتحدث به من الأحاديث أشيء سمعته؟. قال: لا، ولكنها رواية رويناها عن آبائنا. والمحدثون لا يرون صحة الروايات المرسلة.

وإذا كان في هذه الكلمة تضعيف فيجب أن لا ننسى أقوال الأئمة الذين وثقوه، وهم الشافعي ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي والساجي والنسائي وابن حبان وابن عدي، بل قال أبو حاتم الرازي: ثقة لا يُسأل عن مثله.

 

هل يمزق المحدثون حديث من يروي مثالب معاوية؟:

  • قال الباحث عن المحدثين “يمزقون حديث من يروي مثالب معاوية، كما في ترجمة إبراهيم بن الحكم بن ظُهير الكوفي”.

أقول: إبراهيم بن الحكم بن ظُهير ضعفه الأزدي والدارقطني، واتهمه أبو حاتم بالكذب، ونقل الذهبي عن أبي حاتم الرازي أنه قال فيه “كذاب، روى في مثالب معاوية فمزقنا ما كتبنا عنه”. [لسان الميزان: 1/267].

والذي قاله أبو حاتم الرازي في كتاب الجرح والتعديل في هذا الراوي هو كلمة “كذاب”، ولم يزد على ذلك. [الجرح والتعديل: 2/ 94]. وما نقله الذهبي عن أبي حاتم هو كذلك في كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي، ولعله من أوهام ابن الجوزي رحمه الله.

ولو صحَّ نقْل مثل تلك الكلمة عن أحد المحدثين فلا ينبغي أن تُفسر إلا على أحد وجهين:

الوجه الأول بفك الربط بين رواية مثالب معاوية وتمزيق ما كتبوا عنه، وتُقرأ هكذا “كذاب، روى في مثالب معاوية، فمزقنا ما كتبنا عنه”، وتكون كلمة روى في مثالب معاوية هي للتعريف بالراوي فقط، لا لأنها سبب لتمزيق ما كتبوا عنه، ويكون سبب التمزيق هو أنه كذاب. ويشبه هذا قول ابن أبي حاتم في أبي واقد الليثي صالحِ بن محمد بن زائدة “كان صاحب غزو، منكر الحديث”. وليس المراد أنه منكر الحديث لأنه كان صاحب غزو، فتأمل.

الوجه الثاني على أن يُلحظ تقييد الإطلاق، وعندئذ يكون المعنى: كذاب، روى في مثالب معاوية روايات منكرة، فمزقنا ما كتبنا عنه. وهذا لأنه ليست كل الروايات التي تُروى في مثالب معاوية قد ثبتت نسبتها إلى رسول الله ص.

هذا ولم أقف على رواية يرويها إبراهيم بن الحكم بن ظُهير في مثالب معاوية، لكن لأبيه رواية في ذلك، رواها عن عاصم بن أبي النَجود عن زِر بن حُبيش عن ابن مسعود.

ولا بد أن يكون لإبراهيم بن الحكم بن ظهير روايات مستنكرة سمعها منه أبو حاتم فكانت هي سببَ اتهامه، وقد قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بالري ولم يحدث عنه، ترك حديثه.

 

هل يوثق الأئمة النقاد من يروي فضائل معاوية؟:

  • لو كان المحدثون يجرحون الرواة المتشيعين لآل البيت ويجاملون النواصب ويوثقونهم غالبا متأثرين بالوضع السياسي في الدولة الأموية والعباسية لكان ينبغي أن لا يصح عندهم في فضل علي ر من الأحاديث النبوية شيء، أو إلا القليل، وأن تكون قد صحت لديهم جملة وافرة من الأحاديث في فضل معاوية.

والواقع هو بخلاف ذلك تماما، فقد صحت في مقاييس المحدثين من أهل السنة الأحاديث الكثيرة في فضائل علي ر ولم يصحَّ في فضل معاوية حديث واحد!، فتدبروا يا أولي الألباب.

 

الرواة الذين رووا أحاديث فضائل معاوية:

هذا وأود أن أستعرض هنا ما وقفتُ عليه من كلام أئمة الحديث في الرواة الذين رُويت من طريقهم فضائل معاوية، للتعرف على مدى صحة ما يدَّعيه الباحث من أنهم يوثقونهم غالبًا متأثرين بالوضع السياسي!:

 

– إبراهيم بن زكريا العبدسي الواسطي:

روى عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن جعفرا أهدى إلى النبي ص سفرجلا، فأعطى معاويةَ ثلاثا وقال: “القني بهن في الجنة”.

قال ابن حبان: هذا موضوع لا أصل له. وقال عن هذا الراوي إبراهيم بن زكريا: يأتي عن مالك بأحاديث موضوعة. وقال أبو حاتم عنه: حديثه منكر. وقال ابن عدي: حدَّث بالبواطيل. [لسان الميزان: 1/282-283].

قد يستغرب من لا يعرف طريقة المحدثين ويقول: ما وجه الحكم على هذا الحديث بالوضع والنكارة عند المحدثين وهم يرون أن الصحابة كلَّهم عدول؟!، وأليس معاوية عندهم قد نال شرف الصحبة وأنه ممن يُرجى لهم دخول الجنة؟!.

أقول: ينبغي أن يُعلم أن المحدثين لا ينظرون إلى صحة المعنى فقط، ولكن إلى مدى انسجام الرواية أو عدم انسجامها مع مجموع ما ثبت عندهم من الأحاديث النبوية وواقع الحال الذي كان عليه رسول الله ص، فلا يكفي عندهم أن تأتي روايات متعددة في موضوع واحد كفضائل معاوية مثلا ليحكموا بثبوتها، ولا يكفي أن يكون معاوية فردا من أفراد المسلمين لتأتي الأحاديث بفضله وتبشيره بالجنة.

وما من شك في أنهم نظروا إلى أن معاوية ليس من السابقين، ولا من أصحاب المواقف المميزة في عهد النبوة، وإلى أنه من الطلقاء الذين لم يسلموا إلا بعد فتح مكة، وإلى أنه نازع في أمر الخلافة وأخذها عنوة ثم جعلها لولده من بعده، وبعد هذا نجد أمثال تلك الأحاديث التي تجعل له الفضائل والمناقب التي لا يرويها إلا المجاهيل أو الذين عُرفوا بروايات أخرى مستنكرة!.

وهنا نجد المحدثين لا يتوقفون في الحكم على أمثال تلك الروايات بالنكارة أو البطلان أو الوضع وعلى رواتها بالتجريح والاتهام.

 

– أحمد بن عبد الله بن مسمار، أبو عبد الله الديرعاقولي:

قال ابن النجار: حدَّث عن أبي الربيع الزهراني بحديث موضوع منكر في مناقب معاوية بن أبي سفيان. ووافقه على ذلك الذهبي وابن حجر. [لسان الميزان: 1/504- 505]. والحديث الموضوع الذي أشار إليه ابن النجار هو حديث “الشاك في فضلك يا معاوية تنشق الأرض عنه يوم القيامة وفي عنقه طوق من نار”.

 

– أحمد بن محمد بن نافع الصوفي:

روى الإمام الحافظ أبو سعيد النقاش في كتابه الموضوعات من طريق أحمد بن محمد بن نافع قال: حدثنا حسين بن يحيى الحِنّائي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت آية الكرسي قال رسول الله ص لمعاوية “اكتبها”. فقال: يا رسول الله ما لي بكَتْبها إن كتبتها؟. قال: “لا يقرؤها أحد إلا كُتب لك أجرها”. قال النقاش: هذا حديث موضوع بلا شك. وقال ابن الجوزي والذهبي عن الراوي: اتهموه. [لسان الميزان: 1/634].

والنقاش هذا هو الإمام الحافظ أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو الأصبهاني الحنبلي، المتوفى سنة 414، وهو غير أبي بكر النقاش البغدادي الكذاب.

 

– إسحاق بن محمد بن إسحاق السوسي :

قال ابن حجر عنه: ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية، فهو المتهم بها أو شيوخه المجهولون. [لسان الميزان: 2/75 – 76].

 

– أصبغ أبو بكر الشيباني:

روى عن السدي عن عبد خير عن علي ر أنه قال: “أول من يدخل من الأمة الجنة أبوبكر وعمر وإني لموقوف مع معاوية للحساب”.

رواه العقيلي في الضعفاء وقال عن الراوي: مجهول، وحديثه غير محفوظ. وأخرجه ابن الجوزي في الواهيات، وقال ابن حجر: هذا أولى بكتاب الموضوعات. ووصف الذهبي هذا الخبر بأنه منكر. [لسان الميزان: 2/209].

 

– جبلة بن عطية:

روى عن رجل عن مسلمة بن مخلد أن النبي ص قال: “اللهم علم معاوية الكتاب، ومكِّن له في البلاد”. ووصف الذهبي هذا الخبر بأنه منكر بمرة.

قال ابن حجر: ولعل الآفة في الحديث من الرجل المجهول، فأما جبلة فنقل ابن أبي حاتم توثيقه عن ابن معين. [لسان الميزان: 2/420].

وقولهم والآفة من فلان يعني أن الحديث موضوع أو شبه الموضوع.

 

– جعفر بن محمد الأنطاكي:

روى عن زهير بن معاوية عن أبي خالد الوالبي عن طارق بن شهاب عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله ص: “يُبعث معاوية يوم القيامة وعليه رداء من نور”.

قال ابن حبان: هذا موضوع لا أصل له. وقال عن جعفر بن محمد هذا: شيخ يروي عن زهير بن معاوية الموضوعات وعن غيره من الأثبات المقلوبات. وقال الذهبي عن هذا الخبر إنه باطل، ووافقه ابن حجر. [لسان الميزان: 2/467].

 

– الحسن بن شَبيب المكْتب:

روى عن مروان بن معاوية عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ص أنه قال “ليلينَّ بعضَ مدائن الشام رجل عزيز منيع، هو مني وأنا منه”. فقال رجل: من هو يا رسول الله؟. فقال بقضيب كان في يده في قفا معاوية: “هو هذا”.

قال ابن عدي عن الراوي: حدث بالبواطيل عن الثقات. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أغرب. وقال البرقاني عن الدارقطني: أخباري ليس بالقوي، يُعتبر به.

وعندما نقل الذهبي قول الدارقطني علق عليه بقوله: المتعيِّن ما قال ابن عدي فيه. [لسان الميزان: 3/56].

ويبدو أن من اقتصر على تليينه لم يقف على روايته التي رواها ابن عدي، ولو وقف عليها لما تردد في الحكم عليه بما حكم ابنُ عَدِيٍّ به عليه.

 

– الحسن بن كثير :

روى عن بكر بن أيمن عن عامر الصريمي عن أبي  الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي ص أنه قال: “إذا رأيتم معاوية على منبري فاقبلوه، فإنه أمين مأمون”.

رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وقال: لم أكتبه إلا من هذا الوجه، ورجال إسناده ما بين محمد بن إسحاق وأبي الزبير كلهم مجهولون. [لسان الميزان: 3/108 – 109]. وأقره ابن حجر.

 

– عبد الله بن بكار:

روى عن أبيه عن جده عن أبي موسى الأشعري ر أنه قال: دخل النبي ص على أم حبيبة ورأس معاوية في حجرها، فقال لها: “تحبينه؟”. قالت: وما لي لا أحب أخي؟!. قال: “فإن الله ورسوله يحبانه”.

رواه العقيلي في الضعفاء وقال عن الراوي: مجهول النسب، وروايته غير محفوظة. وأقره الذهبي وابن حجر. [لسان الميزان: 4/442].

 

– عبد الله بن حفص الوكيل السامرّي  :

روى عن سُريج عن هُشيم عن سيّار عن ثابت عن أنس ر أن النبي ص قال: “لا أفتقد أحدا من أصحابي غير معاوية، لا أراه ثمانين عاما، ثم يقبِل إلي على ناقة من المسك، حشوها من الرحمة، قوائمها من الزبرجد، فأقول أين كنت؟. فيقول: كنت في روضة تحت عرش ربي يناجيني وأناجيه ويقول هذا عوض ما كنت تُشتم في الدنيا”.

رواه عنه ابن عدي وقال: هذا حديث موضوع. وقال عن الراوي: كان يسرق الحديث، وأملى عليَّ أحاديث موضوعة لا أشك أنه واضعها.

وقال الخطيب البغدادي عن هذا الحديث: هذا باطل سندا ومتنا، ونراه مما وضعه الوكيل، فإن رجال إسناده كلهم ثقات سواه.

وقال الذهبي: ما كان ينبغي لا بن عدي أن يتشاغل بالأخذ عن هذا الدجال.

وقال ابن حجر: ساق الجُوزقاني حديثه المذكور عن سُريج عن هُشيم بسنده ثم قال: هذا حديث حسن غريب. قال ابن حجر: وتعقبه ابن الجوزي فيما قرأت بخطه، نعوذ بالله من العصبية، فإن مصنف هذا الكتاب لا يخفى عليه أن هذا الحديث موضوع. [لسان الميزان: 4/461 -462].

فإن قلت: ألا ترى أن الجوزقاني حسّن هذا الحديث وهو من المحدثين؟!.

فأقول: الجُوزَقَاني هو الحسين بن إبراهيم بن الحسين بن جعفر، المتوفى سنة 543، مصنف كتاب “الأباطيل”، وقد اتهمه ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الموضوعات بوضع حديث في صلاة يوم الاثنين وصلوات أخرى وقال: لقد كان لهذا الرجل حظ من علم الحديث فسبحان من يطمس على القلوب. وقال الذهبي في طبقات الحفاظ عن كتابه: هو محتوٍ على أحاديث موضوعة وواهية مع أوهام فيه. وقال ابن حجر: عليه في كثير منه مناقشات. [لسان الميزان:  3/142 – 146].

فالجُوزقاني متأخر، وليس من طبقة الأئمة لا في الزمن ولا في القدر.

 

– عبد الرحمن بن الحسام:

قال عبد الرحمن بن الحسام: أخبرنا رجل من أهل حوران مرَّ بي عن رجل آخر أنه قال: اجتمع عشرة من بني هاشم، فغَدَوا على النبي ص، فلما قضى الصلاة قالوا: يا رسول الله، غدونا إليك لنذكر لك بعض أمورنا، إن الله قد تفضل بهذه الرسالة، فشرفك بها، وشرّفنا لشرفك، وهذا معاوية بن أبي سفيان يكتب الوحي، فقد رأينا أن غيره من أهل بيتك أولى بذلك  منه. قال: “نعم، انظروا في رجل غيره”. قال: وكان الوحي ينزل في كل أربعة أيام من عند الله إلى محمد ص، فأقام جبريل أربعين يوما لا ينزل، فلما كان يومُ أربعين هبط جبريل بصحيفة فيها مكتوب: “يا محمد، ليس لك أن تغير من اختاره الله لكتابة وحيه، فأَقِرَّه، فإنه أمين”. فأقَره.

قال ابن عساكر في تاريخه: هذا خبر منكر، وفيه غير واحد من المجهولين.

وعلق ابن حجر قائلا: بل هو مما يُقطع ببطلانه، فوالله إني لأخشى أن يكون الذي افتراه مدخولَ الإيمان. [لسان الميزان: 5/95].

 

– عبد العزيز بن بحر المروزي:

روى عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ص قال: “الآن يطلع عليكم رجل من أهل الجنة”. فطلع معاوية، فقال: “أنت مني يا معاوية، وأنا منك، لتزاحمنّي على باب الجنة كهاتين”. وأشار بإصبعيه.

قال ابن عدي عن الراوي ليس بمعروف، ووصف الذهبي هذا الخبر بأنه باطل، وأقره ابن حجر. [لسان الميزان: 5/194].

 

– عبد الملك بن يزيد:

أخرج الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسحاق بن وهب العلاف عن عبد الملك بن يزيد عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: أهدى جعفر بن أبي طالب إلى رسول الله ص أربع سفرجلات، فأعطى منها معاوية ثلاثاً وقال “القني بهن في الجنة”.

قال الذهبي عن عبد الملك بن يزيد: لا يُدرى من هو. [لسان الميزان: 5/ 278 – 279].

ونبه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في حاشية اللسان إلى أن إسحاق بن وهب العلاف كذاب، كما تقدم في ترجمته، وأن الحمل عليه. [انظر ترجمته في لسان الميزان: 2/ 82 – 83. وفيها: قال ابن حبان: يضع الحديث صُراحا. وقال الدارقطني: كذاب متروك. وقال الحاكم: روى عن ابن وهب أحاديث موضوعة، ساقط الحديث]. وإذا كان عبد الملك بن يزيد غير معروف أصلا والراوي عنه كذاب وضَّاع فالمتهم بالحديث هو الراوي عنه إسحاق بن وهب العلاف، وربما كان اسم ذلك الراوي المجهول هو من اختراع الراوي الكذاب.

هذا وقد مرّ هذا الحديث بنحوه في ترجمة إبراهيم بن زكريا العبدسي الواسطي من طريقه عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر.

 

– عبيد الله بن سليمان:

روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة هذا الراوي من طريقه، عن عبد الرزاق عن معْمر عن الزهري عن أنس بن مالك ر عن النبي ص أنه قال: “إني لأدخل الجنة فلا أفقد فيها أحدا إلا معاوية، سبعين عاما، ثم أراه فأقول: يا معاوية، أين كنت؟. فيقول: كنت تحت عرش ربي يتحفني بيده. فقال: هذا بما كانوا يشتمونك في دار الدنيا”.

قال ابن عساكر: هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل.

ووصف الذهبي هذا الخبر بأنه باطل، وأقره ابن حجر. [لسان الميزان: 5/ 330].

 

– غالب بن عبيد الله العُقيلي الجزري:

روى عن عطاء عن أبي هريرة ر أن النبي ص أعطى معاوية سهما فقال: “هاك هذا حتى توافيني به في الجنة”.

غالب بن عبيد الله متفق على تضعيفه، وقال فيه ابن معين والنسائي: ليس بثقة ولا يُكتب حديثه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث منكر الحديث.

ووصف الذهبي هذا الحديث بأنه موضوع، وأقره ابن حجر. [لسان الميزان:  6/ 297 – 299].

وروى قاسم بن بهرام عن أبي الزبير عن جابر ر عن النبي ص مثل ذلك.

وقاسم هذا قال فيه ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال ابن عدي: كذاب. [لسان الميزان: 6/ 369 – 370].

وروى وزير الجزري عن غالب بن عبيد الله هذا الحديث، فقال ابن معين: وزير الذي يحدث بحديث معاوية في السهم ليس بشيء. وضعفه أبو زرعة ويعقوب بن شيبة والساجي وغيرهم. [لسان الميزان: 8/ 376 – 377].

 

– محمد بن الحسن:

روى بسنده عن سعد ر أن النبي ص قال لمعاوية: “إنه يُحشر وعليه حلة من نور، ظاهرها من الرحمة، وباطنها من الرضا، يفتخر بها في الجمع، لكتابة الوحي”.

وبسنده عن النبي ص أنه قال: “إن معاوية يُبعث نبيا من حلمه وائتمانه على كلام ربي”.

قال الإمام الذهبي رحمه الله عن محمد بن الحسن هذا: روى عنه إسحاق بن محمد السوسي أحاديث مختلقة في فضل معاوية، ولعله النقاش صاحب التفسير فإنه كذاب، أو هو آخر من الدجاجلة. وأقره ابن حجر [لسان الميزان: 7/ 67].

والراوي عنه إسحاق بن محمد بن إسحاق السوسي هو الذي تقدم ذكره وأنه أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية، وأنه هو المتهم بها أو شيوخه المجهولون.

والنقاش هذا هو أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي البغدادي، المقرئ المفسر، المولود سنة 266 والمتوفى سنة 351، وهو متروك الحديث كذاب. وهو غير أبي سعيد النقاش الذي تقدم ذكره.

 

– محمد بن رجاء:

روى عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه ر عن النبي ص أنه قال: “يا أم حبيبة، للهُ أشد حبا لمعاوية منك، كأني أراه على رفارف الجنة”.

وصف الذهبي هذا الخبر بأنه باطل وأن هذا الراوي اتُّهم بوضعه، وأقره ابن حجر. [لسان الميزان: 7/ 132 – 133].

 

– محمد بن زهير بن عطية السلمي:

روى الأزدي من طريقه عن أبي محمد وكان يسكن بيت المقدس عن هشام بن مودود عن مُوَرِّق العجلي عن عبادة بن الصامت ر أنه قال: “أوحى الله إلى نبيه: استكتبْ معاوية فإنه أمين مأمون”.

قال الأزدي رحمه الله عن هذا الراوي: ساقط مجهول لا يُكتب حديثه. وقال الذهبي عن هذا الخبر بأنه باطل وأن محمد بن زهير لعله افتراه. وأشار ابن حجر إلى أن الاتهام بالوضع لأحد المجهولين في السند دون غيره ليس بجيد. [لسان الميزان: 7/ 141- 142]. وفي هذا إشارة إلى أن الواضع المفتري قد يكون هو أبا محمد الذي كان يسكن بيت المقدس أو شيخه مثلا.

 

– محمد بن عبد المجيد التميمي المفلوج:

روى عن أصرم بن حوشب عن أبي سنان عن الضحاك عن النزّال بن سَبْرة عن علي ر أن النبي ص أراد أن يستكتب معاوية، فاستشار جبريل، فقال: استكتبه فإنه أمين.

نقل الذهبي أن محمد بن عبد المجيد ضعفه محمد بن غالب تمتام، ثم قال: أصرم ليس بثقة. وأقره ابن حجر. [لسان الميزان: 7/ 313 – 314].

 

– محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم أبو عمر الزاهد غلام ثعلب المتوفى سنة 345:

كان له جزء قد جمع فيه الأحاديث التي تُروى في فضائل معاوية. وكانوا يوثقونه في الحديث ولا يوثقونه في اللغة.

قال ابن حجر: رأيت الجزء الذي جمعه في فضائل معاوية، فيه أشياء كثيرة موضوعة، والآفة فيها من غيره. [لسان الميزان: 7/ 319 – 320].

 

– محمد بن يزيد العابد:

روى عن محمد بن عمرو بن علقمة خبرا موضوعا في فضائل معاوية، كما قال الذهبي، وقال: هو آفته. وأقره ابن حجر. [لسان الميزان: 7/ 592].

 

– مسرة بن عبد الله الخادم مولى الخليفة المتوكل:

روى عن كردوس بن محمد القافلاني عن يزيد بن محمد المروزي عن أبيه عن  جده عن علي ر أنه قال: بينا أنا جالس بين يدي رسول الله ص إذ جاء معاوية، فأخذ رسول الله ص القلم من يدي فدفعه إلى معاوية، فما وجدت في نفسي إذ علمت أن الله أمره بذلك.

قال ابن حجر: هذا متن باطل وإسناد مختلَق.

وروى له الخطيب البغدادي حديثا في مبغضي أبي بكر وعمر وقال: هذا الحديث كذب، والرجال المذكورون في إسناده كلهم ثقات سوى مسرة، والحمل فيه عليه، على أنه قد ذكر أنه سمعه من أبي زرعة بعد موته بأربع سنين. [لسان الميزان: 8/ 36 – 37]. وقال عنه الخطيب البغدادي في ترجمته من تاريخ بغداد: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ذاهب الحديث.

 

– موسى بن محمد بن عطاء الدمياطي البلقاوي المقدسي أبو طاهر:

روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ص دفع إلى معاوية سفرجلة وقال “القني بها في الجنة”.

كذبه أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث. وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه، كان يضع الحديث. وقال ابن يونس: روى عن مالك موضوعات، وهو متروك الحديث. وقال العُقيلي: يحدث عن الثقات بالبواطيل والموضوعات. [لسان الميزان: 8/ 216 – 218].

 

– يحيى بن غالب:

قال الذهبي: روى عن أبيه عن الحسن في فضائل معاوية فذكر خبرا موضوعا. وأقره ابن حجر. [لسان الميزان: 8/ 470].

أقول: ربما كان هذا الراوي ابنا لغالب بن عبيد الله الذي تقدمت ترجمته والذي روى خبرا موضوعا في فضائل معاوية.

 

– يعيش بن هشام القرقساني:

روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: كنا عند رسول الله ص فأُهدي له سفرجل، فأعطى أصحابه واحدة واحدة، وأعطى إحداهن معاوية وقال: “تلقاني بها في الجنة”.

قال الحافظ الذهبي رحمه الله عن هذا الخبر إنه موضوع، وقال عن يعيش بن هشام: “والراوي عنه مجهول فأحدهما وضع الحديث”. وأقره ابن حجر.

و يعيش بن هشام ضعفه الدارقطني وابن عساكر.

والراوي عنه هو أحمد بن جَهْوَر القرقساني، وقد قال: حدثنا يعيش بن هشام الخابوري وسمعت يحيى بن معين يقول: كان ثقة. [لسان الميزان: 8/ 542 – 543].

وأحمد بن جَهْوَر هذا قال عنه الذهبي في ترجمته: شيخ متهم بالكذب. وأقره ابن حجر وقال: من أباطيله أنه زعم أنه سمع يحيى بن معين يقول: يعيش بن هشام ثقة. [لسان الميزان: 1/ 420 – 421]. فانظر إلى حرص الكذاب على الادعاء بأن يحيى بن معين قد وثق الكذاب الآخر، ليروّج بالرواية عنه الأباطيل المختلقة، ولكن يأبى الله إلا أن يفضح الكذابين على ألسنة أئمة الجرح والتعديل، الذين يقفون لأولئك المفترين وأمثالهم بالمرصاد.

أحاديث في فضائل معاوية مما لم أجده في لسان الميزان:

 

ـ  روى ابن عدي في الكامل من طريق عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ص: “اللهم علم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب”.

عثمان بن عبد الرحمن الجحمي قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، يُكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال ابن عدي في الكامل: منكر الحديث، وعامة ما يرويه مناكير إما إسنادا وإما متنا.

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أحمد بن عبد الله الأُبُلِّي عن حُميد الطويل عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ص: “هبط علي جبريل عليه السلام ومعه  قلم من ذهب إبريز فقال: إن العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول: حبيبي، قد أهديت لك هذا القلم من فوق عرشي إلى معاوية بن أبي سفيان، فأوصله إليه، ومرْه أن يكتب آية الكرسي بخطه بهذا القلم ويشكله ويعجمه ويعرضه عليك، فإني قد كتبت له من الثواب بعدد كل من يقرأ آية الكرسي من ساعةِ يكتبها إلى يوم القيامة”.

قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، وما أبرد الذي وضعه، ولقد أبدع فيه، وأكثر رجاله مجهولون. [الموضوعات لا بن الجوزي].

وقال الذهبي: أحمد بن عبد الله الأُبُلّي عن حُميد الطويل لا يُعرف، والخبر باطل، كأنه عمله. [لسان الميزان: 1/ 506].

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدي، وهذا من طريق أصرم بن حوشب، بسنده عن علي ر أنه قال: كان ابن خطل يكتب، ثم كفر ولحق بمكة، فقال النبي ص: “من قتل ابن خطل فله الجنة”. فقُتل يوم فتح مكة وهو متعلق بأستار الكعبة، فأراد النبي ص أن يستكتب معاوية، فاستشار جبريل، فقال: “استكتبه فإنه أمين”.

قال ابن الجوزي: المتهم به أصرم. [الموضوعات لابن الجوزي].

وأصرم بن حوشب هذا قال فيه يحيى بن معين: كذاب خبيث. وقال البخاري ومسلم والنسائي والفلاس: متروك. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال الحاكم والنقاش: يروي الموضوعات. [لسان الميزان: 2/ 210 – 212].

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الخطيب البغدادي، وهذا من طريق علي بن عبد الله بن الفرج البرداني، بسنده عن أبي هريرة أنه قال: سمعت النبي ص يقول: “الأمناء عند الله ثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية”.

نقل ابن الجوزي عن الخطيب البغدادي أن الحمل فيه على البرداني. [الموضوعات لا بن الجوزي].

وذكر الذهبي أن علي بن عبد الله البرداني اتُّهم بالوضع، وجعل هذا الحديث من أباطيله، وأقره ابن حجر. [لسان الميزان: 5/ 554].

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدي، وهذا من طريق أحمد بن عيسى الخشاب، بسنده عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله ص قال: “الأمناء عند الله ثلاثة: جبريل وأنا ومعاوية”.

نقل ابن الجوزي عن النسائي وابنِ حبان أن هذا حديث موضوع، وعن ابنِ عدي أنه باطل من كل وجه. [الموضوعات لابن الجوزي].

وأحمد بن عيسى الخشاب قال فيه ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير والمقلوبات عن الثقات. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال مسلمة: كذاب حدث بأحاديث موضوعة. وقال ابن طاهر: كذاب يضع الحديث. [لسان الميزان: 1/ 568 – 569]. ويبدو أن الدارقطني لم يقف على هذا الحديث من رواية الخشاب، وإلا لأغلظ فيه القول كسائر الأئمة.

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات عن ابن عباس أنه قال: جاء جبريل إلى رسول الله ص وعنده معاوية يكتب فقال: “يا محمد إن كاتبك هذا لأمين”.

قال ابن الجوزي: فيه مجاهيل. [الموضوعات لابن الجوزي].

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق محمد بن معاوية بسنده عن عبادة بن الصامت أنه قال: أوحى الله عز وجل إلى النبي ص: استكتب معاوية فإنه أمين مأمون.

وروى كذلك في الموضوعات من طريق محمد بن معاوية الزيادي بسنده عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله ص: “استشرت ربي في استكتاب معاوية فقال: استكتبه فإنه أمين”.

ونقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد ويحيى بن معين والدارقطني أن محمد بن معاوية هذا كذاب. [الموضوعات لابن الجوزي]. ويبدو أن الحمل في تَيْنِكَ الروايتين على محمد بن معاوية، لأنه أضعف مَن في السند، وإلا فقد ذكر ابن الجوزي أن في الطريقين غيرَه من ليس بمؤتمن على دينه ومَن هو مجهول.

ومحمد بن معاوية هذا هو ابن أعين النيسابوري البغدادي المكي، وقد ذكره المزي في تهذيب الكمال تمييزا، ونقل عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عنه فقال: كان شيخا صالحا إلا أنه كلُّ ما لُقّن تلقّن، وكلُّ ما قيل إن هذا من حديثك حدث به، يجيئه الرجل فيقول هذا من حديث معلّى الرازي وكنتَ أنت معه فيحدث بها على التوهم.

ومن الأقوال في هذا الراوي أن يحيى بن معين قال لما بلغه موته: الحمد لله الذي أماته، فإنه كان يكذب على رسول الله ص. وقال أحمد: رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة. وقال البخاري والبزار وأبو أحمد الحاكم: روى أحاديث لا يُتابع عليها. وقال مسلم: متروك الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث ليس بثقة. وقال البرقاني: يضع الحديث. [تهذيب الكمال وحاشيته: 26/ 478 – 482]. وليت بعض الناس يدركون من النظر في أقوال الأئمة هنا ما معنى قولهم في الراوي “روى أحاديث لم يُتابع عليها”.

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدي عن محمد بن أحمد بن يزيد، بسنده عن ثابت عن أنس أنه قال: قال رسول الله ص: “ائتمنَ الله على وحيه: جبريل في السماء، ومحمدا في الأرض ومعاوية بن أبي سفيان”.

وذكر تضعيف ابن عدي للراوي والرواية. [الموضوعات لا بن الجوزي].

محمد بن أحمد بن يزيد البلخي قال فيه ابن عدي: كتبت عنه بدمشق، ضعيف، حدثنا بأشياء منكرة، ويسرق الحديث، ولم يكن من أهل الحديث. وذكر له هذه الرواية. [الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي. وانظر: لسان الميزان: 6/ 493].

 

– روى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن بطة قال: حدثني أبو صالح قال: حدثنا أبو الأحوص قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور عن مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبدالله بن بسر ر أن النبي ص استشار أبا بكر وعمر فقالا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ص: “ادعوا لي معاوية”. فلما وقف بين يديه قال: “حمّلوه أمركم فإنه قوي أمين”.

علق ابن الجوزي على سند الرواية فقال: فيه مروان بن جناح، قال فيه أبو حاتم الرازي: لا يُحتج به. [الموضوعات لابن الجوزي].

أقول: لا شك في أن هذه الرواية موضوعة، ولكن لا ينبغي أن يكون الحمل فيها على مروان بن جناح، فهذا قد وثقه دُحيم وأبو داود وأبو علي الحسين بن علي النيسابوري، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه الدارقطني: لا بأس به. وقال فيه أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه ولا يُحتج به. [تهذيب الكمال: 27/ 386 – 387]. فمن المستبعد جدا أن يكون هذا الراوي قد روى مثل هذه الرواية المنكرة عن يونس بن ميسرة بن حلبس التابعي الثقة عن الصحابي، ولذا فلا بد من أن يكون في السند مَن يحمل تبعتها غيره، ولعل الحمل فيها على أبي صالح شيخ ابن بطة، وهو خلف بن محمد الخيام البخاري المتوفى سنة 361، وهذا قد ضعفه أبو سعد الإدريسي، وقال عنه أبو يعلى الخليلي: خلّط، وهو ضعيف جدا، روى متونا لا تُعرف. وقال الحاكم وابن أبي زرعة: كتبنا عنه الكثير ونبرأ من عهدته، وإنما كتبنا عنه للاعتبار. [لسان الميزان: 3/ 372 – 373]. فلا يُستبعد من مثل هذا المخلّط المكنّى بأبي صالح أن يُوضع له مثل هذا المتن ويُركَّبَ له ذلك الإسناد مع دعوى السماع من الراوي الثقة أبي الأحوص محمد بن الهيثم قاضي عُكْبَرَا المتوفى سنة 279 فيحدثَ به.

ـ يتبين مما تقدم أن الباحث قد جانب الصواب عندما قال عن المحدثين: “يوثقون النواصب غالبا”. وكذا عندما قال عنهم: “الراوي في فضائل معاوية المحكوم عليها بالكذب لا يُجرح ولا تُسقط له عدالة”. وأن كلامه هذا كان من تخيلاته المخالفة للواقع.

 

بعض ما رُوي من المناكير في فضل عثمان وعمر رضي الله عنهما:

  • مما يتصل بهذا الموضوع حديثان رُويا في فضل عثمان بن عفان ر، رواهما أحد الرواة من نسله، وهو عثمان بن خالد بن عمر الأموي العثماني:

هذا الراوي روى حديثين في فضائل عثمان، أحدهما أن رسول الله ص قال له: “يا عثمان، هذا جبريل يقول عن الله تعالى: إني قد زوجتك أم كلثوم على مثل ما زوجتك رقية وعلى مثل ما صَحِبْتها”. والثاني أن رسول الله ص قال: “إن لكل نبي رفيقا في الجنة، وإن رفيقي فيها عثمان بن عفان”.

فما حظ هذا الراوي من أقوال الأئمة النقاد؟:

يتراءى للذين لا يدركون منهج الأئمة النقاد ونزاهتهم في نقد الرواة والمرويات أن يكون هذا الراوي عندهم ثقة، ولكن الواقع غير ذلك!، فقد قالوا فيه: عنده مناكير. عنده عجائب. منكر الحديث. ليس بثقة. كان ممن يروي المقلوبات عن الثقات. حدث عن مالك وغيره أحاديث موضوعة. [تهذيب الكمال وحاشيته: 19/ 363 – 365. تهذيب التهذيب: 7/ 114].

هذا من نتائج المنهج الذي لا يحابي أحدا ولو أدى إلى تضعيف روايات رويت في فضائل أحد الخلفاء الراشدين.

 

ـ  سئل الإمام أحمد رحمه الله عن حديث عقبة بن عامر “لو كان بعدي نبي لكان عمر” فقال: اضرب عليه، فإنه عندي منكر. [كما في المنتخب من علل الخلال برقم 106].

 

الحكم بالوضع على أحاديث تـُروى في فضائل الخلفاء الراشدين:

ـ  ذكر ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الموضوعات الكبرى ستة عشر حديثاً مروية بالأسانيد في فضل أبي بكر ر [2/ 40 ـ 64]، وثلاثة أحاديث في فضل عمر ص [2/ 64 – 67]، وتسعة أحاديث في فضلهما [2/ 67 – 78]، وستة أحاديث في فضل عثمان ر [2/ 78 – 88]، وحديثين في فضل الخلفاء الثلاثة [2/ 90 – 91]، وستين حديثا في فضل علي ر [2/ 92 – 196]، وأربعة أحاديث في فضل الخلفاء الأربعة [2/ 196 – 200]، وستة أحاديث في فضل معاوية [2/ 249 – 263]، وواحد من تلك الأحاديث في فضل معاوية مروي عن سبعة من الصحابة، وهذا لم يشفع له ليخرجه من الأحاديث الموضوعة، ثم روى ابن الجوزي عن الإمام المحدث الناقد إسحاق بن راهويه أنه قال: لا يصح عن النبي ص في فضل معاوية شيء.

وذكر ابن الجوزي كذلك في كتابه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية أحاديث بالأسانيد الواهية في فضائل الخلفاء الراشدين الأربعة على الانفراد والاجتماع وفي فضل معاوية [1/ 183 – 254].

 

ـ  هذا ولو كانت تصورات الباحث عن المحدثين صحيحة لما كان ينبغي أن نجد في الأحاديث الموضوعة والواهية هذه الأحاديث الكثيرة في فضل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية.

– قال الإمام ابن عدي رحمه الله في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال: حدثنا الحسن بن علي النيسابوري بمصر ومحمد بن حمدون بن خالد بنيسابور قالا: حدثنا عبد الله [بن محمد] بن سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله تعالى {وشاورهم في الأمر} أنه قال “أبو بكر وعمر”. وعلق ابن عدي فقال: “هذا الحديث ليس بمحفوظ عن ابن عيينة، وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ سعيدِ بنِ أبي مريم هذا إما أن يكون مغفلا لا يدري ما يخرج من رأسه أو يتعمد، فإني رأيت له غيرَ حديث مما لم أذكره ههنا غيرَ محفوظ”.

هل يستطيع أحد من أهل الأهواء أن يفسر لنا لم قال ابن عدي عن هذا الحديث الموقوف المروي عن ابن عباس بأنه “غير محفوظ”؟!!. أليس من الواضح وضوح الشمس أن ابن عدي يستبعد تمامًا أن يصح عن ابن عباس تفسير قوله تعالى {وشاورهم في الأمر} بأن المراد شاورْ أبا بكر وعمر؟!!، أليس في هذا دليل ساطع على دقة نظر المحدثين النقاد وعلو مقامهم في النزاهة؟!!.

 

هل يوثق الأئمة كل راو سني وخاصة إذا كان متشددا في السنة؟:

المحدثون لم يكن يمنعهم كونُ الراوي سُنّيًّا متشددا في السنةِ وردِّ الابتداع من تجريحه إذا وجدوا في مروياته ما يستحق التجريح بسببه، بخلاف ما قد يظنه بعض الباحثين اليوم، وهذه بعض الأمثلة تدل على ذلك:

 

ـ حماد بن سلمة:

لحماد بن سلمة مقام كبير جدا في نفوس العلماء وخاصة أهل الحديث، لما اشتهر عنه من التمسك الشديد بالسنة ومقاومة الابتداع، حتى قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين. وقال ابن حبان في الثقات: لم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكَتْب والجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع.

وأثنى عليه الأئمة، ووثقه العجلي والساجي والنسائي.

وهذا لم يمنع جماعة من النقاد أن يبينوا ما ظهر لهم في مروياته، فقد قال يحيى بن سعيد القطان: “حماد عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك”. وقال: “إنْ كان ما يروي حماد عن قيس بن سعد فهو”. كذا. فسأل عبد الله بن أحمد أباه لأي شيء قال هذا؟، فقال أحمد: لأنه روى عنه أحاديث رفعها. أي: والمعروف فيها أنها موقوفة.

ووثقه الإمام أحمد، وقال مرة عنه: أسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه. ووثقه ابن معين، وقال مرة عنه: من سمع منه الأصناف ففيها اختلاف ومن سمع منه نسخا فهو صحيح. ففرَّق ابن معين بين النسخ التي سمعها حماد من شيوخه وبين مصنفاته، أي فكأنه وقع له تغير في حفظه، فالنسخ التي كتبها عن شيوخه صحيحة، ولكنه عندما كتب مصنفاته في آخر عمره وقعت له فيها أخطاء. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وربما حدث بالحديث المنكر. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه. [تهذيب التهذيب: 3/ 11 ـ 16].

 

ـ  عمر بن هارون البلخي:

قال عنه الحاكم في تاريخ نيسابور: كان من أهل السنة والذّابِّين عن أهلها.

ومع هذا فإنا نجد قتيبة بن سعيد يقول لجرير بن عبد الحميد الرازي: إن عمر بن هارون حدثنا عن القاسم بن مبرور أنه قال نزل جبريل على النبي ص فقال “إن كاتبك هذا أمين”. يعني معاوية. فقال جرير: اذهب إليه فقل له كذبت. [تهذيب التهذيب في ترجمة عمر بن هارون نقلا عن الضعفاء للعُقيلي].

فانظر إلى سرعة جواب جرير بن عبد الحميد الرازي وصرامته في رد الرواية المنكرة والحكم على راويها.

وهذه أقوال الأئمة النقاد في عمر بن هارون الذي كان من أهل السنة والذّابِّين عن أهلها: مقارب الحديث. فيه ضعف. ضعيف. حدث بالمناكير. متروك الحديث. يروي عن الثقات المعضلات. يكذب. كذاب خبيث ليس حديثه بشيء.

 

ـ أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب المصعبي المروزي المتوفى سنة 323:

قال عنه ابن حبان: “كان ممن يضع المتون للآثار ويقلب الأسانيد للأخبار، على أنه كان من أصلب أهل زمانه في السنة وأنصرهم لها وأذبِّهم عن حريمها وأقمعهم لمن خالفها، وكان مع ذلك يضع الحديث ويقلبه، فلم يمنعنا ما علمنا من صلابته في السنة ونصرته لها أن نسكت عنه”.

وقال عنه الدارقطني: “كان حافظا عذب اللسان مجردا في السنة والرد على المبتدعة، لكنه كان يضع الأحاديث”. [انظر: تاريخ الإسلام للذهبي: 7/ 471]. واتهمه الدغولي بالكذب وأبو سعد الإدريسي بوضع الحديث. [تاريخ بغداد: 6/ 238 ـ 239. لسان الميزان: 1/ 642 ـ 643].

فهل شفع له أنه من أصلب أهل زمانه في السنة مع الرد على المبتدعة في أن يسكت النقاد عن وصفه بأنه كان يضع الأحاديث؟!.

 

ـ مؤمل بن إسماعيل:

قال يعقوب بن سفيان البسوي: شيخ جليل سني. ووصفه أبو حاتم الرازي بأنه شديد في السنة.

وثقه يحيى بن معين وإسحاق بن راهويه، لكن قال عنه ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ. وقال يعقوب بن سفيان: يروي المناكير عن ثقات شيوخه. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وقال الدارقطني: ثقة كثير الخطأ. [تهذيب التهذيب 10: 380 ـ 381]. فلم يشفع له كونه شديدا في السنة من بيان حاله وأنه كثير الخطأ.

 

ـ نُعيم بن حماد المروزي نزيل مصر:

قال الإمام أحمد: كان نعيم كاتبا لأبي عصمة، وهو شديد الرد على الجهمية وأهل الأهواء، ومنه تعلم نعيم بن حماد. وقال ابن عدي: وكان أحد من يتصلب في السنة، ومات في محنة القرآن في الحبس.

وثقه الإمام أحمد والعجلي، ووثقه ابن معين في رواية، وقال في رواية: إلا أنه كان يتوهم الشيء فيخطئ. وقال في رواية أخرى: ليس في الحديث بشيء ولكنه صاحب سنة. وقال صالح جزرة: عنده مناكير كثيرة لا يُتابع عليها. وقال ابن يونس: روى أحاديث مناكير عن الثقات. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ ووهم. وقال الدارقطني: إمام في السنة كثير الوهَم.

 

هل يضعف المحدثون الراوي المعتزلي أو الحنفي المذهب بسبب مذهبه؟:

يظن بعض الناس أن المحدثين يضعفون كل من لا يوافقهم فيما يذهبون إليه في العقيدة أو الفقه، فيضعفون المعتزلة بإطلاق، ويضعفون الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى وكلَّ من كان على مذهبه، وهذا غير صحيح، لأنهم يضعفون الراوي الذي وجدوا له روايات أخطأ فيها وأنها لا تُحتمل منه، فقد ضعَّفوا الإمام أبا حنيفة رحمه الله بسبب الأخطاء التي وقع فيها في السند أو المتن، ولو كان تضعيفهم إياه بدافع التعصب لضعَّفوا كل من كان على مذهبه، ولكن الواقع غير ذلك.

قد يرون ترك الرواية عن راو لمَا بلغهم عنه من أقوال لا يرتضونها، وقد ينهون تلاميذهم عن الكتابة عنه، لكن لا يضعفونه بذلك.

وهذه بعض الأمثلة التي تبين صحة ما أقول:

ـ محمد بن عمران بن موسى المرزباني المتوفى سنة 384، كان يشرب النبيذ، وقال عنه أبو إسحاق الأزهري: كان معتزليا وما كان ثقة. وعلق على ذلك الخطيب البغدادي فقال: ليس حاله عندنا الكذب. ونقل عن شيخه الثقة أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد العتيقي أنه قال فيه: كان معتزليا ثقة. [تاريخ الإسلام للذهبي: 8/ 563 ـ 564]. فانظر إلى توثيق العتيقي للمرزباني وإقرار الخطيب البغدادي والذهبي له على ذلك.

 

ـ يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي تلميذ الإمام أبي حنيفة رحمهما الله:

لينه بعض المحدثين، لكن ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى وقال: كان عند أبي يوسف حديث كثير، وكان يُعرف بالحفظ للحديث، ثم لزم أبا حنيفة فتفقه وغلب عليه الرأي. وذكره الإمام البخاري في كتاب الضعفاء وقال: تركه يحيى وعبد الرحمن ووكيع وغيرهم. أي إن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيعا تركوا الرواية عنه.

ومع ذلك فقد قال الإمام أحمد عنه: صدوق، ولكن من أصحاب أبي حنيفة، لا ينبغي أن يُروى عنه شيء. وقال يحيى بن معين: كان يميل إلى أصحاب الحديث كثيرا، وكتبنا عنه، ولم يزل الناس يكتبون عنه. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه وهو أحب إلي من الحسن اللؤلؤي. [هذه الأقوال الثلاثة في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم].

وأما ابن حبان فذكره في الثقات وقال: “كان شيخا متقنا، أدخلنا زفر وأبا يوسف بين الثقات لمَا تبين عندنا من عدالتهما في الأخبار، وأدخلنا من لا يشبههما في الضعفاء”.

وذكر ابن عدي أبا يوسف في كتابه الكامل وقال: إذا روى عنه ثقة وروى هو عن ثقة فلا بأس به وبرواياته.

 

ـ زفر بن الهذيل تلميذ الإمام أبي حنيفة رحمهما الله:

قال عنه ابن سعد في الطبقات: لم يكن زفر في الحديث بشيء. لكن قال فيه أبو نعيم الفضل بن دكين وابن معين: ثقة مأمون. [كما في الجرح والتعديل]. ووثقه الدارقطني [كما في سؤالات البرقاني]. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنا حافظا قليل الخطأ.

 

ـ حفص بن عبد الرحمن بن عمر بن فـَرُّوخ، أبو عمر البلخي، المتوفى سنة 199:

هو أحد الرواة عن الإمام أبي حنيفة ووُصف بأنه أفقه أصحابه الخراسانيين، كما وُصف بالوَقار والفقه والورع. قال فيه أبو حاتم: صدوق مضطرب الحديث. وقال الخليلي: تعرف وتنكر.

ولم يمنع هذا عددا من أئمة الجرح والتعديل الآخرين أن يكون لهم قول آخر، فقد قال فيه أبو داود: خراساني مرجئ ولكنه صدوق. وقال النسائي: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مرجئا، ووثقه الحاكم.

فقد اختلفت فيه أقوال أئمة الجرح والتعديل وقال كل واحد منهم ما أداه إليه نظره في مروياته، ولو كان كل حنفي عندهم مجروحا لاتفقت كلماتهم على تضعيفه.

 

ـ  حماد بن دُليل أبو زيد قاضي المدائن:

روى عن أبي حنيفة، وأخذ عنه الفقه.

ضعفه الأزدي، ولكن قال عنه أبو داود: ليس به بأس. ووثقه ابن معين وابن عمار وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات.

 

ـ النضر بن محمد القرشي العامري مولاهم المروزي المتوفى سنة 183:

كان من أصحاب أبي حنيفة، وقد ضعفه الأزدي، وقال فيه البخاري والساجي فيه ضعف، وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقوي.

ووثقه النسائي والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مرجئا.

 

ـ رباح بن خالد الكوفي: قال يحيى بن معين والعجلي: لم يكن به بأس، كان يتشيع، وكان من أصحاب أبي حنيفة. أي كان على مذهبه ويقول بقوله.

 

– معلـَّى بن منصور الرازي البغدادي المتوفى سنة 211:

قال أحمد بن كامل القاضي الفقيه الحنفي المتوفى سنة 350: المعلى بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد ومن ثقاتهم في النقل والرواية.

قال أحمد ابن حنبل: ما كتبت عن معلى شيئا قط ولا حرفا. وكان سيئ الرأي فيه، يرى أنه كان مرجئًا، وأنه كان يكتب الشروط ومن كتبَها لم يخْلُ من أن يكذب، وقال: كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطئ في حديثين أو ثلاثة.

وقال ابن سعد وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: صدوق. ووثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة والخطيب البغدادي، وذكره ابن حبان في الثقات.

 

ـ ابن أبي عمران أبو جعفر أحمد بن موسى بن عيسى المتوفى سنة 280:

هو أستاذ أبي جعفر الطحاوي، وشيخ الحنفية بمصر في وقته، قال أبو سعيد ابن يونس: ثقة. وأقره الخطيب البغدادي. [تاريخ بغداد: 6/ 348].

 

ـ أبو جعفر السمناني محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، قاضي الموصل وشيخ الحنفية:

قال الخطيب البغدادي: كتبت عنه وكان صدوقا فاضلا حنفيا. [تاريخ الإسلام للذهبي: 9/ 663].

 

ـ أحمد بن علي بن محمد بن موسى الإستراباذي الفقيه الحنفي: ذكره الخطيب البغدادي ووثقه. [تاريخ بغداد: 5/ 519 ـ 520].

 

ـ أبو بكر إسحاق بن إبراهيم بن خالد الطلقي الإستراباذي: قال حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني: كان من أهل الرأي ثقة في الحديث. [تاريخ جرجان للسهمي برقم 1069].

 

ـ أحمد بن العباس الإستراباذي: قال حمزة بن يوسف: كان فقيها ثقة من أهل الرأي. [تاريخ جرجان للسهمي برقم 1038].

 

– شداد بن حكيم أبو عثمان البلخي:

من الرواة عن زفر بن الهذيل.

قال ابن حبان: أحب مجانبة حديثه، لتعصبه في الإرجاء وبغضه من انتحل السنن أو طلبها، مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات.

وقال الخليلي: روى عن الثوري وأبي جعفر الرازي وأقرانهما، وروى نسخة عن زفر بن الهذيل، وهو صدوق. [لسان الميزان: 4/ 237 برقم 3773].

بلغ

هل يضعف المحدثون أقرباءهم إذا كانوا يستحقون التضعيف؟:

ـ عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني:

ضعيف منكر الحديث، وهو والد الإمام علي بن المديني.

كان علي بن المديني لا يحدث عن أبيه، فكان قوم يتهمونه بالعقوق، فلما كان بآخره حدث عنه. وذكر أباه مرة فقال: صدوق وهو أحب إلي من الدراوردي. وحدث عن أبيه مرة ثم قال “وفي حديث الشيخ ما فيه”. وسئل عن أبيه فقال: سلوا غيري. فأعادوا، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: هو الدين. أي إن من حق الأب أن أقول فيه الخير وأن أذكره بالثناء، ولكن ديني يحتـِّم علي هنا أن لا أفعل، لأن الحديث عن رسول الله ص دين، وهو ليس بقوي في الحديث. وحدّث قتيبة بن سعيد مرة عن عبد الله بن جعفر المديني، فقام حَدَثٌ من المجلس فقال: ابنه عليه ساخط، حتى يرضى عليه. [تهذيب التهذيب: 5/ 174 ـ 176].

ـ عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، ابن الإمام أبي داود صاحب السنن:

وثقه الدارقطني وغيره، واعترف له العلماء بالحفظ، ومع ذلك فقد قال والده: ابني عبد الله كذاب. وكذبه إبراهيم الأصبهاني، وقال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فيه. [لسان الميزان: 4/ 490 ـ 491].

ـ الحسين بن المتوكل بن أبي السري العسقلاني، وهو أخو محمد بن المتوكل:

قال فيه أخوه محمد: لا تكتبوا عن أخي فإنه كذاب. وقال أبو عروبة عنه: كذاب، هو خال أمي. وضعفه غيرهما. [تهذيب التهذيب: 2/ 365 ـ 366].

ـ أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي: قال عنه أبوه : يكذب.

ـ محمد بن محمد بن سليمان الباغندي: قال عنه ابنه أحمد: يكذب. وقد يكون في كل من الأب وابنه شيء من التساهل في الرواية أو سرقة الحديث فأطلق كل واحد منهما عن الآخر لفظة الكذب، وهذا يعني أن أيا منهما لم تمنعه صلة القرابة من أن يقول رأيه بكل وضوح وصراحة.

 

قرائن على نزاهة المحدثين وبعدهم الشديد عن الأهواء النفسية سوى ما تقدم:

ـ  من المعلوم المقطوع به عناية المحدثين بكتابة الحديث، مع الحرص على الرحلة والتطواف في سبيل كتابته وتدوينه، وقد جاء حديث يؤيد فكرة هذا التوجه، فانظر إلى هذا الحديث وإلى موقف المحدثين منه:

جاء هذا الحديث من أربعة طرق عن التابعي الثقة أبي صالح السمان تلميذ أبي هريرة عن أبي هريرة ر أن رجلا شكا حفظه إلى رسول الله ص، فقال “استعن على حفظك بيمينك”. يعني: اكتب. [تقييد العلم للخطيب البغدادي: ص 65 – 68].

في الطريق الأول من الطرق الأربعة خَصِيب بن جحدر، وقد كذبه شعبة ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والبخاري و الساجي وابن الجارود.

وفي الطريق الثاني يحيى بن سعيد العطار، وقد قال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال الجوزجاني والعُقيلي: منكر الحديث. وضعّفه ابن خزيمة وابن عَدِيٍّ ومسلمة بن قاسم، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.

وفي الطريق الثالث الخليل بن مرة، وقد قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وضعفه النسائي، وذكره الساجي والعقيلي وابن الجارود والبرقي وابن السكن في الضعفاء، ووثقه أحمد بن صالح المصري.

وفي الطريق الرابع مسعدة بن اليسع، وقد قال فيه الإمام أحمد: خرقنا حديثه منذ دهر. وكذبه أبو داود.

قد لا يرى كثير من الناس اليوم في هذا الحديث نكارة، خاصة وأنه يؤيد عمل المحدثين، وربما يرى كثير من الناظرين فيه صحته!، ولكن للمحدثين نظر آخر.

ترى: هل كانت وسائل الكتابة في العهد النبوي شائعة وميسورة لدرجة أن يأتي الرجل إلى النبي ص فيشكو إليه سوء الحفظ فيقول له “استعن على حفظك بيمينك”؟!، وهل كان هذا الحديث مما سمعه أبو صالح من أبي هريرة فينفرد بروايته عنه الكذابون ورواة المناكير؟!.

ـ  جاء حديث غريب في وصف حال المحدثين، وهو ما رُوي من طريق محمد بن يوسف بن يعقوب الرقي عن الطبراني عن إسحاق الدبري عن عبد الرزاق الصنعاني عن معمر عن الزهري عن أنس عن النبي ص، ونصه: “إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر الله تعالى جبريل أن يأتيهم فيسألهم وهو أعلم بهم، فيقول: من أنتم؟. فيقولون: نحن أصحاب الحديث. فيقول الله عز وجل: ادخلوا الجنة على ما كان منكم، طال ما كنتم تصلون على نبيي في دار الدنيا”. [الموضوعات لابن الجوزي بتحقيق الدكتور نور الدين بوياجيلار: [1/ 425].

لم يفرح المحدثون بهذا الحديث، ولا قالوا إنه من المعجزات النبوية، حيث جاء الإخبار عنهم وعن حملهم المحابر، ولكن حكموا عليه بالوضع، وقد قال الدارقطني: وضع محمد بن يوسف الرقي نحوًا من ستين نسخة. وقال الخطيب البغدادي: هذا حديث موضوع، والحمل فيه على الرقي.

ـ  من المعلوم أن المحدثين يقولون إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وينكرون أشد الإنكار على القائلين بخلق القرآن، ويقولون إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ويكرهون المرجئة والقدرية وسائر أهل البدع، ويحذّرون من الرواية عن غير أهل الصدق والتثبت، فإذا رُويت أحاديث عن النبي ص في هذه المعاني فالمظنون فيهم ـ عند كثيرين ـ أن يبادروا إلى قبولها وإشاعتها والاعتماد عليها، ولكن الواقع هو غير هذا، فانظر إلى هذه الأحاديث وإلى حكم المحدثين عليها:

ـ  روي من طريق محمد بن عبد بن عامر السمرقندي من رواية جابر ر مرفوعًا إلى النبي ص أنه قال: “من قال القرآن مخلوق فقد كفر”. [قال الدارقطني: محمد بن عبدٍ يكذب ويضع. وقال الذهبي: كان يضع الحديث. وانظر: الموضوعات لابن الجوزي: 1/ 151].

ـ  روي من طريق محمد بن يحيى بن رزين المصيصي من رواية أنس مرفوعًا إلى النبي ص أنه قال: “كل ما في السماوات وما بينهما فهو مخلوق غير الله والقرآن، وذلك أنه كلامه، منه بدأ وإليه يعود، وسيجيء أقوام من أمتي يقولون القرآن مخلوق، فمن قاله منهم فقد كفر”. [قال ابن حبان: محمد بن يحيى بن رزين كان دجالاً يضع الحديث. وقال الخطيب البغدادي: ذاهب الحديث. وانظر: الموضوعات لابن الجوزي: 1/ 152].

ـ  روي من طريق عمار بن مطر من رواية معاذ مرفوعا: “الإيمان يزيد وينقص”. [قال أبو حاتم الرازي: عمار بن مطر كان يكذب. وقال ابن عدي: متروك الحديث، أحاديثه بواطيل. وانظر: الموضوعات لابن الجوزي: 1/ 188].

ـ  روي من طريق أحمد بن محمد بن حر ب عن محمد بن حميد الرازي من رواية أبي هريرة مرفوعا: “الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومن قال غير ذلك فهو مبتدع”. [قال ابن عدي وابن حبان عن أحمد بن محمد بن حرب: كان كذابا يضع الحديث. ومحمد بن حميد: كذبه أبو زرعة وابن وارة وغيرهما. وانظر: الموضوعات لابن الجوزي: 1/ 189].

ـ  رو ي عن أنس مرفوعا: “صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: المرجئة والقدرية”. [انظر: الموضوعات لابن الجوزي: 1/ 195].

ـ  روي عن عبد الله بن بسر وعن عائشة وعن ابن عباس مرفوعا: “من وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام”. [انظر: الموضوعات الكبرى لابن الجوزي: 1/ 444. وقال المؤلف بعد بيان حال أسانيده: إنما يروى نحو هذا عن الفضيل بن عياض ونظرائه من أهل الخير].

ـ  روي من طريق هارون بن هارون عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا: “هلاك أمتي في ثلاث: في العصبية والقدرية والرواية عن غير ثبت”. [هارون بن هارون قال فيه البخاري وأبو حاتم: لا يُتابع في حديثه. وضعفه النسائي والدارقطني، وقال ابن حبان: كان يروي الموضوعات عن الثقات. وعبد الله بن زياد بن سمعان كذبه مالك والجوزجاني، وقال أحمد: متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: لا شيء. وانظر: الموضوعات الكبرى لابن الجوزي: 1/ 456].

ـ  قال الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان: أحمد بن إبراهيم بن يزيد حدَّث بحديثين منكرين لم يُتابع عليه.

ثم روى من طريقه هذين الحديثين، أحدهما عن عمر بن الخطاب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُجمع الناس غدا في الموقف، ثم يُتلاقط منهم قَذَفَة أصحابي ومبغضوهم فيُحشرون إلى النار”. والثاني عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل الناس يرجو النجاة يوم القيامة إلا من سب أصحابي، فإن أهل الموقف يلعنهم”.

وقال الذهبي في الميزان عن هذا الراوي: له مناكير.

فما وجه النكارة عند المحدثين في هذين الحديثين اللذين فيهما الوعيد لمن يقذف الصحابة ويسبهم؟!.

مثل هذه النصوص لا تشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم في نظر المحدثين، ولذا فإنهم يحكمون عليها بالنكارة حتى وإن كانت مما يؤيد طريقتهم ومذهبهم.

ـ  أليس في توهين هذه الأحاديث ونحوها مع الحكم عليها بالوضع: الدليلُ الواضح على نزاهة المحدثين وبعْدهم عن الهوى؟!، أليس في ذلك أكبر دليل على دقة نظر المحدثين إذ يرون النكارة في نسبة هذه الأحاديث إلى رسول الله ص لأنه لم يكن يحدث أصحابه عن مثل هذه الدقائق التي لم تقع في زمنه؟!.

 

–  وأتساءل في آخر هذا المطاف: هل يوجد في علماء سائر الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية مثل ما لهؤلاء الأئمة من علماء الحديث من النزاهة والورع والبعد عن أهواء النفس؟!.

 

أهم نتائج البحث:

ـ  أئمة المحدثين النقاد يبذلون جهدهم في جمع روايات السنة النبوية وتمحيصها بكل نزاهة وتجرد وبعد عن الهوى.

ـ  أحكام المحدثين على الرواة تخضع لمعايير نقدية منصفة دون محاباة ولا مجاملة ولا تحامل.

ـ  المحدثون يوثّقون من كان شيعيًا أو ناصبيًا إذا كانت مروياته مستقيمة، ويضعّفون من كان شديدًا في السنة إذا كان في مروياته مناكير.

ـ  قد يضعّفون حديثًا مرويًّا في فضل أحد الخلفاء الراشدين أو يحكمون عليه بأنه موضوع، كما يحكمون على الحديث الذي يؤيد أقوالهم ومذاهبهم العَقَدية بالوضع إذا كان لا يشبه كلام النبي ص ولا ينسجم مع ما عُرف من الروايات الثابتة عنه.

ـ  أئمة المحدثين مجتهدون، وقد تختلف اجتهاداتهم، وحسبهم أن يقول كل واحد منهم في الأحاديث أو الرواة بحسب ما يؤديه إليه اجتهاده.

ـ  لا يجوز لمن وقف على قول لأحد أئمة المحدثين أن ينسب ذلك القول للمحدثين بإطلاق، فقد يكون لغيره من الأئمة قول آخر.

والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.

* * * * *

 

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وحببنا فيه

وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه وكرّهنا فيه

والحمد لله في البدء والختام

 

وكان الفراغ من كتابة هذا البحث سوى بعض التعديلات يوم الأحد 17/ 3 / 1430، الموافق 15 / 3 / 2009 بيد كاتبه صلاح الدين بن أحمد بن محمد سعيد الإدلبي عُفي عنه.


يمكن تحميل نسخة فاخرة من النص السابق حيث استبدلت كلمات (صلى الله عليه وسلم بالحرف ص) و(رضي الله عنه أو عنهما بالحرف ر) لعدم دعم صيغة HTML لهذه الحروف الخاصة . لكن يمكن تحميل البحث من ملف بي دي إف المرفق أدناه .

أحكام المحدثين على الرواة


رأي الشيخ سلمان أبو غدة :

بحث جميل جدا سلمت ايديكم واطال الله عمركم .

رأي من الشيخ عمر محمد الكاف الحضرمي

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله وصلى الله وسلم على قدوتنا ونور صدورنا محمد بن عبدالله وآله وصحبه ومن والاه وبعد..
جزاكم الله خيرا على هذه المقالة الماتعة النافعة الفائقة الرائقة الجامعة المانعة في هذا الموضوع الهام جدا جدا وهو كيف يضع المحدثون أحكامهم على الرواة
وكانت المقالة مليئة بالعلم والأدب والرقي، والبعد عن الحدة والشدة، تداعب شغاف القلب، لتوصله إلى الحق وتعرفه الإنصاف والحيادية، لا إفراط ولا تفريط، وتعلمه اتباع الحق سواء لك أو عليك، معك أو مع غيرك،  (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [سورة يونس 35]
وتذكرت بعد انتهائي من قراءة المقالة مقولة عندنا معشر الحضارمة عن مدينة تريم المحفوفة بالنور القاطنين فيها ثلة من اهل البيت الطاهر المنسوبين إلى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه: تريم شيخ لمن ليس له شيخ.
ومقولة أحد شيوخنا المعاصرين يثني بها شيخه في مدينة تريم  السيد محمد بن علوي بن شهاب: مجالسة هذا السيد تغني عن قراءة كتب التواضع.
وبعد قراءتي لهذه المقالة للشيخ صلاح وبعض كتبه علمت بأنها شيخ في علم العلل وتطبيقاته لمن ليس له شيخ،
وتغني عن قراءة العشرات من كتب المصطلح ومعرفة حده وموضوعه ولم ينهلوا من ثمرة هذا العلم ولا من شهده وعسله.

فجزاه الله عنا خير ما جزى معلم عن تلاميذه

عمر محمد الكاف الحضرمي الشافعي
1 مارس 2017


رأي الأستاذ الدكتور أنبياء يلديريم ، عضو هيئة التدريس في قسم علوم الحديث في كلية الإلهيات في جامعة أنقره ، تركيا .

أشكر لأخينا الفاضل الدكتور صلاح الدين لهذا المقال المفيد. و طلبت من أحد المعيدين أن يترجمه إلى التركية لأن يستفيد منه أساتذة الحديث و الطلاب. لإنه يحتوي فكرا و يسهل فهم جانب من جوانب علم الحديث الشريف. و هذا المقال بمثابة ملخَّص لمعرفة استاذنا الواسعة. و نحن نحتاج الى أمثاله لأننا مللنا من تكرار أقوال العلماء بكلمات جديدة بدون فائدة و بدون اضافة شيء جديد.

رأي الدكتور أحمد البراء الأميري:

فضيلة أخي الشيخ الدكتور صلاح الدين الإدلبي رعاه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ؛ فقد قرأت بحثكم القيم أحكام المحدثين على الرواة فشفاني وكفاني فجزاكم الله خيرا وزادكم علماً
إن بعض أعداء هذا الدين لا يفتؤون يزرعون الشبهات في أذهان الناس ليسقطوا هيبة السنة في قلوب عامتهم ولكن الله يقيض علماء يذبون عنها من أمثالكم ،فلله الحمد والمنة
وفقكم الله ونفع بعلمكم

رأي الأستاذ أغيد السباعي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
اﻷستاذ الدكتور صلاح الدين اﻹدلبي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعداستفدت من واستمتعت بقراءتي للبحث المعنون (أحكام المحدثين على الرواة بين المعايير النقدية واﻷهواء المذهبية) ووجدت فيه فوائد كثيرة ومساعي بينة لتقريب الطوائف اﻹسلامية بعضها من بعض بأسلوب علمي بحت ومحكم بأدواته من توثيق ومنطق و شواهد لا يختلف عليه إلا صاحب هوى أو بدعة.
لقد أنشأ المسلمون علم الجرح والتعديل لجعل نقل اﻷقوال والنصوص علما ذو منهجية. بهذا العلم نوثق الأخبار والتاريخ والعلوم الإسلامية، لاسيما الأحاديث النبوية والقرآن. لذلك من نتاج تهمة الباحث الذي أغفل اسمه الشيخ صلاح الدين لأصحاب هذا العلم باتباع الهوى و الخضوع للآراء السياسية آنذاك هو زعزعة ثقة المسلمون بمواريثهم الدينية والعلمية. ولولا تصدي علمائنا كالشيخ صلاح الدين لمثل تينك الإفتراءات على السنه النبوية لتبعها افتراءات على القرآن نفسه.
فبارك الله لنا بعلمائنا ومشايخنا الذين يسهرون على ثغور اﻹسلام العلمية والفكرية.


رأي الأستاذ  عماد حلاق

لا يمكن للمرء وهو يقرأ هذا البحث القيم (أحكام المحدثين على الرواة بين المعايير النقدية والأهواء المذهبية) إلا أن يقف بإجلال أمام عمل المحدثين جزاهم الله عن الإسلام والأمة كل خير ، بابتكارهم هذا العلم الذي لولاه لقال من شاء بما شاء ، وبوضعهم ضوابط أخلاقية ومهنية عالية جعلت أمة الإسلام تنفرد عن غيرها من الأمم بهذا العلم الجليل الذي حفظ لنا السنة الشريفة المطهرة. كما لا يمكن للمرء إلا أن يقف بإجلال أيضا أمام بحث الشيخ د. صلاح الدين الإدلبي الذي تمثل روح الأئمة الذين سبقوه وضوابطهم وأخلاقهم و سلك منتهى الحيادية والأكاديمية في أبحاثه ودراساته و أحكامه .
ما أحرانا الدأب على تعريف الأجيال المعاصرة بالأسس العلمية المتينة التي قامت عليها علوم الحديث فتطمئن الأجيال إلى ميراثها من النبوة و تعض عليه بالنواجذ ، وتعرض عن طعن الطاعنين و تشكيك المشككين الذين نعرفهم في لحن القول ولا يصرحون بما يبطنون .
لقد شرف الله أمة المسلمين بخاتم رسالاته ، و اختصها بحفظ القرآن من التحريف كما حدث مع باقي الرسالات ، فكانت علوم التجويد والقراءات والخطوط والتنقيط والإعراب و النحو والصرف وغيرها ، كما ألهمها وضع علوم الحديث من ضبط السند والمتن ، والجرح والتعديل في علم الرجال فتم حفظ الصنو الآخر من الوحي (الحديث الشريف) وهو الذي يشرح القرآن الكريم ويبين معانيه .
والقارئ لبحث الشيخ د. صلاح يرصد التزام علمائنا بالحياد العلمي الصارم الذي لا يحابي قريبا و لا يبخس عدوا . ويلمس التقوى التي تسكن القلوب و تصفي النوايا و تطرد حظ النفس والشيطان . وحق لهؤلاء المتقين أن يكونوا حملة رسالة الله الخالدة لكل البشرية فكانت خير أمة أخرجت للناس ، أمة مؤيدة بنصر الله تحمل رسالته سبحانه وتعالى صافية رقراقة ، ملتزمين بالعدل راسخين كالطود العظيم مستلهمين موقفهم وسلوكهم من قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾ المائدة) وبهذه الأخلاق كانت أمتنا مؤهلة لحمل الأمانة ونقل الرسالة و إحقاق العدل ، وبتلك العلوم هيأ الله تعالى حفظ الوحي الإلهي (القرآن) و وحي النبوة (الحديث)
أكثر الله من أمثال الشيخ د. صلاح الذي نقل إلينا هذه الأخلاق والعلوم من بطون الكتب و تمثلها بنفسه فكان خير معلم لنا في وقت طغت فيه العصبيات للمدارس الفكرية والمذهبية وأصبحت العقول مطايا للنفوس . وأسأل الله تعالى أن يجعلنا من المخلصين له وحده ، والسائرين على درب هؤلاء العلماء الأكابر ، وأسأله تعالى أن يجمعنا في عليين مع الأنبياء والصديقين في جنات النعيم ، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .