بدع الاعتقاد

بدع الاعتقاد في التجسيم و الإرجاء

بقلم : صلاح الدين بن أحمد الإدلبي

 

بدع الاعتقاد

في التجسيم والإرجاء

 بقلم

صلاح الدين بن أحمد الإدلبي

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

وبعد، فقد يسر الله تبارك وتعالى لي أن أقرأ قدْرا ولو ضئيلا مما كتبه بعض العلماء السابقين رحمهم الله تعالى، فوجدت بعضهم يحث في عامة كتاباته على اتباع الكتاب والسنة وينهى عن مخالفتهما ويحذر من البدع تحذيرا شديدا، ويجزيه الله تعالى على ذلك خير الجزاء، ولكنْ عنده ـ إلى جانب ذلك ـ بدع في الاعتقاد، وأرى أن من الواجب الشرعي بيانَ ذلك، نصحا للأمة، وإبراء للذمة.

ـ أقول بادئ ذي بدء: روى الإمام مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. ورواه البخاري بنحوه. [صحيح مسلم: 4/ 1999].

ومن التوادِّ والتراحم والتعاطفِ البعدُ عن كل ما يفرق جماعة المسلمين ويقطـِّع أوصالهم، وهذا يتطلب منا الاجتماع على ما اجتمعنا عليه ومتابعة الحوار العلمي الهادئ فيما اختلفنا فيه، من باب “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

 

بدعة التجسيم

ـ قد يقع في كلام بعض العلماء شيء من البدع، والواجب التحذير من الوقوع فيها مع الدعاء لمن وقعت في كلامه بأن يجعلها المولى جل جلاله مغفورة في جانب حسناته، بفضله وكرمه.

والواجب على من يحبون ذلك العالم الذي وقع في كلامه شيء منها أن لا تأخذهم العزة فيرفضوا الحق ويستمسكوا بما لا دليل له، بل عليهم أن يقبلوا النصح ويتجنبوا البدع ويصححوا مسار الفئة التي هم فيها.

ومن المؤسف أن بعض المحبين المغالين ربما يجره استمساكه بما هو عليه إلى التغاضي عما في كلام شيخه والانتقال إلى إيرادِ ما وقع فيه غيره من أخطاء!، وهذا من الخلل في المنهج، لأن الذي يريد الحق ينبغي أولا أن يقر بحكم ما هو أمامه ثم ينتقلَ إلى مسألة أخرى إذا أحب، وهذا برهان محبة الحق بالإخلاص.

ثم عليهم بعد ذلك أن لا يبخلوا بالنصح والتسديد لسائر المسلمين، بالحث على اتباع السنن وإماتة البدع من أي فريق كان.

ـ والمراد هنا التمسك بالسنن المتفق عليها، والرجوع عن البدع المتفق على بدعيتها، وإشاعة روح الحوار حول المختلف فيه بغية الوصول إلى ظهور ما يؤيده الدليل.

والبدعة المذمومة هي كل أمر مستحدث في الدين ليس له دليل يدل على صحته من نصوص الكتاب والسنة ولا يندرج تحت نص من تلك النصوص.

ـ وكل عالم من علماء المسلمين قد يكون أصاب في أشياء وأخطأ في أشياء، فلا عصمة عندنا ـ معشر أهل السنة ـ لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكل واحد يُؤخذ من قوله ويُترك إلا من اصطفاهم الله تعالى بالنبوة والرسالة.

ـ وقبل عرض بعض النبذ من بدع الاعتقاد التي وقعت في كلام أحد العلماء لا بد من الإشارة إلى أمر هام في غاية الخطورة، وهو بدعة اتخاذ عالم من علماء المسلمين حجة وميزانا يُوزن به غيره من العلماء، وقد وقع في هذا الأمر كثير من أتباعه الذين قلدوه على غير استبصار وكثيرٌ ممن قلدوا غيره كذلك.

وذلك أن الحجة ـ عند علماء المسلمين ـ هي في كلام الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، وهما الميزان الذي تـُوزن به أقوال الناس وأفعالهم لتمييز ما فيها من خطأ وصواب.

والذي فعله كثير من أتباع ذلك الشيخ رحمه الله هو أنهم استبدلوا كلامه بكلام الله تعالى وكلامِ رسوله صلى الله عليه وسلم، فلمعرفة ما إذا كان كلام أي عالم من علماء المسلمين خطأ أو صوابا فإنهم لا يقبلون بالرجوع إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله، ولا يرضَوْن إلا بأن تـُوزن الأقوال بما قاله هو، فمن وافق قولـُه قولـَه فهذا ـ عندهم ـ هو السنة وقولُ السلف وهو الصوابُ المقبول، وما خالف قولـَه فهذا ـ عندهم ـ هو البدعة وقولُ أهل الأهواء وهو الخطأ المردود!!.

فلمعرفة ما في كلام الطحاوي أو ابن حبان أو البيهقي مثلا من صواب فإنه يجب ـ عندهم ـ أن تـُعرض أقوال أي واحد من هؤلاء على كلامه!، فمن شهدت له نصوص ذلك الشيخ فعقيدته سليمة!، ومن لم تشهد له فهو مبتدع أو فيه شيء من البدع!، وربما حكم بعض الذين يظنون أنهم أهل الفرقة الناجية من أتباعه ـ اليوم ـ على بعض العلماء بأنه مبتدع وضال ومن أهل النار!، وربما قالوا هو من أهل النار الذين تنالهم الشفاعة فيُخرَجون منها ولا يُخلدون فيها!، وربما قالوا عنه مشرك أو فيه رائحة الشرك!، لا لشيء سوى أنه مخالف لذلك الشيخ في بعض مسائل العقيدة!!.

إنه خلل كبير في فهم العقيدة السليمة عند الذين يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ـ يحكم ذلك الشيخ على الأشاعرة والماتريدية مثلا بأنهم مبتدعون، وقد أخذ مقلدوه هذه المقولة وتبنوها وأشاعوها، دون بحث ولا تمحيص، فمزقوا بذلك شمل الأمة وشتتوها، فخسرت ـ وما تزال تخسر كل يوم ـ من جراء ذلك ما الله به عليم، ومن العجيب الغريب أن بعض من يريدون البحث في تمحيص هذه المسألة لا يرجعون إلى كتب الأشاعرة والماتريدية أنفسهم، ويعتمدون بالدرجة الأولى على ما نقله خصمهم عنهم!.

وكلامي هذا لا يعني أن هذه المذاهب وأمثالها كلها صواب أو كلها خطأ، ولكن الذي أريده أمران:

أحدهما أن يتم توثيق الأقوال المردود عليها من كتب أصحابها وأهل مذاهبهم، لا من كتب مخالفيهم.

وثانيهما أن يُحتكـَم في مناقشتها لكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه وما انبثق عنهما، لا إلى ما قاله الرجال.

ـ كثيرا ما يأتي ذلك الشيخ في كتبه ببعض الأقوال في العقيدة دون أن يذكر ما يشهد لصحتها من نصوص الكتاب والسنة الثابتة، وهو يردد مرارا وتكرارا أنه على منهج السلف وأنه لا يخرج عن أقوال السلف، وحيث إن فيها بعضَ ما يخالف منهج السلف وأقوال السلف فإنها بحاجة إلى مراجعة شاملة من قِبل أهل العلم المنصفين، بحيث يتم تأكيدُ ما له دليل يثبته، وتزييفُ ما عليه دليل ينفيه، والتوقفُ فيما ليس له لا هذا ولا ذاك.

وهذه بعض النبذ من كلام ذلك الشيخ ـ رحمه الله وغفر له ـ والتي أرى أنها مشتملة على خلل في العقيدة:

* 1 ـ أنكرَ الشيخ أن الله تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ورأى قولَ ابنِ حزمٍ في كتاب مراتب الإجماع “وأن الله تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه”، فعلـَّق قائلاً: “هذه العبارة ليست في كتاب الله، ولا تـُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نعرف هذه العبارة عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين”. [نقد مراتب الإجماع: 1/ 303].

أقول:

كلامه مخالف للحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كان الله ولم يكن شيء غيره”. [انظر إن شئت: كتاب حديث كان الله ولم يكن شيء غيره رواية ودراية وعقيدة بقلم صلاح الدين الإدلبي].

كما انعقد إجماع العلماء ـ على ما نقله ابن حزم ـ على القول بمدلول هذا الحديث الصحيح قبل أن يجيء ذلك الشيخ ويخرقَ الإجماع.

وهذه أسماء من وقفت على أقوالهم من العلماء القائلين بأن الله كان ولم يكن شيء غيره:

ـ يزيد بن هارون من شيوخ الإمام أحمد والمتوفى سنة 206.

ـ الإمام الكبير أحمد بن محمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي المتوفى سنة 241.

ـ الإمام الترمذي صاحب السنن المتوفى سنة 279، حيث ذكر في سننه قول يزيد بن هارون الذي تقدم قريباً ولم يذكر له مخالفاً ولا تعقبه بشيء.

ـ محمد بن جرير الطبري صاحب تفسير القرآن وتهذيب الآثار والمتوفى سنة 310.

ـ ابن خزيمة صاحب كتاب المسند الصحيح وكتاب التوحيد والمتوفى سنة 311، حيث روى الحديث في كتاب التوحيد بلفظ “كان الله ولا شيء غيره”، ولم يتعقبه بشيء.

ـ أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المتوفى سنة 321.

ـ ابن حبان صاحب كتاب الصحيح وكتاب الثقات والمتوفى سنة 354.

ـ الآجري صاحب كتاب الشريعة المتوفى سنة 360، حيث روى الحديث في كتاب الشريعة بلفظ “كان الله ولا شيء غيره”، ولم يتعقبه بشيء.

ـ الفقيه الحنبلي ابن بطة صاحب الإبانة المتوفى سنة 387.

ـ القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني صاحب كتاب التمهيد والإنصاف المتوفى سنة 403.

ـ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي المتوفى سنة 429.

ـ الفقيه الشافعي أبو محمد الجويني عبد الله بن يوسف والد إمام الحرمين والمتوفى سنة 438.

ـ الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عمر القزويني المتوفى سنة 442.

ـ أبو نصر الوائلي السجزي عبيد الله بن سعيد المتوفى سنة 444، في رسالة الرد على من أنكر الحرف والصوت، والتي هي معتمدة عند ذلك الشيخ، ولعل قول السجزي في هذه المسألة هو من القسم الثابت عنه من تلك الرسالة، لقرينة التوافق مع أقوال غيره من أهل العلم.

ـ ابن حزم الأندلسي صاحب كتاب المحلى بالآثار والإحكام في أصول الأحكام ومراتب الإجماع والمتوفى سنة 456، ونقل عليه الإجماع.

ـ البيهقي صاحب السنن الكبرى وشعب الإيمان المتوفى سنة 458.

ـ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء شيخ الحنابلة المتوفى سنة 458، وقد قال في كتاب المعتمد: “والحوادث لها أول ابتدأت منه، خلافاً للملحدة”.

ـ ابن عبد البر الأندلسي صاحب كتاب التمهيد في شرح الموطأ المتوفى سنة 463.

ـ البغوي صاحب شرح السنة المتوفى سنة 516.

ـ أبو القاسم الأصبهاني إسماعيل بن محمد بن الفضل صاحب كتاب الحجة في بيان المحجة المتوفى سنة 535. وقال فيه: “مذهب أهل السنة والمقتدين بالسلف أن الله تعالى كان ولا شيء معه”. وهو هنا ينقله عن أهل السنة دون أن يذكر فيه خلافا.

ـ القاضي أبو بكر بن العربي صاحب عارضة الأحوذي المتوفى سنة 543.

ـ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق المتوفى سنة 571.

ـ ابن الجوزي الحنبلي صاحب زاد المسير وكتاب الموضوعات الكبرى المتوفى سنة 597.

ـ الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 600، فقد قال: كان الله ولا مكان. ذكره عنه الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة والحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الإسلام.

ـ الفقيه الحنبلي أحمد بن حمدان المتوفى سنة 695.

ثم جاء الشيخ المشار إليه ـ رحمه الله وغفر له ـ فأنكر أن يكون قد كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره، مخالفا للحديث الصحيح ولكل أولئك الأئمة الأعلام دون أن نجد لهم مخالفا قبله، وهذا يعني أنه يقول بأن الله تعالى ليس منفردا بالوجود في الأزل!!، وأنه يقول بالقدم النوعي لبعض المخلوقات!!.

* 2 ـ يرى الشيخ أن الله تعالى يُقعِد نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم معه على العرش، فقد ذكر ـ مع الإقرار والتسليم ـ الأَثرَ الوارد في هذا عن مجاهدٍ رحمه الله من كتاب السُّنة لأَبي بكر بن أَبي عاصم، من روايته عن ابن فضيل عن ليث عن مجاهد أنه قال: “قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا: يُقعِده معه على العرش”. ولم يذكر أنَّ ليثاً هذا هو ابن أَبي سُليم وأنَّه كان قد اختلط، ولم يتعقبه في المتن كما لم يتعقبه في السند. [الفتاوى الكبرى: 6/ 410. مجموع الفتاوى: 4/ 374. إقامة الدليل على إبطال التحليل: 5/ 88].

وقد أكد على القول بهذا الاعتقاد في موضع آخر إذ يقول: “حديث قعود الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش ثابت عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول”. [درء تعارض العقل والنقل: 3/ 19].

أقول:

لم يذكر الشيخ أسماء السلف الذين كانوا يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول سوى الرواية عن مجاهد!، ولا مَن هم السلف الذين ينبغي أن تـُذكر أقوالهم في مقام ترجيح قول على قول.

إذا كان السلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى فمجاهد رحمه الله منهم لأنه من التابعين، ولكن لم يذكر لنا غيره لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من أتباع التابعين، والسند إلى مجاهد رحمه الله لم يصحَّ عنه، فكان الواجب عدم إقحام الروايات الضعيفة في العقيدة.

ثم إن هذا المعنى يذكره أهل الكتاب الذين يجعلون مثل هذا المقام لسيدنا عيسى عليه السلام، ثم تسرب إلى بعض المسلمين فيما تسرب من الإسرائيليات، وهذه بعض نصوصهم في ذلك مما يسمونه الكتاب المقدس: ففيه: [لأن داود لم يصعد إلى السماوات، وهو نفسه يقول قال الرب لربي “اجلس عن يميني”]. وفيه: “من يغلبْ فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي، كما غلبت أنا أيضا وجلست مع أبي في عرشه”. وفيه: “وأما هذا فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله”.

وكنت قد قلت في كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ: [ومما ينبغي أن يُعلم أن هذه عقيدة نصرانية ضالة، يقول بها النصارى في حق عيسى عليه السلام، فتسربت إلى بعض جهلة المسلمين، فنقلوها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الإنجيل المحرف الذي بأيدي النصارى هذا النص: “وبعدما كلمهم الرب يسوع رُفع إلى السماء وجلس عن يمين الله”. إنجيل مرقس: 16/ 19].

ثم إن تفسير الآية الكريمة بهذا المعنى الذي تسرب إلى المسلمين من الإسرائيليات مخالف للتفسير الصحيح في معنى هذه الآية:

فقد روى البخاري من طريق قتادة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يُحبس المؤمنون يوم القيامة، فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم، …، فيأتون نوحا، …، فيأتون إبراهيم، …، فيأتون موسى، …، فيأتون عيسى، فيقول لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، …، فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمُنيه، فيحدُّ لي حدا، فأخرجُ، فأدخِلهم الجنة، …، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن”. ثم تلا هذه الآية {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}. [صحيح البخاري: 9/ 131].

وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: “إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثـًى، كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود”. الجُثى جمع جُثية، وهي الشيء المجموع. [صحيح البخاري: 6/ 86].

وهذه بعض الروايات التي ذكرها السيوطي في الدر المنثور:

قال رحمه الله: [وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وسئل عنه أنه قال: “هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي”. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} أنه قال: “مقام الشفاعة”]. [الدر المنثور: 5/ 324].

* 3 ـ يقول الشيخ بجواز التبعيض على الله تعالى، فقد وقف على بعض الآثار التي فيها القول عن الله تبارك وتعالى بأنه “أبدى عن بعضه”، فراح يثبتها ويدافع عنها، وقال: “وإنْ كان الإنكار لأنه لا يُقال في صفات الله لفظ البعض فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم، ذاكرين وآثرين”. [الفتاوى الكبرى: 6/ 409. إقامة الدليل على إبطال التحليل: 1/ 435]. ويذكر هذا دون دراسة للأسانيد!.

كما نقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: “أما قوله أبدى عن بعضه فهو على ظاهره، وإنه راجع إلى الذات، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا ما يخرجها عما تستحق، ولا يمتنع إطلاق هذه الصفة على وجه لا يفضي إلى التجزئة والتبعيض، كما أطلقنا تسمية يد ووجه لا على وجه التجزئة والتبعيض”. [الفتاوى الكبرى: 6/ 413. إقامة الدليل على إبطال التحليل: 5/ 95]. ولم يعترض عليه.

أقول:

لا يمتنع عنده أن نقول “أبدى عن بعضه”، وأنه “على ظاهره”، وأنه “راجع إلى الذات”، وأنه “على وجه لا يفضي إلى التجزئة والتبعيض”، فتأمل واعجب!!.

والأثر المروي في هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما في سنده عمرو بن عثمان الكلابي، وهذا ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. وقال عنه أبو حاتم الرازي: كان شيخاً أعمى بالرقة يحدث الناس من حفظه بأحاديث منكرة. وضعفه العُقيلي والدارقطني، وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث. ومثل هذا الإسناد عنده ـ سامحه الله ـ حجة في العقيدة، وفي أقل الدرجات فهو عنده مما يُستأنس به في العقيدة!.

* 4 ـ لا يرى الشيخ مانعا من ذكر رواية فيها تشبيه كلام الله تعالى بالأصوات المخلوقة مع الإقرار، فقد قال: “قال أحمد: وحديث الزهري أنه قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الكلام الذي سمعتـُه هو كلامك؟. قال: نعم، يا موسى، هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما تطيق، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمُتَّ. قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا: صف لنا كلام ربك. قال: سبحان الله، وهل أستطيع أن أصفه لكم؟!. قالوا: فشبهْه لنا. قال: أسمعتم الصواعق التي تقبـِل في أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله”. [الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 4/ 11. درء تعارض العقل والنقل: 1/ 377. 2/ 407. الفتاوى الكبرى: 6/ 431، 450. مجموع الفتاوى: 6/ 154].

وعلق الشيخ على هذه الرواية مؤيدا ومؤكدا [في الفتاوى الكبرى: 6/  450] فقال: “هو صريح في أنه كلمه بصوت، وكان يمكنه أن يتكلم بأقوى من ذلك الصوت وبدون ذلك الصوت”. كذا، ويبدو أنه قد حصل تصحيف، ولعل النص أصله هكذا: “وبأدنى من ذلك الصوت”.

ومن الجدير بالتنبيه هنا هو أن موسى عليه السلام ـ حسب هذه الرواية ـ لم ينكر على من طلبوا منه أن يشبه لهم الصوت، بل وشبهه لهم!.

أقول:

نسبة هذا الكلام للإمام أحمد رحمه الله غير ثابتة، والشيخ لا يتبع طريقة المحدثين بذكر سنده إلى المؤلف، ولكنه ينقل كلام الأئمة جازما ـ دون إسناد ـ موهما صحة العزو إلى المنقول عنه.

وهذا الكلام المنقول عن أحمد موجود في النسخة المنسوبة إليه والمسماة بالرد على الزنادقة والجهمية، وهي مروية من طريق أبي بكر عبد العزيز بن جعفر غلام الخلال عن أبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال عن الخضر بن المثنى عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، والخضر بن المثنى ترجم له ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة بروايته عن عبد الله بن أحمد ورواية الخلال عنه فقط، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وقال عنه الإمام ابن رجب الحنبلي في القواعد: “مجهول تفرد عن عبد الله بن أحمد برواية المناكير التي لا يُتابع عليها”. ويرى الإمام الذهبي أن هذا الكتاب موضوع على الإمام أحمد. [انظر: سير أعلام النبلاء: 11/ 286]. فخضِر بن مثنى مجهول وتفرد برواية المناكير عن الإمام الثقة عبد الله بن أحمد، فروايته ضعيفة تالفة.

قال الذهبي في السير عن الرسالة التي كتبها الإمام أحمد لعبيد الله بن يحيى بن خاقان: “فهذه الرسالة إسنادها كالشمس، لا كرسالة الإصطخري، ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبد الله، فإن الرجل كان تقيا ورعا لا يتفوه بمثل ذلك، ولعله قاله، وكذلك رسالة المسيء في الصلاة باطلة”.

ومن الواضح أن كلمة “ولعله قاله” بهذه الصورة الواردة هنا في كلام الذهبي هي مقحمة في النص، مناقضة لما جاء قبلها من أن كتاب الرد على الجهمية المنسوب للإمام أحمد موضوع عليه.

ومن الغريب أن يضرب بعض الناس عن الحجة الواضحة صفحا ويتعلقوا بأن غير واحد من العلماء صححوا نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد، وهذا لا يفيدهم في هذا الموضع، فإن ثبت أنهم نصوا على تصحيحه فهناك فرق بين تصحيح نسبة أصل الكتاب وبين تصحيح نسبة النسخة التي وصلتنا.

ومن الغريب أن يتعلقوا بما نقله ابن القيم في كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية عن الخلال أنه قال “كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله بن أحمد وكتبه عبد الله من خط أبيه”، دون نص واضح صريح عما اشتمل عليه ذلك الكتاب الذي نقله الخلال من خط عبد الله بن أحمد!، ليُعرف هل كان فيه هذا الكلام أوْ لا؟.

ـ مرسل الزهري هذا رواه البيهقي في الأسماء والصفات، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن جرير بن جابر الخثعمي عن كعب الأحبار.

وهذا النص الإسرائيلي المصدر كله إيحاء بأن كلام الله تعالى وإسماعَه لموسى عليه الصلاة والسلام هو بصوت مادي قوي، تبلغ قوته قوة عشرة آلاف لسان، وأن الله تعالى قادر على أن يتكلم بأقوى من ذلك الصوت، وأنه يمكن تشبيهه!، وذلك أنه يشبه صوت الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة!، وقد صار عند من يستدل به ـ دون التفات إلى معرفة مصدره ونقـْد سنده ـ  حجة في العقيدة على الرغم من كونه من الإسرائيليات!.

وقد روى البيهقي نحو تلك الرواية من طريقين عن علي بن عاصم عن الفضل بن عيسى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي سند هذه الرواية علي بن عاصم الواسطي، وهو ضعيف، وكان يخطئ ويصرُّ على الخطأ فاتهمَه لذلك عدد من الأئمة بالكذب، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وقد اتفقوا على تضعيفه، وقيل فيه منكر الحديث، وقيل فيه ليس بثقة. فهذا إسناد تالف.

* 5 ـ يرى الشيخ أن الأنبياء الذين هم صفوة الخلق يجوز أن تقع منهم الذنوب كبيرُها وصغيرُها في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة لكن مع امتناع أن يُقروا عليها!.

قال في حديثه عن أنبياء الله ورسله: “وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟، ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟، أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟، وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أم لا؟، والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع، والقولُ الذي عليه جمهور الناس ـ وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف ـ إثباتُ العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها، وحجج القائلين بالعصمة إذا حُررت إنما تدل على هذا القول، وحجج النفاة لا تدل على وقوع ذنب أقر عليه الأنبياء”!. [الفتاوى الكبرى: 5/ 259. مجموع الفتاوى: 10/ 292 ـ 293].

أقول:

لم يبين الشيخ مَن هم المتنازعون في جواز وقوع الكبائر من الأنبياء؟!، ولا مَن القائلون بجواز إقرارهم عليها؟!، وما المراد بالآثار المنقولة عن السلف في هذه المسألة!.

ولا أدري مَن هم المعنيون بقوله “ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟”، هل هم من علماء المسلمين حقا؟!، وهل قال بعض علماء المسلمين بأن الرسل غير معصومين من الكبائر وهو معصومون من أن يُقروا عليها فقط؟!.

فالشيخ لا يقول بعصمة الأنبياء من فعل الذنوب صغيرها وكبيرها، والعصمة الثابتة لهم ـ عنده ـ هي العصمة من أن يقرهم الله تعالى على فعلها، فقط!.

والقول بعدم عصمة الأنبياء من الذنوب الكبائر هو ما اشتملت عليه أسفار اليهود المحرفة، فتأمل كيف تتسرب الإسرائيليات أحيانا فيغفل بعض الناس ويدونها!.

ـ هذا وقد تعرض الشيخ رحمه الله لهذه المسألة في موضع آخر، إذ سئل عن رجل قال إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون الصغائر فكفره رجل بهذه، فهل قائل ذلك مخطئ أو مصيب؟، وهل قال أحد منهم بعصمة الأنبياء مطلقا؟، وما الصواب في ذلك؟.

فأنقل هنا مقتطفات من جوابه، قال: “ليس هو كافرا، باتفاق أهل الدين، ولا هذا من مسائل السب المتنازَع في استتابة قائله، بلا نزاع، كما صرح بذلك القاضي عياض وأمثاله، مع مبالغتهم في القول بالعصمة وفي عقوبة الساب، ومع هذا فهم متفقون على أن القول بمثل ذلك ليس هو من مسائل السب والعقوبة، فضلا أن يكون قائل ذلك كافرا أو فاسقا، فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول”. [مجموع الفتاوى: 4/ 319].

ثم قال: “وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القولُ بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا لذلك: الرافضة، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل”.

ثم قال: “فمن كفـَّر القائلين بتجويز الصغائر عليهم كان مضاهيا لهؤلاء الإسماعيلية والنصيرية والرافضة والاثني عشرية”.

ثم قال: “فالمكفـِّر بمثل ذلك يُستتاب فإن تاب وإلا عوقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا، وكذلك المفسِّق بمثل هذا القول يجب أن يعزر بعد إقامة الحجة عليه، فإن هذا تفسيق لجمهور أئمة الإسلام، وأما التصويب والتخطئة في ذلك فهو من كلام العلماء الحافظين من علماء المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، وتفصيل القول في ذلك يحتاج إلى بسط طويل لا تحتمله هذه الفتوى”.

من الغريب جدا أن يترك الشيخ الجواب عن السؤال الأساسي المسؤول عنه ويتكلم فيما هو من التوابع، وقد جاء كلامه في هذا الموضع يؤكد ـ بطريق الإشارة ـ قولَه السابق بعدم عصمة الأنبياء من فعل الكبائر والصغائر وقولَه إنهم معصومون من أن يُقروا على فعلها فقط، فقد قال “القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثرِ علماء الإسلام وجميع الطوائف وأكثرِ أهل الكلام وأكثرِ أهل التفسير والحديث والفقهاء”، وقال “لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول”، ولم يقل “هو قول السلف”!.

ومن المعلوم أن قوله “بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثرِ علماء الإسلام” لا يعني موافقته على ذلك، وكذا قوله “لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول” لا يعني موافقته عليه كذلك، وخاصة مع إبهام الناقل، ولو قال “هو قول السلف” فهذا يعني الموافقة، ولكنه لم يقل ذلك.

وتأمل قوله “وأما التصويب والتخطئة في ذلك فهو من كلام العلماء الحافظين من علماء المسلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، وتفصيل القول في ذلك يحتاج إلى بسط طويل لا تحتمله هذه الفتوى”.

فقد تكلم الشيخ في هذه الفتوى عن وجوب عقوبة “المُكَفـِّر والمُفَسِّق بمثل ذلك”، وأن أول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القولُ بالعصمة مطلقا هم الرافضة، واستطرد في خلال الجواب إلى ذكر الإسماعيليين ونسبهم وكفرهم، ثم ختم الفتوى بأن موضوع التصويب والتخطئة وتفصيل القول في ذلك يحتاج إلى بسط طويل لا تحتمله هذه الفتوى، مع أن السائل طلب الجواب ولم يطلب تفصيل القول فيه، وبخل على السائل بأن يقول له إن الأنبياء معصومون من الكبائر فقط أو من الكبائر والصغائر أو ليسوا معصومين من هذا ولا ذاك!.

ويبدو أنه ما كان يريد أن يصرح هنا بما في نفسه، وخلاصة ذلك أن كلامه في الموضع الثاني يؤكد ما قاله في الموضع الذي ذكرته في أول المسألة ولا ينافيه.

* 6 ـ قال الشيخ ناقلا عن عثمان بن سعيد الدارمي ـ مع الإقرار والاحتجاج ـ في معرِض حديثه عن الله تبارك وتعالى: “ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم أكبر من السموات والأرض؟!”. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 568. 2/ 160. وفي الطبعة الأخرى: 3/ 113. 4/ 164].

أقول:

ذكْر هذا النص من كلام الشيخ يغني عن التعليق عليه، وينبغي التنبه إلى أن هذا النص الذي نقله الشيخ عن عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله هو من نسخة النقض على بشر المريسي، وفي سند النسخة من لم أجد له ترجمة، فالنسخة الموجودة من هذا الكتاب ليست ثابتة عن عثمان بن سعيد رحمه الله. [انظر: عقائد الأشاعرة وجولة جديدة من الحوار بقلم صلاح الدين الإدلبي: ص 127].

* 7 ـ يرى الشيخ أنه يجوز أنْ يُوصف الله تعالى بأنه لا جوف له، وأن من لوازم هذه الصفة أنه يستحيل عليه التفرق وأن يخرج منه شيء، ويقر الاحتجاج بهذا على أنه جسم، ولكنه يشير إلى أنه جسم مُصْمَت!.

فقد قال الشيخ سامحه الله: “والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة، قد يُظن أنها مختلفة، وليس كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما أن الصمد هو الذي لا جوف له، والثاني أنه السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج، والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين، والاشتقاق يشهد للقولين جميعا وهو على الأول أدل”!. [مجموع الفتاوى: 17/ 214 ـ 215. بيان تلبيس الجهمية: 1/ 511، وفي الطبعة الأخرى: 3/ 54 ـ 55].

وقال: [وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد “الذي لا جوف له”، وهذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه وأن يخرج منه شيء، إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مُصْمَت”]. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 48 ـ 49، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 50 ـ 51].

أقول:

المُصْمَت: الذي لا جوف له، كالحجر مثلا، والمُصْمَت من الأقفال ونحوها: المبهم المُغـْمَض فتحه، والمُصْمَت من الألوان: الخالص الذي لا يخالطه غيره.

والقول بأنه له جوف أو لا جوف له: هذا من صفات الأجسام، والقائل بهذا أو ذاك غارق في بحر التجسيم.

الله تبارك وتعالى يصف نفسه بأنه الصمد، وبعض الناس يصفونه بأنه المُصْمَت، ويرون أن هذه من تلك!.

فيما تقدم من كلام الشيخ نجد أنه يجوِّز أن نصف الله تعالى بأنه لا جوف له، وأن هذا هو أرجح الأقوال عنده في تفسير اسم الله الصمد، وأن هذا القول مروي بالأسانيد الثابتة عن الصحابة رغم أنه لم يصحَّ عن أي واحد من الصحابة!، كما نجد عنده أن من لوازم هذه الصفة أنه يستحيل عليه التفرق وأن يخرج منه شيء، وكأنه ذرات مجتمعة لكنها غير قابلة للانفصال عن بعضها!، ثم هو يقر الاحتجاج بهذا على أنه جسم!.

وقوله “والاشتقاق يشهد للقولين جميعا وهو على الأول أدل” جناية كبيرة على اللغة العربية ومعاجمها، لأن مشتقات لفظ الصمد تدل على أن المعنى هو السيد الذي تـُصْمَد إليه الحاجات، وليس فيما ذكروا من اشتقاقات لفظة الصمد أي دلالة على معنى أنه لا جوف له البتة، فضلا عن أن تكون أكثر دلالة عليه.

وتفسير الصمد بأنه الذي لا جوف له تسرب إلى بعض التابعين رحمهم الله وغفر لهم، على خلاف الاشتقاق اللغوي، ثم تمَّ إقحامه في كتب اللغة، ثم تمَّ ترجيحه ـ عند بعض الناس ـ على المعنى الذي يشهد له الاشتقاق!.

وقال الشيخ سامحه الله: “أما القول بأنه سبحانه مركب مؤلف من أجزاء وأنه يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال فهذا باطل شرعا وعقلا، فإن هذا ينافي كونه صمدا، وسواء أريدَ بذلك أنه كانت الأجزاء متفرقة ثم اجتمعت أو قيل إنها لم تزل مجتمعة لكن يمكن انفصال بعضها عن بعض، كما في بدن الإنسان وغيره من الأجسام، فإن الإنسان وإن كان لم يزل مجتمع الأعضاء لكن يمكن أن يُفرق بين بعضه من بعض، والله سبحانه منزه عن ذلك، ولهذا قدمنا أن كمال الصمدية له، فإن هذا إنما يجوز على ما يجوز أن يفنى بعضه أو يُعدم، وما قبـِل العدم والفناء لم يكن واجب الوجود بذاته ولا قديما أزليا، فإن ما وجب قِدمه امتنع عدمُه، وكذلك صفاته التي لم يزل موصوفا بها وهي من لوازم ذاته، فيمتنع أن يُعدَم اللازم إلا مع عدم الملزوم، ولهذا قال من قال من السلف الصمد هو الدائم وهو الباقي بعد فناء خلقه، فإن هذا من لوازم الصمدية، إذ لو قبـِل العدم لم تكن صمديته لازمة له بل جاز عدم صمديته فلا يبقى صمدا، ولا تنتفي عنه الصمدية إلا بجواز العدم عليه، وذلك محال، فلا يكون مستوجبا للصمدية إلا إذا كانت لازمة له، وذلك ينافي عدمَه، وهو مستوجب للصمدية، لم يصرْ صمدا بعد أن لم يكن، تعالى وتقدس، فإن ذلك يقتضي أنه كان متفرقا فجُمع وأنه مفعول مُحْدَث مصنوع، وهذه صفة مخلوقاته، وأما الخالق القديم الذي يمتنع عليه أن يكون معدوما أو مفعولا أو محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه فلا يجوز عليه شيء من ذلك، فعُلم أنه لم يزل صمدا ولا يزال صمدا، فلا يجوز أن يقال كان متفرقا فاجتمع ولا أنه يجوز أن يتفرق، بل ولا أنْ يخرج منه شيء ولا يدخلَ فيه شيء، وهذا مما هو متفق عليه بين طوائف المسلمين”. [مجموع الفتاوى: 17/ 297 ـ 298].

آثرتُ أن أنقل هذا النص بتمامه من كلام الشيخ للتعريف بنوع من طريقته في التحدث عن عقيدته، فهو قد يبين بطلان أمر واضح قطعي البطلان بتطويل وإعادة وتكرار، ويسكت عن قرينه الباطل رغم كونه واضحا قطعي البطلان كذلك، وكأنه يشير بذلك إشارة خفية إلى ما يعتقده من صحته، على الرغم من أن المقام يتطلب البيان، والسكوت في معرِض البيان بيان.

فهو يعلن بوضوح أن “القول بأن الله سبحانه مركـَّب مؤلـَّف من أجزاء وأنه يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال فهذا باطل شرعا وعقلا، وسواء أريد بذلك أنه كانت الأجزاء متفرقة ثم اجتمعت أو قيل إنها لم تزل مجتمعة لكن يمكن انفصال بعضها عن بعض”.

وكأنه يشير بذلك إلى جواز أن يُقال عن الله سبحانه وتعالى إنه أجزاء مجتمعة وإنها لا تقبل التجزؤ والانقسام!!، لأنه لو كان قائلا باستحالة هذا على الله تعالى لقال “إن القول بأنه سبحانه مركب مؤلف من أجزاء فهذا باطل شرعا وعقلا” دون أن يضع لها قيودا، لكنه قيَّد بطلان ذلك بما إذا قال القائل “وأنه يقبل التجزؤ والانقسام والانفصال”!!.

وفي هذا التقييد إشارة واضحة منه إلى أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو أجزاء مجتمعة لكنه غير قابل للتجزؤ والانقسام والانفصال!، وأن الأجزاء لم تزل مجتمعة، أي لم تكن متفرقة ثم اجتمعت، وأنه لا يمكن انفصال بعضها عن بعض!!.

ويبدو أن كل هذا من أجل تسويغ القول بالتجسيم، فقد قال في بيان رأيه في أن التجسيم غير مذموم: “ولم يذمَّ أحد من السلف أحدا بأنه مجسم، ولا ذموا المجسمة”. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 100، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 105].

والقول عن الله تبارك وتعالى إنه جسم مُصْمَت هو قول الرافضي المشبِّه هشام بن الحكم. قال المطهر بن طاهر المقدسي في كتاب البدء والتاريخ في معرِض كلامه عن الله تبارك وتعالى: “وزعم هشام بن الحكم وأبو جعفر الأحول الملقب بشيطان الطاق أنه جسم محدود متناه، وقال هشام هو جسم مُصْمَت، ليس بمجوَّف ولا متخلخل”. تعالى ربنا وتقدس عن هذا علوا كبيرا. [البدء والتاريخ: 1/ 85، 140].

* 8 ـ يرى الشيخ أن الله تعالى عالٍ على كل موجود وبعضُه أعلى من بعض!!، فقد قال في حديثه عن الله تبارك وتعالى: “فإن مقصودنا أن لا يكون غيرُه أعلى منه, بل هو عالٍ على كل موجود, ثم بعد ذلك إذا قدَّرْتَ أنه ما منه شيء إلا وغيره منه أعلى منه لم يقدحْ هذا في كماله, فإنه لم يَعـْلُ على شيء منه إلا ما هو منه, لا مِن غيره، وأيضا فإن مثل هذا لا بد منه، والواجب إثبات صفات الكمال بحسب الإمكان، وأيضا فإن مثل هذا كمال في العلو، ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن غيره عاليا عليه“. [درء تعارض العقل والنقل: 3/ 293].

أقول:

فهو يتكلم عن الله جل وعلا وكأنه ذرات مجتمعة وبعضها أعلى من بعض، وأنه لا يعلو على شيء منه إلا ما هو منه!!، وتأمل قوله “ولا يقدح في العالي أن يكون بعضه أعلى من بعض إذا لم يكن غيره عاليا عليه”. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

* 9 ـ يذكر الشيخ بعض الروايات التي تشتمل على تشبيه الخالق جل وعلا بخلقه في معرض القبول والاحتجاج، ومن ذلك نقله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عن السماء والأرض في يد الله جل وعلا: “يقبـِض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده”. وفي لفظ عنه: “ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم”. ثم يقول الشيخ: وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث!. [مجموعة الرسائل والمسائل: 4/ 117].

أقول:

أما القول الأول المنسوب لابن عباس “يقبض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده” فلم أقف عليه مرويا بسند، ووجدته في تفسير مقاتل بن سليمان البلخي بلا إسناد، قال مقاتل: قال ابن عباس: “يقبض على الأرض والسماوات جميعًا فما يُرى طرفهما من قبضته”. [تفسير مقاتل بن سليمان: 3/ 139].

وإيراد هذا الأثر من تفسير مقاتل بن سليمان ـ وهو متهم بالكذب وبالتشبيه ـ وحشْرُه مع الصحاح ومحاولة تثبيته بقوله “وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث” أمر يدعو إلى العجب!.

وأما القول الثاني المنسوب لابن عباس فرواه الطبري في التفسير [20/ 246] من طريق معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: “ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم”.

[معاذ بن هشام الدستوائي بصري مختلـَف فيه، وثقه عدد من الأئمة، ولكن كان يحيى بن سعيد القطان لا يرضاه، وقال فيه ابن معين: صدوق وليس بحجة. وقال فيه مرة أخرى: لم يكن بالثقة. وقال ابن عدي: ربما يغلط في الشيء بعد الشيء وأرجو أنه صدوق. وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم. مات سنة 200].

فهذا السند لين، والمتن هو بكلام أهل الكتاب أشبه، فلا تصح نسبته لابن عباس، ومثل هذا لا يصلح للاحتجاج به في العقائد.

ورواه ابن أبي شيبة وابنُ منده في الرد على الجهمية وابنُ شاذان في كتاب تفسير مجاهد من طريقين عن حماد بن سلمة عن أبي سنان عيسى بن سنان عن وهب بن منبه أنه قال: ” ما الخلق في قبضة الله إلا كخردلة ههنا من أحدكم”.

[عيسى بن سنان شامي نزيل البصرة، ضعيف، مات بين سنة 141 وسنة 150 تقريبا].

فالظاهر أن أصل هذا القول هو من كلام وهب بن منبه حتى وإن كان الراوي عنه ضعيفا، لأن مثل هذا النقل عنه ليس مظنة الخطأ، ولا هو في محل وجوب مزيد الحذر والاحتياط، ولعله وصل بعد ذلك إلى معاذ بن هشام الدستوائي ـ وهو من الرواة غيرِ المتقنين ـ فانقلب عليه إسناده فرواه بالسند المتقدم عن ابن عباس.

* 10 ـ يرى الشيخ أن الذي يجب على كل مؤمن الإيمانُ به وإن لم يفهم معناه ليس مقتصرا على ما في الكتاب والسنة، وقال: “ما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمانُ به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يُوجد عامته منصوصا في الكتاب والسنة”. [الرسالة التدمرية ص 45. مجموع الفتاوى: 3/ 41].

أقول:

هذا يعني أن العقيدة الإسلامية ـ عنده ـ ليست مكتملة في الكتاب ولا في السنة!، وأن من يقتصر على العقيدة الثابتة فيهما ليس محققا للإيمان بكل ما يجب عليه أن يؤمن به!، لأن الشيخ يرى أن ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها يجب على كل مؤمن الإيمانُ به وإن لم يفهم معناه حتى وإن لم يكن منصوصا عليه في الكتاب والسنة!.

وهذا مخالف لقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم}، وإذا كانت العقيدة لم تكن قد اكتملت في ذلك اليوم فما الذي اكتمل؟!.

ومثل هذا يفتح بابا واسعا للأقوال التي لا دليل عليها من نصوص الكتاب والسنة فيُقالَ فيها إن هذا قول السلف!.

ولعل مما يجب الإيمان به ـ عنده ـ وإن لم يكن ثابتا في الكتاب والسنة ما تقدم من المسائل التي يقول عنها بأنها من مذهب السلف، ومن ذلك:

فعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأنه يوجد غيرُ الله معه في الأزل!، لأنه ينكر أن الله كان ولم يكن شيء غيره.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بمدلول الأثر ـ الذي يقبل الشيخ سنده ولا يعترض عليه ـ وهو المروي عن مجاهد بن جبر رحمه الله، والذي ورد فيه أن الله تعالى يُقعِد نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم معه على العرش!، فقد قال: “وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه ويتلقونه بالقبول”!.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأن الله تعالى “أبدى عن بعضه”!.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأن الله تعالى يتكلم بصوت مادي مسموع وأنه يمكن تشبيهه بصوت الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة!.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأن الأنبياء والرسل ليسوا معصومين عن فعل الصغائر والكبائر ـ باستثناء موضوع التبليغ عن الله تعالى ـ لكنهم لا يُقرون على ذلك.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأن الله تعالى لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته!.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأن الله تعالى لا جوف له! وأنه جسم مُصْمَت!.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأن الله تعالى عالٍ على كل موجود، وبعضه أعلى من بعض!!.

وعلى مذهبه يجب أن يؤمن المسلم بأن الله تعالى يقبـِض على السماوات والأرض فما يُرى طرفاهما بيده!. تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا.

ـ خلاصة البحث:

أن هذه الأقوال التي تقدمت هي من بدع الاعتقاد، وأنه يجب أن تـُجتنب.

وأنه يجب التريث في قبول أقوال الشيخ، وخاصة في العقيدة، بحيث يجب أن لا يُقبل من أقواله شيء إلا إذا أيده دليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه.

وأنه لا يجوز قبول حكمه على أحد بالابتداع، إلا إذا كان ذلك مؤيدا بدليل من كتاب أو سنة ثابتة، لأنه هو نفسَه عنده أقوال بدعية، فقد يكون حكمه بذلك على غيره بسبب أنه يخالفهم في تلك المعتقدات.

ـ وفي ختام هذا المبحث أقول: لعل الشيخ كان يكتب ما يكتب وهو لا يقصد المدلولات الظاهرة من تلك البدع الاعتقادية، وأسأل الله تعالى المغفرة لي وله ولسائر المسلمين على حسن القصد وصلاح النية إن شاء الله.

ومن حقي على كل أخ عالم مخلص يظهر له في كلامي شيء من الخلل أن ينصحني بما هو الحق المؤيد بالدليل، فإن الدين النصيحة.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في مجالس متباعدة، آخرها يوم الأحد 19/ 5/ 1434، الموافق 31/ 3/ 2013 سوى بعض الإضافات والتنقيحات. والحمد لله الذي بنعمته وعونه وتوفيقه تتم الصالحات.

 

بدعة المرجئة والإرجاء

كثر الكلام عن الإرجاء والمرجئة في هذه الأوقات الصعبة في بلاد الشام، حيث يريد كثير من الناس أن يستبيحوا حرمات المسلمين بالقتل والجلد بدعوى أن هؤلاء ليسوا على السنة! وأنهم مرجئة!.

من بدع الاعتقاد التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في عصر السلف منذ وقت مبكر بدعة المرجئة، وهم فرقة من المسلمين الذين ابتدعوا في العقيدة، وهي من شر الفرق، وبدأ ظهورها في زمن التابعين، فأنكر عليها السلف والخلف أشد الإنكار.

قال ابن تيمية رحمه الله: “قال قتادة: إنما حدث الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث”. أي بعد قيام عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وجمعٍ كبير من سادات التابعين رحمهم الله على الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 82.

تدل النصوص المنقولة في ذم المرجئة على أنهم تمسكوا بنصوص الوعد وعطلوا نصوص الوعيد، وفسروا الإيمان المنجي من عذاب الله ـ تبعا لذلك ـ بأنه إيمان القلب وإن لم يكن معه عمل!، كأنهم يرون فعل المأمورات واجتناب المحظورات نافلة من النوافل!.

وهذه بعض النصوص التي تتبين فيها بدعتهم وإنكار الأئمة عليهم:

ـ روى ابن بطة في الإبانة الكبرى واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة من طريقين عن أحمد ابن حنبل رحمه الله أنه قال: حدثنا خالد بن حيان قال حدثنا معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فعرضه، فنفر منه أصحابنا نفورا شديدا، فحججتُ، فدخلتُ على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي، فأخبرته أن قوما قِبَلنا قد أحدثوا وتكلموا وقالوا إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: “أوَليس الله عز وجل يقول {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}؟!، فالصلاة والزكاة من الدين”. فقلت: إنهم يقولون ليس في الإيمان زيادة!. فقال: “أوَليس قد قال الله فيما أنزل {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}؟!”. قال: ثم قدمتُ المدينة فجلست إلى نافع، فذكرت له قولهم، قلت إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلي، وأن الخمر حرام ونحن نشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل ذلك. فنتر يده من يدي وقال: “من فعل هذا فهو كافر”.

هذا وقد نقل ابن تيمية هذا النص عن ابن حنبل مع الإقرار.

[خالد بن حيان الرقي صدوق ثقة فيه لين مات سنة 191. معقل بن عبيد الله العبسي حراني صدوق ثقة فيه لين مات سنة 166]. فالسند لا بأس به.

وعطاء بن أبي رباح من سادات التابعين بمكة، مات سنة 114.

قف عند قول أولئك المرجئة “إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين”.

قد يقول قائل: إن نافعا كفرهم في هذا النص المنقول فهل هم كفار؟!. أقول: من كان عنده الحد الأدنى من الإيمان ولم يعمل حسنة قط فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجه من دائرة الإيمان، ولكن الحد الأدنى من الإيمان يقتضي أن يكون في القلب تعظيم لله وخضوع لأمره وإن لم يتحقق العمل في الواقع، والذين كفـَّرهم نافع رحمه الله يظهر من طريقة جوابهم أنهم مستكبرون على الله تعالى وأنه ليس في قلوبهم تعظيم له ولا خضوع، فلهذا كفرهم.

ـ روى إسحاق بن راهويه في مسنده عن العلاء بن عبد الجبار عن نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة أنه قال: يقولون إيمان فلان كإيمان فلان!، أترون إيمان فهدان مثل إيمان جبريل؟!. وكان فهدان رجلا متهما بالشراب. [العلاء بن عبد الجبار صدوق. نافع بن عمر الجمحي ثقة ثبت].

وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة مكي من ثقات التابعين وخيارهم، مات سنة 117.

ـ ومما يدل على استهانة المرجئة بأمر المعاصي ما رواه أبو داود الطيالسي والبخاري في صحيحه وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم عن شعبة عن زبيد اليامي أنه أتى أبا وائلٍ شقيقَ بن سلمة لما ظهرت المرجئة يشكو له الحال، فروى له أبو وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “سباب المؤمن فسق وقتاله كفر”. قال ابن حجر في فتح الباري: وعُرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قال كيف تكون مقالتهم حقا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟!.

وأبو وائل شقيق بن سلمة كوفي من ثقات التابعين وخيارهم، مات سنة 83.

ـ روى الطبري في تهذيب الآثار من طريق سلام بن أبي مطيع أنه قال: سمعت أيوب السختياني وعنده رجل من المرجئة، فجعل الرجل يقول: إنما هو الكفر والإيمان. وأيوب ساكت، فأقبل عليه أيوب فقال: “أرأيتَ قول الله تعالى {وآخرون مُرْجَون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} أمؤمنون أم كفار؟!”. فسكت الرجل، فقال له أيوب: “اذهب فاقرأ القرآن، فقلَّ آية في القرآن فيها ذكر النفاق إلا أخافها على نفسي”. [سلام بن أبي مطيع بصري ثقة فيه لين].

يدل هذا النص على أهم مداخل الشبهة إلى فكر المرجئة، وهو توهمهم أن الاعتقاد هو أحد قسمين على معنى التمام والكمال!، فالمرء عندهم إما مؤمن تام الإيمان أو كافر تام الكفر، وحيث إن المؤمن المرتكب للمعاصي ليس كافرا تام الكفر فهو ـ عندهم ـ مؤمن تام الإيمان!.

وقد أشار أيوب بن أبي تميمة السختياني في جوابه إلى قولِ الله تعالى {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم}، وقولِه تعالى {وآخرون مُرْجَون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم}، وسأل أيوبُ ذلك القائلَ عن هؤلاء أمؤمنون هم أم كفار؟!، فلم يجد الرجل أمامه سوى السكوت، حيث إن في تلك الآيات القرآنية الكريمة النصَّ الواضحَ البين على أن الذين اعترفوا بذنوبهم وقد خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا أولئك عسى الله أن يتوب عليهم، ولو كانوا كافرين لما دخلوا تحت المشيئة.

ـ قال الخلال في كتاب السنة: قال عبد الملك: قلت لأبي عبد الله أحمد ابن حنبل: فإذا كان المرجئة يقولون إن الإسلام هو القول؟!. فقال: “هم يصيِّرون هذا كله واحدا، ويجعلونه مسلما ومؤمنا شيئا واحدا على إيمان جبريل ومستكملَ الإيمان”. قلت: فمن ههنا حجتنا عليهم؟. قال: نعم. [عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني الرقي ثقة مات سنة 274].

يظهر من هذا النص أن اعتراض الإمام أحمد رحمه الله على المرجئة هو لأنهم يصيِّرون أمر الدين كله واحدا ويجعلون المصدق بالدين مسلما ومؤمنا وعلى إيمان جبريل ومستكملَ الإيمان.

ـ روى الخطابي في كتاب الغنية عن الكلام وأهله من طريق إسحاق بن راهويه أنه قال: قدِم ابن المبارك الري، فقام إليه رجل من العبَّاد، الظن أنه يذهب مذهب الخوارج، فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟. فقال: لا أخرجه من الإيمان. فقال: يا أبا عبد الرحمن، على كِبَر السن صرتَ مرجئا؟!. فقال: لا تقبلـُني المرجئة، المرجئة تقول حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة، ولو علمتُ أني قـُبلتْ مني حسنة لشهدتُ أني في الجنة. ثم ذكر عن أبي شوذب عن سلمة بن كهيل عن هُزيل بن شرحبيل أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو وُزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح. [أبو شوذب عبد الله بن شوذب بلخي بصري مقدسي صدوق ثقة. سلمة بن كهيل كوفي ثقة مات سنة 121. هزيل بن شرحبيل كوفي ثقة مات قرابة سنة 85، وروايته عن عمر مرسلة]. وروى ابن راهويه في مسنده ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة نحوا من ذلك.

ـ قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: “الغالية من المرجئة التي تزعم أن النار حُرمت على من قال لا اله إلا الله”. وقال: “المرجئة توهمت أن مرتكب الذنوب والخطايا كامل الإيمان”.

ـ روى ابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة عن سفيان الثوري أنه قال: اتقوا هذه الأهواء المضلة. قيل له: بين لنا رحمك الله. فقال: “أما المرجئة فيقولون: الإيمان كلام بلا عمل!، من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فهو مؤمنٌ مستكمل الإيمان على إيمان جبريل والملائكة وإن قتـَل كذا وكذا!، مؤمنٌ وإن ترك الغسل من الجنابة وإن ترك الصلاة!”. فهو ينكر عليهم قولهم “مؤمنٌ مستكمل الإيمان”!.

ـ قال ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس: [قالت المرجئة إن من أقر بالشهادتين وأتى بكل المعاصي لم يدخل النار أصلا، وخالفوا الأحاديث الصحاح في إخراج الموحدين من النار، قال ابن عَقيل: “ما أشْبهَ أن يكون واضعُ الإرجاء زنديقا، فإن صلاح العالم بإثبات الوعيد واعتقاد الجزاء، فالمرجئة ـ لمَّا لم يمْكنهم جحْدُ الصانع لما فيه من نفور الناس ومخالفة العقل ـ أسقطوا فائدة الإثبات، وهي الخشية والمراقبة، وهدموا سياسة الشرع، فهم شر طائفة على الإسلام”]. وقال ابن الجوزي: “وفي ذلك الزمان حدثت فتنة المرجئة حين قالوا لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة”.

ـ قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: [فلهذا عَظـُم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النخعي: “لفتنتـُهم أخوفُ على هذه الأمة من فتنة الأزارقة”. وقال الزهري: “ما ابتـُدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء”. وقال الأوزاعي: “كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان ليس شيء من الأهواء أخوفَ عندهم على الأمة من الإرجاء”. وقال شريك القاضي: “هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثا، ولكن المرجئة يكذبون على الله”. وقال سفيان الثوري: “تركتِ المرجئة الإسلام أرق من ثوبٍ سابـِري”]. والسابـِريّ ضرْب رقيق من الثياب يُعمل بِسابور، موضعٍ بفارس.

وقال ابن تيمية: “قالت المرجئة على اختلاف فرقهم: “لا تذهِب الكبائرُ وترْكُ الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر”.

وقال: “أهل السنة في باب الأسماء والأحكام والوعد الوعيد وسط: بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكَذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المرجئة الذين يقولون إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء والأعمالُ الصالحة ليست من الدين والإيمانِ ويكَذبون بالوعيد والعقاب بالكلية”.

وقال: “المرجئة غلطوا من ثلاثة أوجه: أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العملِ الذي في القلب كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكلِ عليه والشوق إلى لقائه، والثاني: ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميع المرجئة، والثالث: قولهم كل من كفـَّره الشارع فإنما كفره لانتفاء تصديق القلب بالرب تبارك وتعالى”.

* الشبهة التي جعلت بعض الناس يدخِلون مَن ليسوا من المرجئة في اسم المرجئة:

ـ المرجئة يقولون بأن المؤمن المرتكب للمعاصي مؤمن تام الإيمان، بمعنى أن فعل الطاعات وترك المعاصي هو نافلة من النوافل، ولذا فقد رد عليهم الأئمة وبينوا ضلالهم، وبينوا أن المؤمن المرتكب للمعاصي هو مؤمن ناقص الإيمان، وكان مما تمخضت عنه حركة الابتداع هذه والرد عليها ـ عند بعض المتحمسين للرد ـ أن من قال بأن العمل ليس جزء من الإيمان فهو مرجئ!!.

وربما يستندون لبعض الأقوال المروية عن بعض العلماء، ومن ذلك ما رواه الطبري في تهذيب الآثار عن ابن عيينة والفضيل بن عياض أن المرجئة يقولون إن الإيمان قول بلا عمل، وقد روى ابن أبي يعلى كذلك في طبقات الحنابلة ـ بسند فيه مجاهيل ـ عن أحمد ابن حنبل أنه قال: من زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ.

أقول: الذي أخرجَ العمل من دائرة الدين هو مرجئ، هذا مقطوع به، وآيات القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية طافحة بوجوب امتثال الأوامر واجتناب المناهي مع التحذير من عقوبة المخالف، والذي قال بأن العمل هو ركن أساسي في الدين وهو من الإسلام ومن ثمرات الإيمان وإن لم يكن جزء منه: فهذا ليس بمرجئ، والخلاف هنا في التسمية، إما أن نقول إن العمل جزء من الإسلام أو من الإيمان، ولكن القول بأن العمل جزء من الإسلام لا من الإيمان هو ما جاء في جواب النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام عندما جاء ليعلم الناس دينهم.

* إذا عُلم هذا فإني لا أعلم أن أحدا من الأشاعرة أو الماتريدية يقول إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، أو إن حسناتِنا مقبولة وسيئاتِنا مغفورة، أو إن الإيمان الذي في القلب يكون تاما بدون العمل الذي في القلب كمحبة الله وخشيته وخوفه والتوكل عليه، أو يكون تاما بدون العمل الظاهر، أو إن مرتكب الذنوب والخطايا كاملُ الإيمان على معنى أنه ينجيه من عذاب الله، كما لا أعلم أن أحدا منهم يكذب بالوعيد والعقاب الذي أعده الله للفساق، فمن قال عن الأشاعرة أو الماتريدية إنهم مرجئة ـ بالمعنى البدعي ـ فقد قال قولا باطلا واحتمل بهتانا وإثما مبينا.

فالحذرَ الحذرَ ـ أيها المؤمنون ـ من اتهام مَن هم بريؤون من بدعة الإرجاء بأنهم مرجئة، فمن اتهم أخاه بالابتداع وليس هو كذلك فإن وزر الاتهام راجع إليه.

نسأل الله تعالى أن يحفظنا وسائرَ المسلمين من البدع والأهواء المضلة المخالفة للهدْي النبوي الكريم، وأن يمن علينا بصدق الاتباع للكتاب والسنة، وأن يتوفانا على الإيمان الكامل بلا محنة.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 6/ 10/ 1435، سوى بعض التعديلات اليسيرة، والحمد لله رب العالمين.

 


 

الكتاب منشور في

دار النور للدراسات والنشر
تلفون: 00962795394309
أرضي: 0096264615859
www.darannor.com
darannor@gmail.com
www.darannor.com


تعليقات القراء :

الشيخ عبد الحميد بي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
منذ قليل كنت اقرأ كتابك بدع الاعتقاد وقد قرأته أكثر من مرة فهو أكثر من رائع بتوفيق الله تعالى
ولا أدري هل نعجب بموضوعه أم بطريقته في العرض ، فطريقته في التحليل والنقد مدرسة بحد ذاتها تحتاج لدرس وتأصيل
كم أتمنى لو يتيسر لك ارسال نسخ منه الى مكتبات اهم الجامعات بعدد اربع نسخ لكل جامعة على الاقل ليوضع في المكتبة ويتاح اعارته وتداوله بين الطلاب واساتذة قسم العقيدة وهي خطوة من خطوات التعريف بك وبنتاجك القيم
وكنت اتمنى لو يتيسر لي ان اكون سببا في تواصلكم مع اقسام العقيدة في بعض الجامعات لكن للاسف اصبحت بعيدا عن هذه الاجواء ، أرجو الله ان ييسر لي العودة اليها .
كما اتمنى لو يتيسر للمشرف على صفحتك بالنت أن يقوم بالتعريف بها في مواقع البحث في مسائل العقيدة ، كذلك ارسال نسخ الكترونية منها الى الجامعات ان لم يتيسر نسخا خطية فتلك خطوة طيبة باذن الله تعالى .
والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته .

 

3 thoughts on “بدع الاعتقاد”

  1. استاذنا المبجل صلاح الدين :
    اسمح لي ان اعترض علي التساهل في وصف عقيدة ابن تيمية لانه اذا لم يتم الجزم ان تلك العقيدة كفر صريح فالنتيجة هي ما نراه من انتشار واسع مدعوم ماديا ومعنويا للسلفية الوهابية الضالة ….لا مجال هنا لا للمهادنة ولا للمداهنة معهم .
    جزاكم الله خيرا وزادكم علما
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  2. تعليق من أحد الإخوة على كتابي بدع الاعتقاد:

    قال الأخ المعلق: “اسمحْ لي أن أعترض على التساهل في وصف عقيدة ابن تيمية، لأنه إذا لم يتمَّ الجزم بأن تلك العقيدة كفر صريح فالنتيجة هي ما نراه من انتشار واسع مدعوم ماديا ومعنويا للسلفية الوهابية الضالة، لا مجال هنا لا للمهادنة ولا للمداهنة معهم، جزاكم الله خيرا وزادكم علما، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.
    أقول:
    الأخَ الكريمَ حفظك الله:
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ابن تيمية رحمه الله عالم من علماء المسلمين، وقد أثنى على علمه عدد من العلماء المشهورين.
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “ولقد قام على الشيخ تقي الدين ابن تيمية جماعة من العلماء مرارا بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعُقدت له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة وبدمشق، ولا يُحفظ عن أحد منهم أنه أفتى بزندقته ولا حكم بسفك دمه، والمسائل التي أُنكِرت عليه ما كان يقولها بالتشهي، ولا يصرُّ على القول بها بعد قيام الدليل عليه عنادا، وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبرؤ منه، ومع ذلك فهو بشر يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه ـ وهو الأكثر ـ يُستفاد منه ويُترحم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يُقلد فيه”.
    الواجب حمل كلام المسلم على أحسن المحامل، هذا ما أراه وأعتقده، حتى وإن كان هو لا يسلك معي هذا المسلك.
    فلا تستغربْ مني أنني أبين أخطاءه وأحذر منها ولا أكفره بها، وأحملها على أحسن المحامل، وهو لا يقصد بها حقيقة التشبيه، وألتمس له بعض العذر، وأرى أن أقواله البدعية في العقيدة يجب التحذير منها مع عدم التسرع في التكفير، فالتكفير أمره خطير.
    والله أعلم.
    وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 14/ 12/ 1437.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.