حديث الرايات السود

 

حديث “الرايات السود”

رُوي هذا الحديث من رواية أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعمر بن الخطاب وثوبان وعبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ـ فأما حديث أبي هريرة فرواه نعيم بن حماد في الفتن من طريق داود بن عبد الجبار الكوفي عن سلمة بن المجنون عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا خرجت الرايات السود فإن أولها فتنة وأوسطها ضلالة وآخرها كفر”. [داود بن عبد الجبار متروك الحديث واتهم بالكذب. سلمة بن المجنون ذكره ابن حبان في الثقات]. فهذا إسناد تالف.

ـ وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه نعيم بن حماد عن عبد الله بن مروان عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا تذهب الأيام حتى تخرج لبني العباس رايات سود من قبل المشرق”. [عبد الله بن مروان شيخ نعيم بن حماد كنيته أبو سفيان ولم أجد له ترجمة، ولا لأبيه من باب أولى]. فهذا إسناد تالف.

ـ وأما حديث عمر فرواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق عمرو بن واقد عن زيد بن واقد عن مكحول عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا أقبلت رايات ولد العباس من عِقاب خراسان وجاؤوا ببغي الإسلام فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة”. [عمرو بن واقد متروك الحديث]. فهذا إسناد تالف.

ورُوي من طريق آخر عن سعيد بن المسيب مرسلا، رواه نعيم بن حماد عن محمد بن عبد الله التاهرتي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن مسلم بن يسار عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس، ثم تمكث ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار على رجل من ولد أبي سفيان وأصحابه من قبل المشرق”. [محمد بن عبد الله التاهرتي لم أجد له ترجمة. عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف. مسلم بن يسار مصري ذكره ابن حبان في الثقات]. وهذا الطريق فضلا عن كونه مرسلا فهو شديد الضعف.

ـ وأما حديث ثوبان فرواه ابن ماجه والبزار والحاكم والداني في كتاب السنن الواردة في الفتن وابن عساكر من طرق عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلا لم يُقتله قوم”. ثم ذكر شيئا لا أحفظه، وقال: “فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي”.

وله طريق موقوف رواه نعيم بن حماد عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ثوبان أنه قال: إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فائتوها ولو حبوا على الثلج، فإن فيها خليفة الله المهدي.

[خالد بن مهران الحذاء بصري ثقة تغير حفظه بعدما قدم من الشام ومات سنة 142. أبو قلابة عبد الله بن زيد بصري ثقة مات سنة 104 وقيل بعدها بالشام. أبو أسماء الرحبي عمرو بن مرثد دمشقي وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات. ثوبان صحابي مات سنة 54 بحمص].

قال عبد الله بن أحمد ـ كما في كتاب العلل وكتاب المنتخب من علل الخلال ـ: [حدثني أبي قال: قيل لابن عُلية في هذا الحديث، فقال: كان خالد يرويه فلم يُلتفت إليه. ضعَّف ابن علية أمره. يعني حديثَ خالد عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرايات].

أقول: لقد حكى الإمام أحمدُ ابن حنبل أن شيخه الإمام الحافظ إسماعيل بنَ إبراهيم المعروفَ بابن عُلية سئل عن هذا الحديث فأخبر بأن خالدا الحذاء كان يرويه، وأنه لم يُلتفت إليه في روايته هذه، كما حكى أحمد عن ابن عُلية أنه ضعَّف أمر راويه خالد الحذاء.

فمن كان من أهل الدراية ـ كابن علية وابن حنبل ـ فإنه يدرك ما في هذا الحديث من شذوذ ونكارة، فيرده ولا يلتفت إليه، خاصة بعدما أحسوا به من تغير حفظ خالد الحذاء بعد عودته من الشام.

ويبدو أن خالدا الحذاء سمع هذا الحديث من رجل ما بالشام ثم ألصقه ـ من باب الوهَم ـ بأحد ثقات شيوخه، وهذا ما يفسر لنا ما نقله ابن عُلية من عدم التفات الأثبات إلى هذا الحديث.

ورواه ابن حنبل وابن الجوزي في العلل المتناهية عن وكيع عن شريك عن علي بن زيد عن أبي قلابة عن ثوبان أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من خراسان فائـْتـُوها، فإن فيها خليفة الله المهدي”. [علي بن زيد بصري ضعيف مات سنة 131]. وربما كان علي بن زيد قد سمعه من خالد الحذاء.

ـ وأما حديث عبد الله بن مسعود فرواه البزار من طريق عبد الله بن داهر الرازي عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فتية من بني هاشم فاغرورقت عيناه، وذكر الرايات السود فقال: “فمن أدركها فليأتها ولو حبوا على الثلج”. [عبد الله بن داهر الرازي متهم ليس بشيء]. فهذا الطريق تالف.

ورواه الحاكم في المستدرك من طريق يزيد بن محمد الثقفي عن حنان بن سدير عن عمرو بن قيس الملائي عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم عن علقمة بن قيس وعَبيدة السلماني عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهلُ بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا في البلاد، حتى ترتفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحق فلا يُعطـَونه، فيقاتِلون، فيُنصرون، فمن أدركه منكم أو من أعقابكم فليأتِ إمام أهل بيتي ولو حبوا على الثلج، فإنها رايات هدى، يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمُه اسمي واسمُ أبيه اسمَ أبي، فيملك الأرض، فيملؤها قسطا وعدلا كما مُلئت جورا وظلما”.

[يزيد بن محمد الثقفي لم أجد له ترجمة. حنان بن سدير كوفي من شيوخ الشيعة ذكره ابن حبان في الثقات. عمرو بن قيس الملائي كوفي ثقة مات سنة 146. الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس وعَبيدة السلماني ثقات]. فهذا الطريق تالف، وقال عنه الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك: موضوع.

ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي الفتح الأزدي قال حدثنا العباس بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن ثواب قال حدثنا حنان بن سدير عن عمرو بن قيس عن الحسن عن عَبيدة عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أقبلت الرايات السود من خراسان فائتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي”.

[أبو الفتح الأزدي محمد بن الحسين بن أحمد الموصلي البغدادي من حفاظ الحديث مات سنة 374 وقيل سنة 369، قال فيه الخطيب البغدادي: في حديثه غرائب ومناكير. العباس بن إبراهيم: يبدو أنه العباس بن إبراهيم بن صالح البزاز الشيعي، ترجم له الخطيب البغدادي ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر أنه كان حيا في سنة خمس وعشرين وثلاثمئة، فهو مجهول. هذا وقد ذكر الخطيب في شيوخ أبي الفتح الأزديِّ العباسَ بنَ إبراهيم القراطيسيَّ البغداديَّ الثقة المتوفى سنة 304، ولعله وهِم في ذلك، لأن هذا قديم الوفاة، ومن المستبعد أن يدرك الراوي من مات قبله بسبعين عاما، إلا المعمَّرين. محمد بن ثـَواب كوفي صدوق فيه لين مات سنة 260]. فهذا الطريق تالف، لأن فيه مجهولا وجاء على وَفق الروايات التالفة.

ورواه العُقيلي وابن عدي، وأبو الشيخ في الفتن ـ كما في اللآلئ المصنوعة ـ، من ثلاثة طرق عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود بنحو رواية مستدرك الحاكم المتقدمة، وفيه: “… حتى يجيء قوم من ههنا وأصحاب رايات سود،… حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت ظلما وجورا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتها ولو حبوا على الثلج”. وسقط ذكر علقمة عند العقيلي وابن عدي.

[يزيد بن أبي زياد كوفي شيعي صدوق فيه لين، ضعفه عدد من الأئمة، وقال فيه ابن حبان: كان صدوقا، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير وكان يُلقن ما لـُقن، فوقعت المناكير في حديثه، فسماع من سمع منه قبل التغير صحيح، ولد سنة سبع وأربعين، وتوفي سنة ست وثلاثين ومئة]. ولم تذكر مصادر ترجمة يزيد بن أبي زياد راويا واحدا اقتصر سماعه منه على ما قبل أن يسوء حفظه، فهذا الطريق ضعيف.

وقال وكيع وأحمد: يزيد بن أبى زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حديث الرايات ليس بشيء. وقال أبو أسامة: لو حلف لي خمسين يمينا قسامة ما صدقته. يعني في هذا الحديث.

ـ والخلاصة أن هذا حديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به. والله أعلم.

ـ وفي الباب حديث موقوف على علي رضي الله عنه رواه نـُعيم بن حماد في كتاب الفتن عن الوليد بن مسلم ورشدين بن سعد عن عبد الله بن لهيعة عن أبي قبيل عن أبي رومان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: “إذا رأيتم الرايات السود فالزموا الأرض ولا تحركوا أيديكم ولا أرجلكم، ثم يظهر قوم ضعفاء لا يُؤبه لهم، قلوبهم كزبر الحديد، هم أصحاب الدولة، لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من أهله، أسماؤهم الكنى، ونسبتهم القرى، وشعورهم مرخاة كشعور النساء، حتى يختلفوا فيما بينهم، ثم يؤتي الله الحق من يشاء”.

[عبد الله بن لهيعة صدوق يدلس ويُلقن. أبو قبيل مصري ثقة فيه لين مات سنة 128. أبو رومان ذكره ابن منده في الكنى ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول]. وهذا حديث موقوف، سنده تالف لأن فيه من يقبل التلقين وروايا آخر مجهولا، والمتن منكر.

وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي، وفرغ منه في 7/ 9/ 1434، سوى بعض الإضافات والتعديلات، والحمد لله رب العالمين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.