نداء إلى مشايخ المذهب الشافعي

نداء إلى مشايخ المذهب الشافعي في البلدات السورية النائمة

 

ـ قال الشافعي في كتاب الأم وفي مختصر المزني: “فالباغي يقاتل الإمامَ العادل في أنه لا يعطي الإمام العادل حقا إذا وجب عليه ويمتنع من حكمه، ويزيد على مانع الصدقة أنه يريد أن يحكم هو على الإمام العادل ويقاتله، فيحِلُّ قتاله بإرادته قتالَ الإمام”. ثم قال: “فإن كانت لأهل البغي جماعة تكـْثـُرُ ويمتنع مثلها بموضعها ونصبوا إماما وأظهروا حكما وامتنعوا من حكم الإمام العادل فهذه الفئة الباغية”.

البغاة عند الإمام الشافعي هم الذين يخرجون على الإمام العادل، ومن المؤسف أن يصبح الحكم عند كثير من فقهاء مذهبه من بعده أن الذين يخرجون على الإمام الفاسق الظالم الجائر هم بغاة كذلك!.

وروى ابن أبي حاتم في آداب الشافعي والبيهقي في مناقب الشافعي عن أبي حاتم الرازي عن حرملة بن يحيى قال سمعت الشافعي يقول: كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يُسمى خليفة ويجتمِع الناسُ عليه فهو خليفة.

وهذا النص لا يعارض ما تقدم، لأنه لا يعني أكثر من تسمية المتغلب باسم الخلافة اضطرارا، ومراعاة لمصلحة الأمة في تثبيت الحقوق وعدم ضياعها.

وفي هذا المعنى يقول عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام المتوفى سنة 660 في فتاويه: “من لا أهلية له من القضاة والولاة إذا حكموا بحق وأمروا به أو دفعوا منكرا ونهَوْا عنه فإننا ننفذه، تحصيلا لمصالح أهل الإسلام، فلا بد من تنفيذ ما يوافق الحق من تصرفاتهم، وكذلك تصرفات الملوك والولاة الجائرين”.

وفيه يقول القلقشندي أحمد بن عبد الله المتوفى سنة 821 في كتابه مآثر الإنافة في معالم الخلافة: “الطريق الثالث من الطرق التي تنعقد بها الإمامة القهر والاستيلاء، فإذا مات الخليفة فتصدى للإمامة مَن جمع شرائطها من غير عهد إليه من الخليفة المتقدم ولا بيعةٍ من أهل الحل والعقد: انعقدت إمامته، لينتظم شمل الأمة وتتفق كلمتهم، وإن لم يكن جامعا لشرائط الخلافة بأن كان فاسقا أو جاهلا فوجهان لأصحابنا الشافعية: أصحهما انعقاد إمامته أيضا، لأنا لو قلنا لا تنعقد إمامته لم تنعقد أحكامه، ويلزم من ذلك الإضرارُ بالناس من حيث إن من يلي بعده يحتاج أن يقيم الحدود ثانيا ويستوفي الزكاة ثانيا”.

ـ قال أبو منصور البغدادي عبد القاهر بن طاهر المتوفى سنة 429 في كتاب أصول الدين في شروط الإمامة: “يُشترط فيها عدالة ظاهرة، فمتى أقام في الظاهر على موافقة الشريعة كان أمره في الإمامة منتظما، ومتى زاغ عن ذلك كانت الأمة عيارا عليه في العدول به من خطئه إلى صواب أو في العدول عنه إلى غيره، وسبيلهم معه فيها كسبيله مع خلفائه وقضاته وعماله وسعاته، إن زاغوا عن سَننه عُدل بهم أو عُدل عنهم”. وقوله “أو في العدول عنه إلى غيره” يعني أن لهم الحق في أن يستبدلوا به غيره.

ـ قال الماوردي علي بن محمد بن حبيب المتوفى سنة 450 في كتاب الأحكام السلطانية عن الإمام: “ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيما للشهوة وانقيادا للهوى فسْق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على مَن انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد”.

وقال الماوردي في الحاوي: [واختلف أصحابنا في إكراه الإمام على قتل الظلم هل يخرج به من إمامته؟ على وجهين، حكاهما ابن أبي هريرة، وكذلك في ارتكابه للكبائر التي يفسق بها، أحد الوجهين أنه يخرج من الإمامة، لقول الله تعالى {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}، والوجه الثاني أنه لا يخرج بها من الإمامة حتى يخرجه منها أهل الحل والعقد لانعقادها بهم، وعليهم أن يستتيبوه فإن تاب وإلا خلعوه].

ـ قال إمام الحرمين الجويني عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 478 في غياث الأمم في خلع الإمام إذا طرأ عليه الفسق: “فأما إذا تواصل منه العصيان وفشا منه العدوان وظهر الفساد وزال السداد وتعطلت الحقوق والحدود وارتفعت الصيانة ووضحت الخيانة واستجرأ الظلمة ولم يجد المظلوم منتصَفا ممن ظلمه وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور وتعطل الثغور فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم”.

وقال في الإرشاد: “وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمُه وغَشْمُه ولم يَرْعَوِ عما زُجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحل والعقد التواطؤ على درئه ولو بشهر الأسلحة ونصب الحروب”.

ـ صرح أبو سعيد عبد الرحمن بن مأمون المتولي المتوفى كذلك سنة 478 بأن الخروج على الجائر ليس بغيا، كذا ذكره عنه القاضي زكريا بن محمد القاهري الأنصاري المتوفى سنة 926 في أسنى المطالب شرح روض الطالب.

ـ قال أبو حامد الغزالي محمد بن محمد المتوفى سنة 505 في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد: “فإن قيل: فإن كان المقصود حصول ذي رأي مطاع يجمع شتات الآراء ويمنع الخلق من المحاربة والقتال ويحملهم على مصالح المعاش والمعاد؛ فلو انتهض لهذا الأمر مَن فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فماذا ترون فيه؟ أيجب خلعه ومخالفته أم تجب طاعته؟. قلنا: الذي نراه ونقطع به أنه يجب خلعه إن قـُدِر على أن يُستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة وتهييج قتال، وإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحُكم بإمامته”. وقد أشار قبل ذلك إلى بعض شروط الإمامة، وهي الكفاية والعلم والورع وكونه قرشيا، وأنه يُشترط في القاضي زيادة على ذلك كونه وصل في العلم لدرجة الاجتهاد.

والذي يجب خلعه إن قـُدِر على أن يُستبدل عنه مِن غير إثارة فتنة وتهييج قتال هو الذي وُجدت فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء ومع ذلك هو يراجع العلماء ويعمل بقولهم. فتنبه.

ـ قال الرافعي عبد الكريم بن محمد القزويني المتوفى سنة 623: “الباغي هو المخالف للإمام العادل”. كذا نقله القاضي زكريا في شرح البهجة.

ـ قال سيف الدين الآمدي المتوفى سنة 631 في كتابه غاية المرام في مبحث الإمامة: “ولهم أن يخلعوه إذا وُجد منه ما يوجب الاختلال في أمور الدين وأحوال المسلمين وما لأجله يُقام الإمام، وإن لم يقدروا على خلعه وإقامة غيره لقوة شوكته وعظم تأهبه وكان ذلك مما يفضي إلى فساد العالم وهلاك النفوس وكانت المفسدة في مقاتلته آكدَ من المفسدة اللازمة من طاعته: أمكنَ ارتكابُ أدنى المحذورين، دفعا لأعلاهما”.

ـ قال عضد الدين الإيجي عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الشافعي المتوفى سنة 756 في كتابه المواقف: “وللأمة خلع الإمام بسبب يوجبه، وإن أدى إلى الفتنة احتـُمل أدنى المضرتين”.

ـ قال سعد الدين التفتازاني مسعود بن عمر الشافعي المتوفى سنة 791 في شرح العقائد النسفية في مبحث ما يُشترط في الإمام: “أن يكون سائسا أي مالكا للتصرف في أمور المسلمين بقوة رأيه ورويته ومعونة بأسه وشوكته، قادرا بعلمه وعدله وكفايته وشجاعته على تنفيذ الأحكام وحفظ حدود دار الإسلام وإنصاف المظلوم من الظالم، إذ الإخلال بهذه الأمور مخِل بالغرض من نصب الإمام”.

ـ قال ابن قاسم الغزي محمد بن قاسم بن محمد المتوفى سنة 918 في شرحه لمتن الغاية والتقريب في مبحث البغاة: “وهم فرقة مسلمون مخالفون الإمامَ العادل”.

ـ لكن في مقابل قول إمام المذهب ومن وافقه نجد في الجهة الأخرى من الشافعيين مَن انحرف عن قول إمامه وقال بغيره:

ـ فقد صرح القفال بأن الخروج على الجائر بغي!، كذا ذكره القاضي زكريا في أسنى المطالب شرح روض الطالب. ونقل القاضي زكريا كذلك في شرح البهجة عن العمراني عن القفال أنه قال “وسواء كان إمامنا عادلا أم جائرا”!. والقفال هو إما القفال الشاشي محمد بن علي بن إسماعيل المتوفى سنة 365، وإما القفال المروزي عبد الله بن أحمد المتوفى سنة 417.

ـ قال النووي في روضة الطالبين: “ولا تبطل ولاية الإمام الأعظم بالفسق، لتعلق المصالح الكلية بولايته، بل تجوز ولاية الفاسق ابتداء إذا دعت إليها ضرورة، لكن لو أمكن الاستبدال به إذا فسق من غير فتنة استـُبدل، وفيه وجه أنها تبطل أيضا، وبه قطع الماوردي في الأحكام السلطانية، والصحيح الأول”!. وقال: “الباغي في اصطلاح العلماء هو المخالفُ لإمام العدل الخارجُ عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه أو غيره”!.

وفسرها القاضي زكريا في شرح البهجة بقوله “أي لإمام أهل العدل”!.

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: “وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين”!!.

وقد تابع جمهور المتأخرين الإمامَ النووي رحمه الله في هذه المسألة!، منهم القاضي زكريا في شرح الروض وشرح البهجة وابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج وشمس الدين الرملي في نهاية المحتاج والخطيب الشربيني في مغني المحتاج والباجوري في حاشيته على شرح ابن قاسم الغزي!. قال الخطيب: “البغاة مخالفو الإمام ولو جائرا وهم عادلون، وما في الشرح والروضة من التقييد بالإمام العادل وكذا هو في الأم والمختصر مرادهم إمام أهل العدل”!.

يا مشايخ الشافعية المؤتمنين على دين الله تعالى:

أين أنتم عن فقه الشافعي وكبار فقهاء المذهب رحمهم الله؟!.

البغاة عند الإمام الشافعي وعند الموافقين له من أهل مذهبه هم الذين يخرجون على الإمام العادل، لا على الظالم الجائر، فمتى أقام الإمام في الظاهر على موافقة الشريعة كان أمره في الإمامة منتظما، ومتى زاغ عن ذلك كان من حق الأمة أن يستبدلوا به غيره، وارتكابُه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيما للشهوة وانقيادا للهوى فسْق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها. ومن المؤسف أن يصبح الحكم عند كثير من فقهاء مذهب الشافعي المتأخرين أن الذين يخرجون على الإمام الفاسق الظالم الجائر هم بغاة كذلك!.

يا مشايخ الشافعية المؤتمنين على دين الله تعالى:

إن حاكم سوريا الآن بشار الأسد وزمرته وزبانيته قد جاوزوا الحد في الفساد والطغيان، وقد تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، ولذا فمن حق الأمة أن يخلعوه ويستبدلوا به غيره.

إن خلع زمرة الفساد والإفساد ليس بالأمر السهل، ولا بد فيه من تضحيات جسام، والضرر كبير وخطير في بقاء زمرة الفساد وكذا في خلعها، وإذا كان كذلك فلا بد من ارتكاب أدنى المحذورين وأخف المضرتين، ومهما كانت المضرة في التضحيات لاجتثاث هذه الطغمة الفاسدة فهو أقل ضررا من بقائها تعبث بالحرمات وتعيث في الأرض الفساد.

اثبتوا على الحق، واصبروا وصابروا، ولا تخذلوا ولا تثبطوا، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.

وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 5/ 11/ 1432، 3/10/2011 ، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.