حديث إن أبي وأباك في النار

حديث “إن أبي وأباك في النار”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار

* ـ هذا الحديث رواه ابن حنبل ومسلم وأبو داود والبزار وأبو يعلى وأبو عوانة وابن منده في الإيمان من طرق عن حماد بن سلمة عن ثابت البُناني عن أنس بن مالك أنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟. فقال: “في النار”. فلما رأى ما في وجهه قال: “إن أبي وأباك في النار”. [حماد بن سلمة بصري ثقة فيه لين مات سنة 167]. فهذا الإسناد فيه لين.

حماد بن سلمة هو الإمام القدوة شيخ الإسلام، كما وصفه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، وقد ذكره بعض الأفاضل ووثقه بإطلاق، ولا أرى ذلك، لأن خمسة من الأئمة النقاد زحزحوه عن مثل هذه المرتبة:

قال يحيى بن معين: “من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخا فهو صحيح”. ولفظة الأصناف كانوا يستعملونها أحيانا بمعنى المصنفات، أي إن نسخه التي كتبها عن شيوخه صحيحة، وأما مصنفاته التي صنفها ففيها اختلاف.

وقال ابن سعد في الطبقات: “قالوا وكان حماد بن سلمة ثقة كثير الحديث وربما حدث بالحديث المنكر”.

ونقل أبو عثمان البرذعي عن محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري عن الإمام أحمد ابن حنبل أنه قال: “كان حماد بن سلمة يخطئ خطأ كثيرا”.

وأقر ابن حبان أن حمادا كان يخطئ، وأن خطأه قد كَثـُر، وأن ذلك من تغير حفظه.

وقال البيهقي: “هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه”.

فهل هذا الراوي ثقة بإطلاق؟!!. هذا غير صحيح.

* وللحديث شواهد من حديث عمران بن حصين وأبي رزين العقيلي وأبي هريرة:

ـ فأما حديث عمران بن الحصين فله طريقان:

الطريق الأول:

رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في المعجم الكبير من طريق داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن عن عمران بن حصين أن أباه حصينا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيتَ رجلا كان يَقـْرِي الضيفَ ويصل الرحم مات قبلك وهو أبوك؟!. فقال: “إن أبي وأباك وأنت في النار”. فمات حصين مشركا. وعند الطحاوي والطبراني: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أبي وأباك في النار”. فما مرت عشرون ليلة حتى مات مشركا.

هذا الطريق ضعيف جدا، فيه العباس بن عبد الرحمن وهو مجهول، وفيه أن والد عمران بن الحصين مات مشركا!، وهذا مخالف لروايتين تثبتان أنه أسلمَ وكلتاهما أصح من هذه الرواية:

إحداهما ما رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني عن رجاء السقطي عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بن يونس عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن عمران بن حصين، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق زكريا بن أبي زائدة عن منصور بن المعتمر به نحوه كذلك، وهذا إسناد صحيح.

والثانية ما رواه الترمذي وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والبزار والروياني من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم عن شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين، وشبيب بن شيبة ضعيف.

واجتماع هاتين الروايتين على أن الحصين والدَ عمران مات مسلما دليل على ضعف الرواية التي تقول إنه مات مشركا ونكارتها، فالطريق الأول من طريقي هذا الشاهد تالف.

الطريق الثاني:

رواه ابن خزيمة في التوحيد عن رجاء بن محمد العذري عن عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين عن أبيه عن أبيه عن جده أن قريشا جاءت إلى الحصين وكانت تعظمه، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم. فجاؤوا معه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “يا حصين، إن أبي وأباك في النار”.

[رجاء بن محمد العذري السقطي بصري صدوق ثقة مات بعد سنة 240. عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين بصري ضعيف مات قرابة سنة 175. أبوه خالد بن طليق قاضي البصرة ذكره الدارقطني في الضعفاء. أبوه طليق بن محمد بن عمران بن حصين ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: لا يُحتج به، ليس حديثه نيرا، حديثه عن عمران بن حصين مرسل. جده يظهر أنه الصحابي الجليل عمران بن الحصين]. فالطريق الثاني من طريقي هذا الشاهد ضعيف جدا.

فهذا الشاهد من رواية عمران بن حصين لا يُعتد به، لضعف إسناده جدا.

ـ وأما حديث أبي رزين فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة وابن أبي خيثمة في تاريخه من طريقين عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن أبي رزين العقيلي أنه قال: قلت: يا رسول الله أين أمي؟؟. قال: “أمك في النار”. قلت: فأين من مضى من أهلك؟. قال: “أما ترضى أن تكون أمك مع أمي؟!”.

[شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة مات سنة 160. يعلى بن عطاء طائفي نزيل واسط صدوق مات سنة 120. وكيع بن عُدُس والأصح أنه ابن حُدُس، من أهل الطائف، لم يذكر له المزي شيخا سوى أبي رزين ولا راويا عنه سوى يعلى بن عطاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه في مشاهير علماء الأمصار من الأثبات، وقال الجورقاني المتوفى سنة 543 في كتاب الأباطيل صدوق صالح الحديث، وقال ابن قتيبة غير معروف، وقال ابن القطان مجهول الحال، وقال الذهبي في الميزان لا يُعرف].

ابن حبان من المتساهلين في التوثيق، والجورقاني ليس من علماء الجرح والتعديل، فلا يُعتمد على قولهما، فالأصح في وكيع بن عُدُس ما قاله فيه ابن قتيبة وابن القطان والذهبي في الميزان، فهو ضعيف مجهول، فهذا الإسناد ضعيف.

ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه مسلم وابن أبي شيبة وابن حنبل وأبو يعلى عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي”.

استدل بعضهم بهذا الحديث مع قول الله جل وعلا {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى}على أن والدة النبي صلى الله عليه وسلم كانت من المشركين وأنها من أهل النار، ولا حجة لهم في ذلك، فكون الآية الكريمة تتضمن النهي عن الاستغفار للمشركين لا يعني أن كل من جاء النهي عن الاستغفار له مشرك، لاحتمال أن يكونَ هذا النهي يشمل المشرك ومن لا يُعرف عنه إيمان ولا شرك، أو يشمل المشركَ الذي بلغته دعوة النبي بلوغا صحيحا والمشركَ الذي لم تبلغه الدعوة، فيكونَ الواجبُ الشرعي هو عدمَ الاستغفار لكل من لم يُعرف عنه الإيمان، سواء من عُرف عنه الشرك وقد بلغته الدعوة ومن عُرف عنه الشرك ولم تبلغه الدعوة ومن لم يُعرف عنه إيمان ولا شرك.

ووالدة النبي صلى الله عليه وسلم ووالده ما بلغتهم دعوة نبي بلوغا صحيحا، فقد قال ربنا جل وعلا {بل هو الحق من ربك، لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون}.

وقال جل وعلا {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، وقال سبحانه {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزِل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين، أو تقولوا لو أنا أنزِل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة}.

* ـ ثم إن حديث أنس الذي جاء بلفظ “إن أبي وأباك في النار” معلول بهذا اللفظ، فقد رواه البزار في مسنده وابن السني في عمل اليوم والليلة والضياء المقدسي في المختارة من طريق يزيد بن هارون، والطبرانيُّ في الكبير وأبو نعيم في معرفة الصحابة من طريق محمد بن أبي نعيم الواسطي، والبيهقيُّ في دلائل النبوة من طريق الفضل بن دكين، ثلاثتهم عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن ابن شهاب الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد رضي الله عنه أنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟!. فقال: “في النار”. فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟. فقال: “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار”. فأسلم الأعرابي بعدُ فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا، ما مررت بقبر كافرٍ إلا بشرته بالنار. [إبراهيم بن سعد ثقة حجة ربما حدث من حفظه فأخطأ، ومات سنة 185].

ورواه ابن ماجه، إلا أن شيخه وهِم في إسناده، حيث جعله عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه. وقول بعض الباحثين عن هذا الحديث “وردَ من حديث سعد بن أبي وقاص وابن عمر بإسنادين صحيحين”، هو خطأ واضح، حيث إن له إسنادا واحدا فقط، هو من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري، وكونه جاء من مسند صحابيين هو من باب اختلاف الرواية.

ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.

ـ ورجح أبو حاتم الرازي في كتاب العلل والدارقطني في مسند سعد من كتاب العلل رواية معمر عن الزهري مرسلا على رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، وأعلاه بالإرسال.

* ـ لكن لا بد هنا من وقفة حول اللفظ الذي ورد به الحديث، فقد اختلف لفظ الرواية على وجهين: أحدهما “إن أبي وأباك في النار”، وهو ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، والثاني “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار”، وهو ما رواه الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه مرفوعا أو عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.

وحيث إن القصة واحدة والسياق واحد فلا بد أن يكون اللفظ واحدا، ويبدو أن اللفظ الثاني هو الأصح، لعدد من القرائن:

ـ منها أن الرواة إذا اختلفوا في جزء من الرواية فالأقرب أن الذي يسبق إلى الذهن هو من باب الوهَم، لذا فإنك تجد الأئمة النقاد إذا وقع اختلاف في سياقة الإسناد حكموا على ما جاء على الجادة بأنه خطأ وصوَّبوا ما جاء على خلاف الجادة، وكذلك ينبغي أن يكون النظر في المتون، فالذي جاء بالمتن على ما يسبق إلى الذهن هو أقرب إلى أن يُحكم على روايته بالوهَم ممن جاء به على ما يدِق فهمه، ولو كان الجواب باللفظ الأول “إن أبي وأباك في النار” لكان هو الواضحَ لإزالة ما في نفس السائل من الغضب والموجِدة، أما الجواب باللفظ الثاني ففيه الدقة البالغة، بحيث ينصرف ذهنه بادي الرأي إلى أن والد رسول الله هو كذلك، ولكنه لم يقل له ذلك، وإنما قال له “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار”.

وإذا كان اللفظ واضحا فلا يجيء في الاستعمال أن يُنقل إلى ما يحتاج فهمه إلى نباهة، بخلاف العكس، وهذا يدل على أن الأصل هو اللفظ الذي رواه الزهري من مسند سعد بن أبي وقاص أو مرفوعا مرسلا، وأن لفظ رواية أنس مروي بالمعنى.

فالأقرب أن رواية هذا الحديث بلفظ “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار” هي الأصح، وأن رواية صحيح مسلم للحديث بلفظ “إن أبي وأباك في النار” مرجوحة، فهي إذن معلولة بهذا اللفظ.

ـ ومنها أن أنس بن مالك رضي الله عنه وقع له أنْ روى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ مغيَّر عن لفظ النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولفظه في رواية أنس هو “إن أُخِّرَ هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة”، وهو مناقض للواقع، واللفظ الثابت في هذا الحديث هو ما روته عائشة رضي الله عنها، وهو “إن يعشْ هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم”.

ـ ومنها أن اللفظ الموافق للآيات الكريمات في كتاب الله عز وجل هو الأقرب لأن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الثاني، بخلاف اللفظ المتعارض مع آيات القرآن الكريم، وهو رواية أنس رضي الله عنه.

والذي لا مناص عنه هو التمسك بالآيات الكريمات من كتاب ربنا عز وجل، والذي جاء على وَفقها لا شك أنه هو الثابت، وما جاء على خلافها لا شك أنه هو المرجوح، وهذا يؤيد ويؤكد ما ذكرته في إعلاله.

* ـ خلاصة البحث هي أن الحديث المروي في صحيح مسلم وغيره بلفظ “إن أبي وأباك في النار” روايته بهذا اللفظ مرجوحة، وأن الأصح هوالرواية بلفظ “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار”، والله أعلم.

ملحوظة:

وقف عدد من العلماء عند الحديث الوارد في صحيح مسلم بلفظ “إن أبي وأباك في النار”، وقالوا بأن والدي النبي صلى الله عليه وسلم هما في النار، منهم الإمام البيهقي المتوفى سنة 458 والإمام النووي المتوفى سنة 676 وغيرهما، وهذا ما أداهم إليه اجتهادهم، وللمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد.

وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 6/ 8/ 1438، الموافق 2/ 5/ 2017، سوى بعض التعديلات اليسيرة، والحمد لله رب العالمين.