الافتراءات التي نقلها ابن حزم وألصقها بالأشاعرة

 

إبن حزمابن حزم هو المحدث الفقيه الأصولي الظاهري علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي المتوفى سنة 456، صاحب كتاب المحلى وغيره.

له كتاب مشهور في العقائد وتاريخ الفرق سماه “الفِصَل في الملل والأهواء والنِحَل”، وهو من المراجع الهامة في هذا الباب.

كان المفترض في المؤلف أن يتحلى بالدقة والنزاهة والأمانة في نقوله عن أهل الأديان والفرق، وربما كان عنده من هذا شيء كثير، لكن يبدو أن له مع الأشاعرة مسلكا آخر.

ـ طريقة المحدثين عند النقل من الكتب السابقة أن يذكر المحدث ـ في المرة الأولى على الأقل ـ سنده إلى مؤلف الكتاب الذي ينقل منه، أي سند النسخة التي اعتمد عليها، فإن لم يفعل فقد سقط هذا المحدث سقطة عظيمة وسقطت بذلك كل النقول التي ينقلها من تلك النسخة.

يبدو أن ابن حزم ـ وهو المحدث الناقد للروايات ـ قد نسي أو تناسى هنا تماما كل ما يعرفه من وجوب التثبت، لأن الأمر هنا يتعلق بالأشاعرة، وكأنه نسي قول الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.

وكأنه نسي كذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه وأبو عوانة عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه”. وما رواه مسلم عن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه”. أي: إلا رجَع عليه.

ـ من أراد أن يعرف مدى ما عند هذا الرجل من التثبت في النقل فلينظر في قوله “يقول بعضُ الفقهاء وأتباعُه أن رجلا واحدا يكون ابنَ رجلين وابنَ امرأتين كل واحدة منهما أمه وهو ابنها بالولادة”!. ولا أدري كيف خطت يده مثل هذا؟!.

لو أن أحد الباحثين ألف كتابا في تاريخ الفقه الإسلامي ووقف على هذا النص وأدرجه في كتابه فهي طامة من الطامات.

ـ من الغرائب أن يقول ابن حزم: “قالت الأشعرية: ليس في العالم شيء له بعضٌ أصلا، ولا شيء له نصفٌ ولا ثلـُث ولا ربُع ولا خمُس ولا سدُس ولا سُبُع ولا ثمُن ولا تُسُع ولا عُشُرٌ ولا جزء أصلا”!.

هذه الكلمة تكفي لنعرف مدى ما يتصوره ابن حزم عن الأشاعرة!، ومن الممكن ـ من حيث الإمكان العقلي المجرد ـ أن يُقال لعل الأشاعرة أو بعضهم قد قالوا ذلك فعلا، ولكن المنهج القرآني يأمرنا بالتثبت والبحث عن مدى عدالة الناقل وضبطه، {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.

ومن الغرائب أن يقول: “ذهب الباقلاني وسائر الأشعرية إلى أنه ليس في النار حر ولا في الثلج برد ولا في الزيتون زيت ولا في العنب عصير ولا في الإنسان دم، وهذا أمر ناظرنا عليه من لقيناه منهم”.

أنا لا أكذبه في دعواه أنه ناظر على هذا أناسًا أو ناظره عليه أناسٌ لقيهم وتوهَّمَ أنهم من الأشاعرة، ولكنه لم يسمِّ واحدا منهم على الأقل لنرى هل هو من الأشاعرة؟ وهل هو من علماء الأشاعرة أو من الجهلة الذين يلصقون أنفسهم بالمذهب الأشعري.

 

ـ اتهام ابن حزم للأشاعرة من حيث الاعتقاد في الله جل وعلا:

ذكر ابن حزم أشياء في العقيدة عن أبي الهُذيل والنظـَّام المعتزليين ولم ينس أن يضيف إليهم الأشاعرة في الاتهام، فقال: “أما أبو الهُذيل فجعل قدرة ربه تعالى متناهية بمنزلة المختارين من خلقه، وهذا من التشبيه حقا، وأما النظـَّام والأشعرية فكذلك أيضا، وجعلوا قدرة ربهم تعالى متناهية يقـْدر على شيء ولا يقدر على آخر، وهذه صفة أهل النقص”.

السؤال الذي ينبغي أن يوجه لابن حزم وللذين اعتمدوا على مقولاته هو: أين الدليل من كتب الأشاعرة على أنهم يقولون بهذا؟!.

 

ـ اتهام ابن حزم للأشاعرة من حيث الاعتقاد في نبينا سيدنا محمد وسائر النبيين والمرسلين صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين:

قال ابن حزم: “فرقة مبتدعة تزعم أن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ليس هو الآن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ذهب إليه الأشعرية”.

أين الدليل على أن هذا القول قد ذهب إليه الأشعرية؟!، لا دليل، بل هو كذب وافتراء.

لا شك في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأن رسالته باقية إلى قيام الساعة.

قال تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى: “إنكار الرسالة بعد الموت معزوة إلى الأشعري، وهي من الكذب عليه، بل صرح بخلافها، وكتبه وكتب أصحابه قد طبقت طبَقَ الأرض وليس فيها شيء من ذلك، بل فيها خلافه، ومن عقائدنا أن الأنبياء عليهم السلام أحياء في قبورهم فأين الموت؟!، وقد أنكر الأستاذ أبو القاسم القشيري في كتابه شكاية أهل السنة هذه وبيَّن أنها مختلقة على الشيخ، وكذلك بيَّن ذلك غيرُه، واشتد نكير الأشاعرة على مَن نسب هذا القول إلى الشيخ وقالوا قد افترى عليه وبهَته”.

ـ قال ابن حزم في كتاب الفِصل: “قال الباقلاني: جائز أن يكون في الناس من هو أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث بُعث بالنبوة إلى أن مات”. ثم نقل عن أبي جعفر السمناني وهو من أصحاب الباقلاني مثلَ ما نقل عن شيخه الباقلاني.

لا أملك ما أقول سوى أن هذا كذب مفضوح وجراءة عظيمة، ولا أدري ما أقول في ابن حزم بعد هذا. واللهُ الموعد.

ـ وقال ابن حزم: [اختلف الناس في هل تعصي الأنبياءُ عليهم السلام أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أن رسل الله صلى الله عليهم وسلم يعصون الله في جميع الكبائر والصغائر عمدا حاشا الكذبَ في التبليغ فقط، وهذا قول الكرامية من المرجئة وقولُ ابن الطيب الباقلاني من الأشعرية ومن اتبعه، وأما هذا الباقلاني فإنا رأينا في كتاب صاحبه أبي جعفر السمناني قاضي الموصل أنه كان يقول “إن كل ذنب دقَّ أو جلَّ فإنه جائز على الرسل حاشىا الكذبَ في التبليغ فقط”، قال “وجائز عليهم أن يكفروا”، قال “وإذا نهى النبي عليه السلام عن شيء ثم فعله فليس ذلك دليلا على أن ذلك النهي قد نُسخ لأنه قد يفعله عاصيا لله عز وجل”، قال “وليس لأصحابه أن ينكروا ذلك عليه”].

هذا الكلام المنقول عن الإمام الباقلاني رحمه الله هو محض كذب وافتراء، لا شك في ذلك. {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا}.

 

ـ اتهام ابن حزم للأشاعرة في موضوع التكفير:

ـ قال ابن حزم: “الطائفة القائلة إن الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية وعبَدَ الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام وعبد الصليبَ وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل، وهذا قول جهم بن صفوان وقول أبي الحسن الأشعري وأصحابهما”.

وقال ابن حزم كذلك: “وأما الأشعرية فقالوا إنَّ شتْمَ مَن أظهر الإسلامَ لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم وإعلانَ التكذيب بها باللسان بلا تقيةٍ ولا حكايةٍ والإقرارَ بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفرا، ثم خَشُوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا لكنه دليل على أن في قلبه كفرا”.

أقول: بل هذا كفرٌ قطعا، لأن من يقوله ليس في قلبه إيمان صحيح قطعا، ومثل هذا الكلام لا يصْدر إلا عمن عشش الكفر في قلبه، إما كفر الجحود، وإما كفر الاستخفاف المنافي لتعظيم الخالق جل وعلا.

إنها أكاذيبُ وافتراءات! ينقلها ابن حزم دون تثبت من صحة النقل. ويقول بعدها عن الأشاعرة ثم خَشُوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا لكنه دليل على أن في قلبه كفرا”!!.

وددت لو نبهه بعض تلاميذه وقالوا له: هل يجوز لك شرعا أن تتهم كبار علماء الإسلام بهذا دون تثبت؟!!، وهل أعطاك المولى جل وعلا علم الغيب فشققتَ عن قلوبهم وعلمت أنهم يسمون الكفر الصراح إيمانا ثم خَشُوا مبادرة جميع أهل الإسلام لهم فقالوا لكنه دليل على أن في قلبه كفرا؟!!.

أظن أن ابن حزم قد جاءه بعض الكذابين فنقل له مثل تلك المفتريات فصدقها ونقلها في كتابه دون تثبت، والله أعلم بغيبه.

ومن أراد أن يعرف ما إذا كانت تلك المقولات مما يمكن أن تصح نسبتها للإمام الباقلاني رحمه الله أو لا فليقرأ كتبه، فالرجل وعلمُه وكتبه والنقول عنه أشهر من نار على علم، ومن كتبه في العقيدة “الإنصاف”، و”تمهيد الأدلة”.

ثم قال ابن حزم: [أخبرني علي بن حمزة المراوي الصقلي الصوفي أن بعض الأشعرية يبطح المصحف برجله، قال: فأكبرتُ ذلك وقلت له ويحك هكذا تصنع بالمصحف وفيه كلام الله تعالى؟!. فقال لي: ويلك والله ما فيه إلا السُخَام والسواد، وأما كلام الله فلا. وكتب إلي أبو المرجى بن رزوار المصري أن بعض ثقات أهل مصر أخبره من طلاب السنن أن رجلا من الأشعرية قال له مشافهة “على من يقول إن الله قال قل هو الله أحد الله الصمد ألف لعنة”].

الأشاعرة وسائر المسلمين يقولون: إن الذي قال {قل هو الله أحد الله الصمد} هو الله سبحانه وتعالى، والذي اتهم الأشاعرة بذلك البهتان هو من الكاذبين، والله جل وعلا يقول {أَلَا لَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}.

 

ـ تمحيص المرويات يعتمد على نقد السند ونقد المتن:

فأما نقد السند فهو أن نقول: كل قول يُعزى لأحد بسند ضعيف أو تالف أو بدون إسناد فهو غير مقبول، لأن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

وأما نقد المتن فهو أن تنظر فيما كتبه علماء الأشاعرة وفي هذا المنسوب إليهم وتتفكر في نفسك: هل من يكتب هذه المؤلفات القيمة في العقيدة والتفسير والحديث والفقه والأصول يكتب هذه الأقوال الكفرية الشنيعة؟!!.

ـ وفي الختام أقول: أما في الدنيا فليقلْ خصوم الأشاعرة ما يشاؤون، فاليوم عملٌ ولا حساب، وأما في الآخرة فليستعدوا للعرض الأكبر بين يديْ من لا تخفى عليه خافية، فذاك يوم الحساب ولا عمل.

ـ لا شك في أن تلك الأقوال التي حاول الوضاعون اتهام الأشاعرة بها هي محض كذب وافتراء، ولكن هذا لا يعني أن ابن حزم هو الذي فعل ذلك وأنه يبوء بذلك الإثم الكبير والبهتان العظيم.

إلا أن تساهله في نقلها مع السكوت عليها لا يعفيه من التبعة والمسؤولية، وكذا كل من نقل شيئا من ذلك تصريحا أو تلميحا دون الدفاع عن أعراض أولئك الأئمة الأعلام. والملتقى بين يديْ أحكم الحاكمين.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 8/ 8/ 1436، الموافق 26/ 5/ 2015، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على عبده ورسوله سيدنا محمد وسلم.

 

8 تعليقات على “الافتراءات التي نقلها ابن حزم وألصقها بالأشاعرة”

  1. نحتاج لمثل هذا الجهد للدفاع عن علمائنا مما لم يصح فى اتهامهم بالسوء مثل الامام ابى حنيفه رحمه الله

  2. حبيبنا وشيخنا اﻹدلبي ..بارك الله فيك وزادك علما ونورا ..كم أنت محقق صادق ومدافع عن الحق وأهله ..عظم الله أجرك

  3. بارك الله في الباحث الذي تعقب على ابن حزم في موقفه من الأشاعرة وأثمن غيرته عبى المذهب الأشعري،ولو أن الباحث التزم لغة الحوار والمناقشة بدلا عن لغة العتاب والتشكيك وأسلوب التجريم، ولو اطلع على الدراسات التي تناولت موقف ابن حزم من الأشعري لعلم الظروف السائدة في عصر ابن حزم ومدى ضعف المذهب الأشعري بالأندلس وعدم توفر المصادر الأصيلة التي تشرح مذهبه بخلاف انتشارها في المشرق/ وقد قام أبناؤنا الطلبة برسائل علمية حول موقف ابن حزم من المذهب الأشعري تعقيبا على كتاب لعبد الرحمن بن محمد دمشقية حيث عولجت أراء ابن حزم المنحولة عن الأشاعرة.

    رد الشيخ صلاح الدين الإدلبي:

    الأخ الكريم حفظك الله ، السلام عليكم ورحمة الله

    يجب على المسلم شرعا أن يقف مع الحق الذي يظهر له وأن يدافع عنه حيثما كان، وأنا ـ من فضل الله علي ـ لا أدافع عن الأشاعرة لأنهم أشاعرة، بل في المسائل التي أرى أنهم اتـُّهموا فيها بالباطل.

    لن يسألنا ربنا جل وعلا عما قاله ابن حزم أو عما قاله الأشاعرة، ولكن يسألنا عما أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذا تشبَّع العقل الباطن عند الإنسان بشيء ما ومَلكَ عليه عقله وتفكيره فلا يُستغرب أن يسمع شيئا فيفهمه على غير ما هو عليه، وإذا كان هو والناقلُ والمنقولُ عنه معروفين بالصدق والأمانة فلا يُتهم واحد منهم بالكذب، حاش لله.

    كل من تجاوز الأدلة العقلية إلى الاستدلالات الكلامية فهو مخطئ، وقد غاص في متاهاتها إمام الحرمين وأبو حامد الغزالي وفخر الدين الرازي ومحمد بن أبي بكر المرعشي ورجعوا بعد ذلك عنها وتابوا منها.

    عندي مقالتان عن علم الكلام في حوار هادئ أرجو التكرم بالاطلاع عليهما.

    أظن أن لغتي أيها الأخ الكريم لم تخرج إطلاقا عن أسلوب الحوار، وأما العتاب فلا بد منه لمن لم يضبط لسانه وقلمه، وهذا ما حَرَصت عليه ولم أخرج عنه.

    حفظك المولى بحفظه، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

  4. الشيخ الادلبي لنا منا جزيل الشكر حول دفاعك عن المذهب الأشعري، ان موقف ابن حزم من المذهب الأشعري تثير عذة اشكالات معرفية، وكثير ما ينسب ابن حزم اراء منحولة للمذهب الأشعري لكن ما أريد لفت انتباهك اليه هو انتقادات ابن حزم للأشاعرة ليست كلها افتراءات بل كثير منها مبنيا على موقفه من المسألة. فاتهامه للآشاعرة بانتهاء قدرة الله مبنيا على مذهبه في قدرة الله على المستحيل وهي مسألة أثارت جدلا عند المتكلمين حيث دفعت الامام السنوسي الى اتهام ابن حزم بالمبتدع وهكذا بقية المسائل فهي مبنية على موقفه العقدي، وابن حزم غير متهوم بالكذب وهو ينقل عن الباجي اراء لم تصح عن السمناني، فمن أين وقع الوهم هل من ابن حزم أم من الباجي؟ هذا ما أردت توضيحه وبارك الله فيكم

  5. بارك الله في حرصك على نصرة المذهب الأشعري من افتراءات الخصوم، ولو مع احترامنا لك فان ما لمت به على ابن حزم من حيث المنهج وقعت فيه، فكان اولى لك أن تنقل نصوص ابن حزم وتعقبعها بنصوص الأشاعرة المبطلة لنقوله، والأمر الثاني أن تعرض المصادر الأشعرية التي اعتمدها ابن حزم في عرض المذهب الأشعري قبل أن تطعن فيه، والأمر الثالث أن ابن حزم لا يعتمد على النقول فقط بل كذلك يلجأ الى المقابلة والسماع فاذا كان من نقل عنهم ربما يكونوا من رعاع لا تمكين لهم في المذهب فكيف يكون موقفك أمام ما أخبره به الباجي المالكي الأشعري حول تسميم ابن فورك هل نقبل رواية الباجي أم نقول ان ابن حزم تقول عليه وبذلك يكون طعنا في عدالته. هذا ماأردت أن أنبه عنه مع علمي أن ما قاله ابن حزم في الأشاعرة لايصح. والسلام عليكم ورحمة الله.

    جواب الشيخ صلاح على التعليق:
    الأخَ المعلق الكريم حفظك المولى
    السلام عليكم ورحمة الله
    أكتبُ هذه اللمحات ولا يسعفني الوقت لكتابة المزيد، وفي هذا كفاية إن شاء الله، ولا أثق بالنسخ التي نقل منها ابن حزم أو بدقة نقله للنص الذي ينقل منه.
    قال ابن حزم: من شنعهم قول الباقلاني في كتابه المعروف بالانتصار في القرآن: “إن تقسيم آيات القرآن وترتيب مواضع سوره شيء فعَلَه الناس، وليس هو من عند الله ولا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
    ثم قال: “فقد كذب هذا الجاهل وأفك، أتراه ما سمع قول الله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} وقولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في آية الكرسي وآية الكلالة والخبرَ أنه عليه السلام كان يأمر إذا نزلت الآية أن تجعل في سورة كذا وموضع كذا؟!، ولو أن الناس رتبوا سوره لما تعدَّوا أحد وجوه ثلاثة: إما أن يرتبوها على الأول فالأول نزولا، أو الأطول فما دونه، أو الأقصر فما فوقه، فإذ ليس ذلك كذلك فقد صح أنه أمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يُعارض عن الله عز وجل، لا يجوز غير ذلك أصلا”.
    أقول:
    قال الإمام الباقلاني في كتاب الانتصار للقرآن: “الذي نذهب إليه في ذلك: القولُ بأن جميع القرآن الذي أنزله الله عز وجل وأمرنا بإثبات رسمه ولم ينسخه ويرفعْ تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان رضي الله عنه، وأنه لم يُنقص منه شيء ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظْمه ثابت على ما نظمه الله سبحانه ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخرا، ولا أخر منه مقدما، وأن الأمة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها وعرفتْ مواقعها كما ضبطتْ عنه نفس القرآن وذات التلاوة، وأنه قد يمكِن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان كما رتب آيات سوره، ويمكِن أن يكون قد وَكَلَ ذلك إلى الأمة بعده ولم يتول ذلك بنفسه، وأن هذا القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقا، على ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله”.
    لقد فرق الباقلاني رحمه الله بين ترتيب الآيت الكريمات في السورة وبين ترتيب السور في المصحف الشريف، ولكن ما الذي يمكن أن يُقال بعد هذا؟!!. فابن حزم لا يُوثق بعد هذا بما ينقله من كلام الأشاعرة. والملتقى بين يديْ أحكم الحاكمين.
    * ـ وهذا تعريف وجيز بالإمام الباقلاني رحمه الله:
    قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: “محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر القاضي المعروف بابن الباقلاني، المتكلم على مذهب الأشعري، من أهل البصرة، سكن بغداد، وسمع بها الحديث من أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد بن ماسي وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري، خرَّج له محمد بن أبي الفوارس، وحدثنا عنه القاضي أبو جعفر محمد بن أحمد السمناني، وكان ثقة، فأما علم الكلام فكان أعرف الناس به، وأحسنهم خاطرا، وأجودهم لسانا، وأوضحهم بيانا، وأصحهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة المنتشرة في الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم، مات سنة 403”.
    وقال عنه القاضي عياض في ترتيب المدارك: “الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة، المتكلم على مذهب المثبتة وأهل الحديث وطريقة أبي الحسن الأشعري، خرّج له ابن أبي الفوارس، قال الخطيب أبو بكر في تاريخ البغداديين: ثقة. قال أبو الحسن بن جهضم الهمداني: كان شيخَ وقته وعالم عصره. قال ابن عمار الميورقي: كان ابن الطيب مالكيا فاضلا متورعا، ممن لم تُحفظ له قط زلة، ولا نُسبت إليه نقيصة، وكان يُلقب بشيخ السنة ولسان الأمة، وكان فارسَ هذا العلم مباركا على هذه الأمة، وكان حصنا من حصون المسلمين، وما سُرَّ أهل البدع بشيء كسرورهم بموته. وذكره أبو عمران الفاسي فقال: سيف أهل السنة في زمانه، وإمام متكلمي أهل الحق في وقتنا. وحكى القاضي أبو الوليد الباجي عن أبي ذر الهروي أنه قال: أول معرفتي بالقاضي أبي بكر وأخذي عنه أني كنت ماشيا مع الشيخ أبي الحسن الدارقطني في بعض أزقة بغداد، إذ لقي شابا فسلم عليه واحتفل به، ورأيت من تعظيم الشيخ أبي الحسن له وإقباله عليه ودعائه له ما عجبت منه، فقلت له: من هذا؟. فقال لي: هذا أبو بكر بن الطيب الذي نصر الله به أهل السنة وقمع به أهل البدعة”.
    وقال القاضي عياض: “وجَّه عضد الدولة القاضيَ أبا بكر بن الطيب إلى ملك الروم الأعظم، فلما تهيأ للخروج قال وزير عضد الدولة للقاضي: أأخذت الطالع لخروجك؟. فسأله القاضي أبو بكر، فلما فسر مراده، قال: لا أقول بهذا، لأن السعد والنحس كله والشر والخير كله بيد الله عز وجل، ليس للكواكب ههنا مثقال ذرة من القدرة، وإنما وُضعت كتب المنجمين ليتمعش بها الجاهلون بين العامة، ولا حقيقة لها”. ونقله عنه النُباهي المالقي الأندلسي في المرقبة العليا. المَعْش: الدلك الرفيق.
    وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: [الإمام العلامة، أوحد المتكلمين، مقدَّم الأصوليين، كان ثقة إماما بارعا، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضايق، فإنه من نظرائه، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه، وكان سيفا على المعتزلة والرافضة والمشبهة، وغالب قواعده على السنة، وقد أمر شيخُ الحنابلة أبو الفضل التميمي مناديا يقول بين يدي جنازته “هذا ناصر السنة والدين والذابُّ عن الشريعة، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة”. ثم كان يزور قبره كل جمعة].
    والإمام الباقلاني ذكَره سائر من ترجم له من العلماء بالثناء، ولم يذكروا فيه شيئا مما يُطعن به في دينه، ولو بلغهم عنه شيء مما نقله ابن حزم عنه لأظهروه ولمَا ترددوا فيه لحظة، منهم ابن الجوزي في المنتظم، وابن خلكان في وَفَيَات الأعيان، والصفدي في الوافي بالوَفَيَات، وابن كثير في البداية والنهاية، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب، وابن قطلوبغا في كتاب الثقات، وهؤلاء أصدق وأعلم وأورع ممن نقل تلك الأكاذيب والمفتريات لابن حزم.
    وفي هذا كفاية لمريد الحق.
    وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 8/ 7/ 1439، الموافق 25/ 3/ 2018، والحمد لله رب العالمين.

  6. شكرا للشيخ على هذا التوضيح ومع ذلك فقد بقي اتهام ابن حزم للباقلاني في مسألة ترتيب السور صحيحا،مع قول الباقلاني في كتابه الانتصارللقرآن يشهد على ذلك كقوله:وأنه قد يمكِن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان كما رتب آيات سوره، ويمكِن أن يكون قد وَكَلَ ذلك إلى الأمة بعده ولم يتول ذلك بنفسه، وأن هذا القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقا، على ما سنبينه فيما بعد إن شاء الله”.ص 60، وأعقبها بردوده العقلية والجدلية مدافعا عن رأييه، ومنتصرا لمذهبه الا يدفعنا ذلك الى التبيين والتثبت، وكذلك الأمر بمنع اظلاق التسمية على أسماء الله عز وجل،فقد نسب اليه القول بها، مع ان الثابت أن الباقلاني وكل الأشاعرة يقولون بأن الاسم غير التسمية لكن ورد في التمهيد ص 232 قوله: وهذا تأويل قوله تعالى:( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) أي تسميات. مما يثبت صحة نقد ابن حزم له، لا نوافق ابن حزم على اتهاماته الخطيرة وكذلك لا نتغاضى عن انتقاداته الدقيقة ،ولنا منك الشكر.

    رد الشيخ صلاح الدين الإدلبي :
    إذا كان الباقلاني يقول بأن ترتيب السور يحتمِل أن يكون توقيفيا من النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمِل أن يكون اجتهاديا من الصحابة وإذا كان يميل إلى ترجيح الاحتمال الثاني فهذا لا عيب فيه إطلاقا والاحتمالان واردان.
    وهذا من نافلة القول لأن هذه مسألة غير المسألة التي هي محل البحث .

  7. جزاك الله شيخنا ، وبارك فيك ، أردت أن أنبهك على تصحيح آية من القرآن ، وهي قوله تعالى : { أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِینَ }.

    وأريد أن أسألك سؤالا : هل لك أن تبين لنا عقيدة الإمام ابن حزم الظاهري في الإلهيات ؟

    رد الشيخ صلاح الدين الإدلبي:

    جزاك الله خيرا أيها الأخ الكريم
    وسامحني إذ لم أكتب جوابا فيبدو أنني قرأت هذا التعليق ونسيت أن أكتب الجواب ومرت الأيام والشهور حتى ذكرني به بالأمس الأخ الأستاذ عماد المشرف على هذا الموقع جزاه الله خيرا
    الآية القرآنية الكريمة هي قوله تعالى {… أَلَا لَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿١٨﴾ هود}
    فجزاك الله خيرا وهي كما ذكرته أنت ولا أدري كيف وقع في كتابتي هذا
    ابن حزم الظاهري رحمه الله رجل عالم أندلسي من علماء المسلمين وكلٌّ منا يرد ويُرد عليه وليس أفراد الأمة معصومين من الخطأ
    ابن حزم لم أجد له في العقيدة ما أنتقده عليه حسب قراءتي القليلة في كتبه
    انتقادي هو في تسرعه بتصديق من يأتيه بنسخ محرفة مزورة من كتب الأشاعرة وكتب الباقلاني رحمه الله بصفة خاصة وتصديقه لمن يحملها إليه، ومن هنا كان هجومه على ما يتخيله أنه من كلام الأشاعرة
    من كلامه الجميل الصحيح في كتابه مراتب الإجماع أن العلماء أجمعوا على أن الله تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه
    وهذا في العقيدة
    اعترض عليه في ذلك ابن تيمية سامحه الله وغفر له اعتراضا باطلا مخالفا للحديث الصحيح ولإجماع أهل العلم ومنهم الإمام أحمد رحمهم الله
    عندي بحث مطبوع اسمه حديث كان الله ولم يكن شيء غيره رواية ودراية وعقيدة
    أرجو أن تطلع عليه
    وجزاك المولى تعالى خير الجزاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.