القراءة على الشيوخ أو أخذ الإجازة لتحصيل اتصال السند

القراءة على الشيوخ أو أخذ الإجازة لتحصيل اتصال السند

* ـ كثيرون من طلاب العلم اليوم يحرِصون على أن يكون عندهم إسناد متصل برواية الأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعوا أن العلماء الكبار كانوا يقرؤون كتب الحديث على شيوخهم بغية اتصال الإسناد، وأنهم كانوا إذا فاتتهم القراءة اكتفَوا بأخذ الإجازة من الشيوخ ليتصل الإسناد عن طريقهم.

نشطتْ حركة القراءة على الشيوخ والحصول على الإجازات منذ بضعة عقود من الزمان، إذ يشتري الراغبون في اتصال الإسناد لبعض كتب الحديث الشريف برسول الله صلى الله عليه وسلم نسخةً من السوق ليقرؤوها على شيخ عنده بها إجازة، أو كان قد حصَّل نسخة وقرأها على أحد شيوخه الذي كان له بها إجازة من أحد الشيوخ.

* ـ كان بعض الشيوخ ينص في الإجازة المقرونة بالقراءة أو غير المقرونة بها على أن هذه الإجازة على الشرط المعتبر عند أهل الحديث، والشرط المعتبر عند أهل الحديث لا بد منه حتى ولو لم ينصَّ المجيز في الإجازة على ذلك، كما سيأتي بعون الله.

لا بد هنا من أن نتساءل: ما الشرط المعتبر عند أهل الحديث؟:

* ـ قال الإمام الترمذي المتوفى سنة 279 رحمه الله في كتاب العلل الصغير الذي بآخر كتاب السنن: “القراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله فيما يُقرأ عليه إذا لم يحفظ: هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع”. [سنن الترمذي بتحقيق بشار عواد معروف: 6/ 246. شرح علل الترمذي لابن رجب: 1/ 499].

* ـ قال الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم المتوفى سنة 327 وهو ابن الإمام الحافظ أبي حاتم الرازي المتوفى سنة 277 رحمهما الله في كتابه الجرح والتعديل: سمعت أبي ذكرَ عبدَ الحميدِ بنَ إبراهيم فقال: “ذكِر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم عن الزُبَيدي، إلا أنها ذهبت كتبه، فقال لا أحفظها، فأرادوا أن يعْرضوا عليه فقال لا أحفظ، فلم يزالوا به حتى لان، فحدثهم بها، وليس هذا عندي بشيء، رجل لا يحفظ وليس عنده كتب؟!!“. [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 6/ 8].

* ـ قال الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم المتوفى سنة 405 رحمه الله في كتابه المدخل إلى كتاب الإكليل: “الطبقة الثامنة مِن المجروحين قومٌ سمعوا كتبا مصنفة من شيوخ أدركوهم ولم ينسخوا أسماعهم عند السماع، وتهاونوا بها إلى أن طعنوا في السن وسئلوا عن الحديث، فحملهم الجهل والشره على أن حدثوا بتلك الكتب من كتبٍ مشتراةٍ ليس لهم فيها سماع وهم يتوهمون أنهم في رواياتهم صادقون!”. [المدخل إلى كتاب المجروحين للحاكم: ص 65].

قف عند قوله “مِن كتب مشتراة”، فقد كانوا يخافون من وقوع اختلافات بين النسخ، أما وقوع التحريف والزيادة فهي طامات.

ثم قال: “الطبقة العاشرة من المجروحين قوم كتبوا الحديث ورحلوا فيه وعُرفوا به فتلفت كتبهم بأنواع من التلف، فلما سُئلوا التحديثَ حدثوا بها من كتب غيرهم أو من حفظهم على التخمين، فسقطوا بذلك، منهم عبد الله بن لهيعة الحضرمي على محله وعلو قدره”. [المدخل إلى كتاب المجروحين للحاكم: ص 67].

* ـ قال الإمام الحافظ الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 رحمه الله في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: “يجب على من كتب نسخة من أصلِ بعض الشيوخ أن يعارض نسخته بالأصل، فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع“. [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1/ 275].

قلت: إذا كان من الواجب على من كتب نسخة من أصل بعض الشيوخ أن يعارض نسخته بالأصل وهو شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع فما حكم من يصحح الرواية بإجازة عن إجازة عن إجازة وهلم جرا وليس هناك نسخة الأصل ولا نسخة منسوخة عنها ليُقال هل هي معارَضة ومقابَلة بها أو لا؟!. لا شك في أن الرواية بمثل هذا لا تفيد شيئا من الاتصال.

* ـ روى الإمام الحافظ المعمَّر أبو عمر يوسف بنُ عبدِ الله ابنُ عبد البر المتوفى سنة 463 رحمه الله في كتابه جامع بيان العلم عن عبد اللّه بن عمر العمري أنه قال: “كنت أرى الزهري يأتيه الرجل بالكتاب لم يقرأه عليه ولم يُقرأ عليه فيقول له: أرويه عنك؟. قال: نعم”.

وعلق ابن عبد البر على هذا فقال: “هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه ويعرف ثقة صاحبه ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة، وفي معناها الإجازة إذا صحّ تناوله ذلك”. [جامع بيان العلم وفضله بتحقيق أبي الأشبال الزهيري: 2/ 1155].

وقال ابن عبد البر: “اختلف العلماء في الإجازة، فأجازها قوم وكرهها آخرون، وفيما ذكرنا في هذا الباب دليل على جوازها إذا كان الشيء الذي أجيز به معينا ومعلوما محفوظا مضبوطا وكان الذي تناوله عالما بطرق هذا الشأن، وإن لم يكن ذلك على ما وصفتُ لم يُؤمن أن يحدث الذي أجيز له عن الشيخ بما ليس من حديثه، وقد رأيت قوما وقعوا في مثل هذا، وما أظن الذين كرهوا الإجازة كرهوها إلا لهذا”. ثم قال: “وتلخيص هذا الباب أن الإجازة لا تجوز إلا لماهر بالصناعة حاذق بها يعرف كيف يتناولها وتكون في شيء معين معروف لا يشكل إسنادُه، فهذا هو الصحيح من القول في ذلك”. [جامع بيان العلم وفضله بتحقيق أبي الأشبال الزهيري: 2/ 1158، 1159].

قلت: رحم الله الإمامَ الحافظ ابن عبد البر رحمة واسعة.

* ـ قال الإمام الحافظ القاضي عياض المتوفى سنة 544 رحمه الله في كتابه الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع في بيان أنواع تلقي الحديث عن الشيخ:

“الضرب الثاني: القراءة على الشيخ، وسواء كنتَ أنت القارئَ أو غيرُك وأنت تسمع أو قرأتَ في كتاب أو من حفظ وكان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله، ولا خلاف أنها رواية صحيحة”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 70]. ومن قرأها “أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله” فقد وهِم.

قلت: أي لا بد لصحة القراءة على الشيخ من أن يكون الشيخ ممن يحفظ ما يُقرأ عليه أو يكونَ ممسكا بكتابه الذي سمع فيه من شيخه فيما إذا لم يكن يحفظ ما يُقرأ عليه، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك فإن القراءة عليه هباء لا يُعتد بها عند أهل العلم.

ثم قال: “الضرب الثالث: المناولة، وهي أيضا على أنواع: أرفعها أن يدفعَ الشيخ كتابه الذي رواه أو نسخةً منه وقد صححها فيقولَ للطالب هذه روايتي فاروها عني، أو يأتيَه الطالب بنسخة صحيحة من رواية الشيخ أو بجزء من حديثه فيقفَ عليه الشيخ ويعرفـَه ويحققَ جميعه وصحته ويجيزَه له، فهذا كله عند مالك وجماعة من العلماء بمنزلة السماع”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 79].

ثم قال: “مِن المناولة أن يعرض الشيخ كتابه ويناولَه الطالب ويأذنَ له في التحديث به عنه ثم يمسكـَه الشيخ عنده ولا يمكِّنَه منه، فهذه مناولة صحيحة أيضا تصح بها الرواية والعمل، لكن بعد وقوع كتاب الشيخ ذلك للطالب بعينه أو انتساخه نسخةً منه أو تصحيحِ كتابه متى أمكنه بكتابه أو بنسخة وثق بمقابلتها به”.  [الإلماع للقاضي عياض: ص 82 ـ 83].

ثم ذكر وجها من أوجه الإجازة المختلَف في صحتها وبيَّن صحته إذا تحقق فيه شرطان فقال: “الوجه الثاني: أن يجيز لمعيَّن على العموم والإبهام دون تخصيص ولا تعيين لكتب ولا أحاديث، كقوله قد أجزت لك جميع رواياتي أو ما صح عندك من رواياتي، فهذا الوجه هو الذي وقع فيه الخلاف تحقيقا، والصحيح جوازه وصحة الرواية والعملِ به بعد تصحيح شيئين: تعيين روايات الشيخ ومسموعاته وتحقيقها، وصحة مطابقة كتب الراوي لها”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 91 ـ 92].

قلت: قف عند قوله “وصحةِ مطابقة كتب الراوي لها”.

ثم روى القاضي عياض رحمه الله من طريق أبي ذر الهروي أنه قال: أخبرنا أبو العباس المالكي قال: “لمالكٍ شرط في الإجازة: أن يكون الفرع معارَضا بالأصل حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالما بما يجيز ثقة في دينه وروايته معروفا بالعلم، وأن يكون المُجاز من أهل العلم متسِما به حتى لا يضع العلم إلا عند أهله، وكان يكرهها لمن ليس من أهله”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 94 ـ 95].

[أبو العباس المالكي هو الوليد بن بكر بن مخلد الغمري، أندلسي سَرَقُسْطي ثقة مات سنة 392، قال عنه الحُميدي في جذوة المقتبس وابن عساكر في تاريخ دمشق: ألـَّف في تجويز الإجازة كتابا سماه كتاب الوجازة، وسمع منه عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ وأبو ذر عبد بن أحمد الهروي].

ثم قال: “أما الشرطان الأولان فواجبان على كل حال، في السماع والعرض والإجازة وسائر طرق النقل، إلا اشتراط العلم فمختلف فيه”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 95].

قلت: قف عند قوله “أن يكون الفرع معارَضا بالأصل حتى كأنه هو، وأن يكون المجيز عالما بما يجيز”، وعند قولِه “أما الشرطان الأولان فواجبان على كل حال في السماع والعرض والإجازة وسائر طرق النقل”.

ثم قال القاضي عياض: “الذي ذهب إليه أهل التحقيق من مشايخ الحديث وأئمة الأصوليين والنظار أنه يجب أن لا يحدث المحدثُ إلا بما حفظه في قلبه أو قيده في كتابه وصانه في خزانته، فيكون صونُه فيه كصونه في قلبه، حتى لا يدخله ريب ولا شك في أنه كما سمعه، وكذلك يأتي لو سمع كتابا وغاب عنه ثم وجده أو أعاره ورجع إليه وحقق أنه بخطه أو الكتابُ الذي سمع فيه بنفسه ولم يرْتبْ في حرف منه ولا في ضبط كلمة ولا وجد فيه تغييرا، فمتى كان بخلاف هذا أو دخله ريبٌ أو شكٌّ لم يجز له التحديث بذلك، إذ الكل مجمعون على أنه لا يحدث إلا بما حقق، وإذا ارتاب في شيء فقد حدَّث بما لم يحقق أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويُخشى أن يكون مغيرا فيدخلَ في وعيد من حدث عنه بالكذب وصار حديثه بالظن، والظن أكذب الحديث”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 135].

ثم قال: “إذا صح الخبر والرواية كما قدمنا بالعرض أو المناولة أو الإجازة لم تضرَّ المسامحة في القراءة، إذ هي شيء زائد على جواز ما تقدم إذا صحت المعارضة بالأصول والمقابلة بكتاب الشيخ”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 142].

ثم قال: “أما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بد منها، ولا يحل للمسلم التقي الروايةُ ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخةٍ تحققَ ووثِقَ بمقابلتها بالأصل وتكون مقابلته لذلك مع الثقة المأمون”. [الإلماع للقاضي عياض: ص 158 ـ 159].

أقول:

قول القاضي عياض رحمه الله في القراءة على الشيخ “وسواء كنتَ أنت القارئَ أو غيرُك وأنت تسمع أو قرأتَ في كتاب أو من حفظ وكان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه أو يمسك أصله ولا خلاف أنها رواية صحيحة”: يعني أن الشيخ إذا كان في حال القراءة عليه لا يحفظ ما يُقرأ عليه ولا يمسك أصله فالرواية عنه بهذه القراءة غير صحيحة، وهذا إذا كان هو أصلا قد أخذ الرواية عن شيخه من أصل مصحَّح أو فرع قوبل على ذلك الأصل، فإذا لم يكن عنده أصل مصحَّح أو فرع قوبل على ذلك الأصل فالرواية عنه غير صحيحة من باب أولى. فتنبه، رعاك المولى.

وتأملْ قوله “أما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لا بد منها ولا يحل للمسلم التقي الروايةُ ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخةٍ تحققَ ووثِقَ بمقابلتها بالأصل”.

وأقول: هذا هو الواجب على المسلم التقي في باب الرواية، وهو مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به، لأنه لا يحل للمسلم التقي الروايةُ ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخةٍ تحققَ ووثِقَ بمقابلتها بالأصل، فمن لم يكن يعلم ذا ولم يلتزم به في هذا الباب فعليه إصلاحُ ما تقدم منه وتداركُ ما فاته.

وأقول: رحم الله الإمامَ الحافظ عياض بن موسى رحمة واسعة.

* ـ قال الحافظ السِلَفي أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الأصبهاني المعمَّر المتوفى سنة 576 في كُتَيِّبه شرط القراءة على الشيوخ: “إما أن يكون الراوي عارفا بما يرويه عالما بالذي يؤديه أو غير عارف بذلك ولا عالم: فإن كان عالما وبحديثه عارفا فاستماعه إلى القارئ وإقراره بالمقروء عليه بقوله نعمْ أو ما في معناه مغْنٍ عما عداه، سواء كان القارئُ من أهل المعرفة بدقائق المحدثين أو لم يكن بها من العارفين أو قرأه من الأصل أو من الفرع المنسوخ منه، فإنه يعرف حديثه ويردُّ عليه الخطأ والتصحيف، وإن كان الراوي شيخا صحيح السماع إلا أنه لا يعرف حديثه فالاعتماد في روايته على المفيد عنه لا عليه، يقلده السامعون فيما يقرؤه وينتخبه بعد تيقنهم أنه ثقة عارف بحديث الشيخ، إلا أنه مع ذلك كله لا يستغني عن إعلام الشيخ حال القراءة أن الجزء عمن سمعه ومَن الذي به حدثه؟، وقراءتُه عليه من أصل سماعه أو من فرعه المنقول من الأصل المقابَل به: سيان، وكذلك قراءته عليه من الفرع المكتوب من الأصل قبل المقابلة وأحدُ الحفاظ المبرزين ينظر فيه ويضبط له حتى يصححه: بمثابة القراءة من الأصل أو الفرع المقابَل المصحَّح، إذ القصد من ذلك كله حصول السماع على وجه الصحة”. [شرط القراءة على الشيوخ: ص 43 ـ 46].

وقال في كتابه الوجيز في ذكر المُجاز والمجيز: “اعلمْ أن الإجازة جائزة عند فقهاء الشرع وعلماء الحديث، قرنًا فقرنًا وعصرا فعصرا إلى زماننا هذا”. [ص 53].

ثم قال: “في الإجازة كما لا يخفى دوامُ ما قد رُوي وصح من أثر، ويجب التعويل عليها والسكون أبدا إليها، من غير شك في صحتها، إذ أعلى الدرجات في ذلك السماعُ ثم المناولة ثم الإجازة، ولا يُتصور أن يبقى كل مصنَّف على وجه السماع المتصل ولا ينقطعَ منه شيء بموت الرواة وفقْد الحفاظ الوعاة، فيُحتاج عند وجود ذلك إلى استعمال سبب فيه بقاء التأليف، فالوصول إذًا إلى روايته بالإجازة فيه نفع عظيم، إذ المقصود به إحكام السنن المروية في الأحكام الشرعية وإحياء الآثار على أتم الإيثار، سواء كان بالسماع أو القراءة أو المناولة أو الإجازة، لكن الشرط فيه المبالغة في الضبط والإتقان، والتوقي من الزيادة والنقصان، وأنْ لا يُعول فيما يُروى عن الشيخ بالإجازة إلا على ما يُنقل من خط مَن يُوثق بنقله ويُعول على قوله“. [ص 54 ـ 55].

أقول:

قوله “لكن الشرط فيه المبالغة في الضبط والإتقان وأنْ لا يُعول فيما يُروى عن الشيخ بالإجازة إلا على ما يُنقل من خط مَن يُوثق بنقله” يعني أن مِن شرْط صحة الرواية بالإجازة المبالغةَ في الضبط والإتقان في الجزء أو الكتاب الذي يجيز الشيخ للطالب أن يرويه عنه.

وهذا يقتضي أن يكون هناك من ذلك الجزء الحديثي أو الكتاب الذي يريد الشيخ أن يجيز للطالب روايته عنه نسخةٌ مسموعة مضبوطة متقنة متداوَلة بأيدي الشيوخ فيستعيضَ الشيخ عن القراءة بأن يجيز الطالبَ رواية ذلك الجزء أو الكتاب عنه.

ولو كان المراد غير هذا لكان اشتراطُ أن يكون السماع في القراءة على الشيخ من أصل النسخة المقروءة أو من فرع قوبل على ذلك الأصل وإباحةُ الإجازة دون مثل ذلك الاشتراط نوعا من العبث، فتدبر.

* ـ ذكر الإمام الحافظ محمد بنُ عبدِ الغني ابنُ نقطة البغدادي الحنبلي المتوفى سنة 629 رحمه الله أحدَ الرواة في كتابه التقييد وقال عنه: “رحل إلى نيسابور، وسمع من القاضي أبي بكر أحمد بن الحسن الحيري، وكان سماعه منه صحيحا، غير أنه أفسد نفسه بكونه يتساهل بالتحديث من غير أصل“. [التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد: ص 53 ـ 54].

قلت: فالشيخ الذي يحدث الناس من غير أصل ـ أي من غير نسخة متلقاة بالسماع أو من نسخة منقولة عنها ومقابَلة بها من ثقة عارف ـ فقد أفسد نفسه وأفسد الغرض الذي اجتمع لأجْله من يقرؤون عليه.

* ـ قال الإمام الفقيه عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح الشهرزوري المتوفى سنة 643 في كتابه معرفة أنواع علوم الحديث في النوع الثالث والعشرين وهو معرفة صفة من تُقبل روايته ومن تُرد روايته: “لا تُقبل رواية من عُرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه، كمن يحدث لا من أصل مقابَل صحيح، وهذا يخرم الثقة بالراوي وبضبطه”. [ص 119].

ثم قال: “أعرض الناسُ في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بيَّنَّا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، فلْيُعتبرْ من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض، ولْيُكتفَ في أهلية الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخطِّ غير متهَم، وبروايته من أصلٍ موافِقٍ لأصل شيخه“. [ص 120].

ثم قال: “المناولة المقرونة بالإجازة لها صور: منها: أن يدفعَ الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعا مقابَلا به ويقولَ هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني أو أجزت لك روايته عني ثم يملكَه إياه أو يقولَ خذه وانسخه وقابلْ به ثم ردَّه إلي أو نحوُ هذا، ومنها: أن يجيءَ الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضَه عليه فيتأملَه الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيدَه إليه ويقولَ له وقفتُ على ما فيه وهو حديثي عن فلان أو روايتي عن شيوخي فاروه عني أو أجزت لك روايته عني، ومنها: أن يناول الشيخُ الطالبَ كتابه ويجيزَ له روايته عنه ثم يمسكَه الشيخ عنده ولا يمكِّنَه منه، فهذا يتقاعد عما سبق، لعدمِ احتواء الطالب على ما تحمَّله وغيبتِه عنه، وجائز له رواية ذلك عنه إذا ظفر بالكتاب أو بما هو مقابَل به على وجهٍ يثق معه بموافقته لِما تناولتْه الإجازة على ما هو معتبر في الإجازات المجردة عن المناولة، ومنها: أن يأتيَ الطالبُ الشيخَ بكتاب أو جزء فيقولَ هذا روايتك فناولنيه وأجز لي روايته فيجيبَه إلى ذلك من غير أن ينظر فيه ويتحققَ روايته لجميعه، فهذا لا يجوز ولا يصح، فإن كان الطالب موثوقا بخبره ومعرفته جاز الاعتماد عليه في ذلك وكان ذلك إجازة جائزة، كما جاز في القراءة على الشيخ الاعتمادُ على الطالب حتى يكون هو القارئَ من الأصل إذا كان موثوقا به معرفة ودينا”. [ص 165 ـ 166].

قوله “إذا ظفر بالكتاب” أي إذا ظفر بكتاب الشيخ، أي نسخة الشيخ، كما هو ظاهر.

* ـ قال الحافظ عبدُ الرحمن بنُ أحمدَ ابنُ رجب البغدادي الدمشقي الحنبلي المتوفى سنة 795 رحمه الله في كتابه شرح العلل: [اشترط الترمذي لصحة العرض على العالم أن يكونَ العالم حافظا لما يُعرض عليه أو يمسكَ أصله بيده عند العرض عليه إذا لم يكن حافظا، ومفهوم كلامه أنه إذا لم يكن المعروض عليه حافظا ولا أمسك أصله أنه لا تجوز الرواية عنه بذلك العرض، ورخـَّص طائفة في التحديث من الكتاب لمن لا يحفظ، وهذا إذا كان الخط معروفا موثوقا به والكتاب محفوظا عنده]. [شرح علل الترمذي لابن رجب: 509 ـ 512].

أقول: رحم الله ابن رجب رحمة واسعة.

* ـ هذا وقد ضعَّف الأئمة المحدثون عددا من الرواة بسبب روايتهم عن شيوخهم من نسخ غيرِ مقابَلة على الأصل، ومن أمثلة ذلك:

قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل: ذكرَ أبِي محمدَ بنَ كثير المصيصي فضعَّفه جدا وقال: “سمع من معْمر باليمن، ثم بعث إلى اليمن فأخذها فرواها”. وقال: “هو منكر الحديث”. [العلل ومعرفة الرجال لابن حنبل رواية ولده عبد الله: 3/ 251]. ونقله عنه مع الإقرار: البخاريُّ في التاريخ الكبير والترمذي في العلل الكبير.

وقال ابن حبان في كتاب المجروحين: “عمر بن حفص أبو حفص العبدي كان ممن يشتري الكتب ويحدث بها من غير سماع، قال يحيى بن معين: أبو حفص العبدي ليس بشيء”. [كتاب المجروحين لابن حبان: 12/ 55 ـ 56].

وانظر ـ على سبيل المثال ـ ما قالوه في إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس وعبد الله بن لهيعة وهشام بن عمار والوليد بن محمد المُوَقـَّري.

* ـ قد يقول قائل: هل لعدم تحقق ذلك الشرط المعتبر عند أهل الحديث أي أثر في نقل الأحاديث النبوية؟!.

أقول: نعم، لأننا إذا نقلنا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم من نسخة مشتراة من السوق اعتمادا على الرواية بالإجازة التي لم يتحقق فيها الشرط المعتبر عند أهل الحديث وكان في تلك النسخة خلل ما لأنها غيرُ نسخة الشيخ وليست مقابَلة على نسخته: فنكون قد عرَّضنا أنفسنا للدخول تحت قوله صلى الله عليه وسلم “مَن كذب عليَّ”، وكذلك فيما إذا كان ذلك الشيخ قد روى عن شيخه بمثل ذلك، وكذا شيخه عن شيخ شيخه، وهلم جرا.

* ـ فإن قيل: كيف يتحقق الاتصال في أسانيد الأحاديث والروايات اليوم إذا لم نجد اتصال الرواية بالقراءةِ على الشيوخ أو الإجازةِ بالشرط المعتبر عند علماء الحديث؟.

قلت: اتصال الأسانيد اليوم هو بالاعتماد على الوجادة بشروطها، وذلك بما نجد من النسخ المخطوطة التي كتبها العلماء والوراقون الثقات الذين عُرفت خطوطهم وأثبت فيها الكاتب إسناده بالنسخة إلى المؤلف، مع التثبت من خط كاتب النسخة وصحة ذلك الإسناد.

وإذا لم يكن من المتيسر لكل طالب علم أن يراجع بنفسه المخطوطات فلا بد من الاعتماد على من رجع إليها وقابل نص الكتاب بالنسخ الموثقة إذا كان ثقة مأمونا.

وهذا هو الطريق الصحيح للرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في العصور التي انقطعت فيها القراءة على الشيوخ بشرطها المعتبر عند أهل الحديث، وكذا الإجازة بالشرط المعتبر كذلك، وليس طريقَ القراءة والإجازة اللتين يعتمد عليهما كثير من طلاب العلم اليوم.

ومن آفات ذلك أن يقال عمن جمع شيئا من تلك الإجازات “العالم المسنِد”، أو “المحدِّث”!، وكذا أن يقال لمن يجيز غيره بمثل تلك الإجازات “المحدِّث المجيز”، ولمن يُجاز بها “المُجاز برواية الحديث”!.

وقد حصل هذا في غفلة عن الشروط المعتبرة عند أهل العلم المحققين، والمهزلةُ التي نشهدها اليوم ماثلة للعيان!.

* ـ من الممكن أن يُستأنس للوجادة بما رواه ابن عرفة في جزئه [19] واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة [5/ 995] والبيهقي في دلائل النبوة [6/ 538] والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث وقوام السنة في الترغيب والترهيب، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟”. قالوا: الملائكة. قال: “وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم عز وجل؟!”. قالوا: فالنبيون؟!. قال: “وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟!”. قالوا: فنحن؟!. قال: “وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟!، ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقومٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتب يؤمنون بما فيها”.

إسناده ضعيف، وله شواهد عن عدد من الصحابة بين ضعيف وتالف، تحتمِل بمجموعها أن ترتقي لمرتبة الحديث الحسن، والله أعلم.

ـ أسأل الله تعالى أن يبصِّرنا بحقائق ديننا، وبمنهج أئمتنا السابقين ومن سار على طريقهم، بلطفه ومنه وكرمه.

ـ وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 29/ 8/ 1441، الموافق 22/ 4/ 2020، والحمد لله رب العالمين.