مقدمة الكتاب

مقدمة كتاب “عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار”  172 عقائد الأشاعرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله سيدنا محمد بن عبد الله، إمام النبيين، وخاتم المرسلين، وعلى آله وأصحابه وإخوانه إلى يوم الدين.

وبعد، فهذه “وقفات مع الباحث الثاني حول عقائد الأشاعرة في حوار هادئ”، أكتبها لإيضاح ما التبس على بعض الناس في بعض مسائل الاعتقاد، سائلا المولى جل جلاله أن ينفع بها، وينفعني بأجرها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلب سليم.

الباحث الأول والباحث الثاني:

كان أحد الباحثين قد كتب بحثا في عقائد الأشاعرة نسب فيه إليهم كلاما بعيدا كلَّ البعد عما يقولونه، وكان بحثه مجانبا للروح العلمية والمنهج العلمي، مشتملا على كثير من الأخطاء، فكتبتُ كتابا بينت بعض ما وقع فيه ذلك الباحث الأول وفقه الله من المجانبة للصواب، وسميته “عقائد الأشاعرة في حوار هادئ مع شبهات المناوئين”.

ولا يخفى أن التبيين واجب شرعي، لأن ذلك الباحث نسب لجماعة من علماء المسلمين أقوالا لم يقولوا بها وأخطأ في فهم بعض ما قالوه، فأدى ذلك إلى نسبتهم إلى الضلال والابتداع والحكم عليهم بأنهم من أهل النار! وحرمةُ المؤمن أعظم عند الله تعالى من حرمة الكعبة، فلا يجوز السكوت.

هذا وقد روى الحميدي وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وابن ماجه وابن حبان والطبراني في الكبير من طرق عن زياد بن علاقة أنه قال: سمعت أسامة بن شريك قال: شهدت الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علينا جُناح في كذا في كذا؟ فقال: “عبادَ الله، وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئا فذلك الذي حَرِج وهلك”. [زياد بن علاقة ثقة مات سنة 135 عن مئة عام. أسامة بن شريك صحابي]. فالسند صحيح.

قال ابن قتيبة في تفسير الحديث: أراد أن الله عز وجل قد وضع عنكم الضيق في الدين وفسح لكم، فلا حرج إلا فيما تنالون من أعراض المسلمين. وقال ابن الأثير: أي نال منه وقطعه بالغيبة، وهو افتعال من القَرْض أي القطع.

وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن مسعر بن كدام عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه قال: وقع رجل في رجل، فرد عليه آخَرُ، فقالت أم الدرداء: “لقد غبطتك، إنه من ذب عن عرض أخيه وقاه الله لفح النار”. والسند صحيح. وأم الدرداء هُجيمة زوجة الصحابي أبي الدرداء وهي فقيهة من ثقات التابعين، فرحمها الله رحمة واسعة.

وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن ابن لأبي الدرداء أن رجلا وقع في رجل فرد عنه آخَر، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من ذبَّ عن عرض أخيه كان له حجابا من النار”. [ابن أبي ليلى ضعيف].

ثم وقف أحد الإخوة على ما سطَّره باحث ثان في هذا الموضوع، ينتصر فيه للباحث الأول، فأرسلَه لي وسألني أن أعلق عليه، وهأنذا أجيبه بهذا الإيضاح، تبرئة للذمة، وقياما بواجب النصح للأمة، معلقا على بعض كلام الباحث الثاني وفقه الله في هذه الوقفات، وفيها غنية للفطن اللبيب إن شاء الله.

الحوار والمناظرة:

قبل الدخول في هذه الوقفات فإنني أرى أن المباحثات العلمية إذا أخلص الباحث فيها نيته وتحلى بالإنصاف هي أمر طيب، وفيها فائدة كبيرة لمن يقرأ كلام الفرقاء بهدوء وعمق وإنصاف.

وهذه المباحثات العلمية نوع من المناظرة، وقد بين الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين ما قد يقع في كثير منها من آفات، فأقتبسُ من بعض مقاصد كلامه رحمه الله فأقول: ينبغي أن يكون الغرض من المناظرة المباحثةَ لإظهار الحق، فإن الحق مطلوب، والتعاونَ على النظر في العلم وتواردِ الخواطر بغية الوصول للحق مفيد، وهو من الدين، ولكن ينبغي أن يكون المناظِر مجتهدا لا مقلدا، بحيث إذا ظهر له الحق تركَ ما كان يعتقده وانتقل إلى ما ظهر له رجحانُه، فأما المقلد الذي ليس له رتبة الاجتهاد فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه، وكلما لاح له ما يوافق مذهب غيره يقول لعل عند أصحاب مذهبنا جوابا عن هذا، فأي فائدة لمثل هذا في المناظرة ؟!!، كما ينبغي أن يكون المناظِر في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرِّق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى من يناظره رفيقَ دربه ومعينا له للوصول إلى الضالة المنشودة، لا خصما، بل يشكره إذا عرَّفه وجه الخطأ وأظهر له الصواب، كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبَّهه صاحبه على أنها في طريق آخر، فإنه يشكره ولا يذمه، بل يكرمه ويفرح به.

وما أجمل قوله “ينبغي أن يكون المناظِر مجتهدا لا مقلدا، بحيث إذا ظهر له الحق ترك ما كان يعتقده وانتقل إلى ما ظهر له رجحانه، فأما المقلد الذي ليس له رتبة الاجتهاد فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه، وكلما لاح له ما يوافق مذهب غيره يقول لعل عند أصحاب مذهبنا جوابا عن هذا”. فرحمه الله رحمة واسعة.

وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد: “وأما اتباع العقل الصِرف فلا يقـْوَى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقاً وقوَّاهم على اتباعه، وإن أردتَ أن تجرب هذا في الاعتقادات فأوردْ على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلتَ له إنه مذهب الأشعري لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذباً بعين ما صدق به مهما كان سيئ الظن بالأشعري، إذ كان قَبُحَ في نفسه ذلك منذ الصِبا، وكذلك تقررُ أمراً معقولاً عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود إلى التكذيب، ولست أقول هذا طبْع العوام! بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم!، فإنهم لم يفارقوا العوامَّ في أصل التقليد، بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل، فهم ـ في نظرهم ـ لا يطلبون الحق، بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقاً بالسماع والتقليد، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد اعتقادهم قالوا قد ظفرنا بالدليل، وإن ظهر لهم ما يضعِّف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة، فيضعون الاعتقاد المُتَلَقـَّف بالتقليد أصلاً، وينبزون بالشبهة كلَّ ما يخالفه وبالدليل كلَّ ما يوافقه، وإنما الحق ضده!، وهو أن لا يعتقد شيئاً أصلاً وينظرَ إلى الدليل ويسمي مقتضاه حقاً ونقيضه باطلاً، وكل ذلك منشؤه الاستحسان والاستقباح بتقدم الإلف والتخلق بأخلاقٍ منذ الصبا”.

وقال ابن تيمية رحمه الله: “فمن صار إلى قولٍ مقلدا لقائله لم يكن له أن ينكر على من صار إلى القول الآخر مقلدا لقائله، لكن إن كان مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية إذا ظهرتْ، ولا يجوز لأحد أن يرجح قولا على قول بغير دليل، ولا يتعصبَ لقول على قول ولا لقائل على قائل بغير حجة، بل من كان مقلدا لزِمَ حكمَ التقليد فلم يرجِّحْ ولم يزيِّفْ ولم يصوِّبْ ولم يخطِّئْ، ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سُمع ذلك منه، فقـُبل ما تبين أنه حق، ورُدَّ ما تبين أنه باطل، وتُوُقـِّف فيما لم يتبين فيه أحد الأمرين”. [دقائق التفسير: 2/ 24. الفتاوى الكبرى: 1/ 175]. وقال رحمه الله “فإن التقليد لا يورث الجزم”. [منهاج السنة النبوية: 5/ 196].

وقال رحمه الله: “ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة، لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد، فإن هذا فعْل أهل الجهل والأهواء”. [دقائق التفسير: 2/ 13. الفتاوى الكبرى: 1/ 160]. فرحمه الله رحمة واسعة.

فإن قال قائل هذا في الأحكام الفقهية فأقول: وهو في العقائد من باب أولى، لأن من زلقت قدمه فيها فالخطر أعظم، وقُصاراه في الفقه أن يقول أخطأ فلان، وأهون شيء عنده في العقيدة أن يقول فلان مبتدع ضال من أهل النار!!. {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم}.

ولا بد في هذه المقدمة من الإشارة لحال بعض الناس، ترى أحدهم مقلدا في العقيدة، بعيدا عن الخوض في الأدلة، ومع ذلك يقحم نفسه في مضمار ليس هو من أهله، فيرجِّح ويزيِّف، ويصوِّب ويخَطِّئ، وقد يصل الحال ببعضهم إلى نصرة القول المرجوح وكتمان الحق البيِّن وغمْط الناس واتهام الآخَرين بما هم منه بريؤون، ظنا منه بأنه يرجو أجر ذلك وثوابه في مجابهة هؤلاء المبتدعة بزعمه!!، لأن الذي يقلده في ظنه هو صاحبُ الحق المطلق، ولا يدري أن الأمر في غاية الخطورة، فإن التقليد ليس من العلم، وغير العالم لا شأن له فيما ليس له به علم. {أتقولون على الله ما لا تعلمون}.

وصدق الله العظيم وهو القائل في محكم كتابه المبين “بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه”.

فمن رمى أخاه المسلم بالكفر أو الابتداع ولا حجة له به سوى أن قلد مَن سبقه فحجته داحضة عند ربه.

ومن المعلوم ما رواه البخاري في صحيحه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال “أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما”، وأنه قال “لا يرمي رجل رجلاً بالفسـوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كـذلك”.

فالمسلم الذي يرمي أخاه المسلم بالكفر أو الفسوق أو الابتداع عليه أن يتقي الله تعالى ويحتاط لدينه، فإن تلك الكلمة تنطلق إلى من قيلت فيه فإن كان كذلك فقد التقى الوصف بالموصوف، لكن إن لم يكن كذلك فإنها ترجع إلى القائل، إذ يكون بافترائه أحق بها. والمراد من رجوع كلمة الكفر على القائل أي إذا لم يكن القائل متأوِّلاً، فإذا كان له تأويل بحيث لم يكن رميه لذلك المسلم بالكفر من باب تسمية الإيمان كفراً فلا يكون كافراً خارجاً من الملة، لكن عليه بها إثم عظيم.

وربما وردتْ كلمات في كلام بعض المنتسبين للعلم لا يليق بطالب العلم أن يلوث قلمه بها، لأنها من السباب، والترفعُ عن مثلها أليق بمن وفقه الله تعالى لحمل أمانة العلم، ومن المعلوم أن سباب المسلم فسوق، كما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا أوان الشروع في المقصود، مستعينا بالله تعالى، سائلا وضارعا أن يلهمني الصواب والسداد، وأن يوفقني لما فيه سبل الهدى والرشاد، فأقول:

قسمت الكلام في هذه الوقفات إلى فصلين: الفصل الأول في الكلام على رسالة الرد على من أنكر الحرف والصوت، والفصل الثاني في التعليق على ملحوظات الباحث الثاني وفقه الله.

* أقول: تلك كانت مقدمةَ كتاب “عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار”، فمن أراد قراءة هذا الكتاب فقد تمت طباعته في 1422/ 2012 وسماه الناشر “عقائد الأشاعرة وجولة جديدة من الحوار”.

وفقنا الله لما يحب ويرضى من القول والعمل في عافية، وأكرمنا بالقبول والعفو والستر، بمنه وكرمه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.