حديث المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد

حديث “أليس قد مكث هذا بعده سنة وأدرك رمضانَ فصامه؟! فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض”

رُوي هذا الحديث من رواية طلحة بن عبيد الله وأبي هريرة وعبيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص مع ناس من الصحابة:

ـ فأما حديث طلحة فرواه ابن حنبل وابن ماجه والطحاوي في مشكل الآثار وابن حبان والبيهقي من طرق عن يزيد ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، وكان أحدهما أشد اجتهادا من صاحبه، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة فأذن للذي تُوفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي ارجع فإنه لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: “مِن أي ذلك تعجبون؟”. قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادا ثم استشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنة قبله؟!. فقال: “أليس قد مكث هذا بعده سنة؟!”. قالوا: بلى. قال: “وأدرك رمضانَ فصامه؟”. قالوا: بلى. قال: “وصلى كذا وكذا سجدة في السنة؟”. قالوا: بلى. قال رسول الله: “فَلَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض”.

[يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ثقة مات سنة 139. محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ثقة فيه لين مات سنة 120. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة ولد سنة 22 أو بعدها ومات سنة 94 أو بعدها]. أبو سلمة لم يسمع من طلحة، فالسند منقطع، فهو ضعيف.

ـ ورواه ابن حنبل والبيهقي في الزهد عن يزيد بن هارون، وأبو يعلى ـ كما ذكر البوصيري ـ والشاشي من طريق إسماعيل بن جعفر، كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن طلحة به نحوه.

ـ وله طريق آخر عن طلحة رواه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله. [سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله ضعيف. أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بيض له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. سليمان بن عيسى بن موسى لم أجد له ترجمة. موسى بن طلحة بن عبيد الله مدني نزل الكوفة ثقة مات سنة 104]. فهذا إسناد تالف.

ـ وله طريق آخر عن طلحة رواه مسدد ـ كما قال البوصيري ـ عن عبد الله بن داود، والبزارُ وأبو يعلى من طريقين آخرين عن عبد الله بن داود، عن طلحة بن يحيى عن إبراهيم مولى لنا عن عبد الله بن شداد عن طلحة بن عبيد الله به نحوه. [عبد الله بن داود بن عامر الخُريبي ثقة مات سنة 213. طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله مدني نزيل الكوفة صدوق فيه لين، ولد سنة 61 ومات سنة 148. مولاهم إبراهيم مجهول. عبد الله بن شداد مدني تابعي ثقة ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومات سنة 82]. فهذا الطريق شديد الضعف.

فإن قيل: رواه ابن حنبل وابن أبي شيبة في المسند ـ كما قال البوصيري ـ عن وكيع عن طلحة بن يحيى عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن شداد، أن نفرا من بني عذرة ثلاثة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. فذكر القصة بنحوها، وفيه: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا فخرج فيه أحدهم فاستُشهد، ثم بعث بعثا فخرج فيه آخر فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استُشهد أخيرا يليه، ورأيت الذي استُشهد أولهم آخرهم، فدخلني من ذلك، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: “وما أنكرت من ذلك؟!، ليس أحد أفضلَ عند الله من مؤمن يُعمر في الإسلام، لتسبيحه وتكبيره وتهليله”.

[إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله مدني صدوق ثقة، ولد سنة 36 ومات سنة 110].

فالجواب أننا نجد هنا أن طلحة بن يحيى وهو صدوق فيه لين روى هذا الحديث مرة عن ابن عمه الثقة إبراهيم بن محمد، ورواه مرة أخرى عن إبراهيم مولى لهم، فالرواية التي سمى فيها شيخَه بإبراهيم بن محمد وقع فيها الشك، فهي معلولة، فيبقى السند هنا شديد الضعف.

ـ وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن حنبل وابن أبي شيبة في المسند والبزار من طريق محمد بن بشر وزياد بن عبد الله، كلاهما عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.

ورواه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة به مرسلا.

محمد بن عمرو بن علقمة مدني صدوق فيه لين، وروايته عن أبي سلمة هنا ضعيفة لاضطرابه فيها، فقد تقدم أنه روى هذا الحديث عن أبي سلمة عن طلحة موافقا لما رواه الراوي الثقة محمد بن إبراهيم التيمي، ثم رواه مرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة ومرة عن أبي سلمة مرسلا.

ـ وأما حديث عبيد بن خالد فرواه الطحاوي في مشكل الآثار والبيهقي وأبو داود في السنن من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن رُبَيِّعة السلمي عن عبيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين، فقـُتل أحدهما في سبيل الله، ثم مات الآخر، فصلوا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما قلتم؟!. قالوا: دعونا الله عز وجل أن يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فأين صلاته بعد صلاته وعمله بعد عمله وصيامه بعد صيامه؟!، لَمَا بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض”.

[عمرو بن مرة كوفي ثقة مات سنة 118. عمرو بن ميمون الأودي كوفي ثقة مات سنة 74. عبد الله بن رُبيِّعة السلمي ذكره ابن حبان في الثقات في طبقة الصحابة وقال له صحبة، ثم أعاده في طبقة التابعين، ثم ذكر في طبقة التابعين عبد الله بن ربيعة الراوي عن عبيد بن خالد ولم يقل فيه السلمي، وهذا يعني أنه جازم بأن الراوي عن عبيد بن خالد ليست له صحبة. عبيد بن خالد قال البخاري له صحبة]. عبد الله بن رُبَيعة لم أجد فيه سوى أن ذكره ابن حبان في الثقات، فهذا السند لين.

ـ وأما حديث سعد وناس من الصحابة فرواه ابن حنبل وابن خزيمة من طريق عبد الله بن وهب عن مخرمة عن أبيه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعت سعدا وناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كان رجلان أخوان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفي الذي هو أفضلهما، ثم عُمر الآخر بعده أربعين ليلة، ثم توفي، فذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الأول على الآخر، فقال: ” ألم يكن يصلي؟ ” فقالوا: بلى يا رسول الله فكان لا بأس به. فقال: ” ما يدريكم ماذا بلغت به صلاته؟!”. ثم قال عند ذلك: “إنما مثل الصلاة كمثل نهر جار بباب رجل غمْرٍ عذبٍ يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، فماذا ترون يبقِي ذلك من درنه؟!”. وذكره مالك في الموطأ أنه بلغه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به.

[عبد الله بن وهب مصري ثقة ولد سنة 125 ومات سنة 197. مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج مدني صدوق، لم يسمع من أبيه وروايته عنه من كتاب، ففيها لين، ومات سنة 159. أبوه مدني نزيل مصر مات سنة 122. عامر بن سعد بن أبي وقاص مدني ثقة مات سنة 104].

مخرمة بن بكير وثقه ابن سعد وعلي بن المديني وأحمد بن صالح المصري، وقال النسائي ليس به بأس، وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به، وسمع ابن حنبل حمادَ بنَ خالد الخياط وهو ثقة يقول: أخرج مخرمة بن بكير كتبا وقال هذه كتب أبي لم أسمع من أبي شيئا. وقال ابن حنبل: ثقة إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئا. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يُحتج بروايته من غير روايته عن أبيه، لأنه لم يسمع من أبيه ما يروي عنه. وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وحديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمعه منه.

والتوقف فيما روى مخرمة عن أبيه ليس للشك في صدق مخرمة، وإنما خشية أن يكون قد دخل شخص ما فزاد في كتب أبيه ما ليس منها، فهذا السند لين.

ـ خلاصة الأمر أن أسانيد هذا الحديث هي ما بين لين وضعيف وتالف وشديد الضعف، والحديث لا يرتقي بمجموع هذه الطرق لأنه شاذ.

ووجه شذوذه مخالفته للآيات القرآنية الكريمة في تفضيل المجاهدين على القاعدين:

قال الله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، درجات منه ومغفرة ورحمة، وكان الله غفورا رحيما}.

وقال تعالى {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا، إن الله عنده أجر عظيم}.

فقد أخبرنا الله تعالى بأن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وبأنه فضَّل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، وهذه الرواية تفضل من لم يجاهد وعاش زيادة سنة وصلى وصام رمضان!، تفضله على المجاهد الشهيد الأشدِّ اجتهادا من صاحبه الذي عاش بعده!!.

فلا شك في أن هذه الرواية ـ مع ضعف أسانيدها ـ منكرة المتن، والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.