أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضَها؟

 

أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضَها؟

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله إمام النبيين وخاتم المرسلين، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

* ـ يرى بعض الإخوة أن كل من انتقد بعض الروايات التي في الصحيحين أو أحدهما فقوله مردود عليه ولا كرامة!.

أقول: هذا تسرع غير مرْضي، وإليك بعضَ البيان:

* ـ روى مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة.

علق ابن عبد البر في كتاب التمهيد بعد أن ذكر رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعددا من الروايات في أن النبي صلى الله عليه وسلم تُوفي وهو ابن ثلاث وستين فقال: “المنفرد أولى بإضافة الوهَم إليه من الجماعة، وأما من طريق الإسناد فحديث ربيعة أحسن إسنادا في ظاهره إلا أنه قد بان من باطنه ما يضعِّفه، وذلك مخالفة أكثر الحفاظ له”.

وأشار ابن حجر في فتح الباري إلى تلك الروايات التي ذكرت القولين السابقين ونقل عن الإمام أبي بكر الإسماعيلي أنه قال: “لا بد أن يكون الصحيح أحدَهما”. [الإسماعيلي هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه المعمر شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني المتوفى سنة 371 صاحب المستخرج على صحيح البخاري].

* ـ قال الإمام الدارقطني في كتاب التتبع: [أخرج مسلم عن ابن نمير عن أبي أسامة عن حبيب بن الشهيد عن عطاء عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “في كل صلاة قراءة”. فما أسمعَناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسمعْناكم. وهذا لم يرفع أولَه إلا أبو أسامة، خالفه يحيى القطان وسعيد بن أبي عروبة وأبو عبيدة الحداد وغيرهم، رووه عن حبيب بن الشهيد عن عطاء عن أبي هريرة أنه قال: في كل صلاة قراءة، فما أسمعَناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسمعْناكم. جعلوا أول الحديث من قول أبي هريرة، وهو الصواب].

[الإمام الدارقطني ـ لمن لا يعرفه ـ هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني البغدادي المتوفى سنة 385: قال فيه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: “كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة”. ووصفه القاضي أبو الطيب الطبري بقوله: “كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث”. ووصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بقوله: “الإمام الحافظ المجود، شيخ الإسلام، علم الجهابذة”].

* ـ وقال الإمام الدارقطني في كتاب التتبع: [أخرج مسلم حديث ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبيه عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الساعة المُستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة أنه قال: “ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاة”. وهذا الحديث لم يسنده غير مخرمة بن بكير عن أبيه عن أبي بردة، وقد رواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يسنده، والصواب: من قول أبي بردة”].

* ـ روى البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن حُميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ثمر التمر حتى يزهو، فقلنا لأنس: ما زهوها؟. قال: تحمر وتصفر، أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك؟!.

وروى البخاري ومسلم من طريق مالك ـ وهو في الموطأ ـ عن حُميد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل له: وما تزهي؟. قال: حتى تحمر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أرأيت إذا منع الله الثمرة، بمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟!”.

وروى مسلم عن محمد بن عباد عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن لم يثمرها الله فبم يستحل أحدكم مال أخيه ؟!”.

وعلق الدارقطني في التتبع على هذه الروايات فقال: [أخرجا جميعا حديث مالك عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟. قال: حتى تحمر. قال صلى الله عليه وسلم: “أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟!”. وقد خالف مالكا جماعة، منهم إسماعيل بن جعفر وابن المبارك وهشيم ومروان ويزيد بن هارون وغيرهم، قالوا فيه: قال أنس: أرأيت إن منع الله الثمرة. وأخرجا أيضا حديث إسماعيل بن حعفر عن حميد، وقد فصل كلام أنس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج مسلم عن ابن عباد عن الدراوردي عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن لم يثمرها الله فبم يستحل مال أخيه؟!”. وهذا وهِم فيه ابن عباد على الدراوردي عن حميد حين سمعه ابن عباد منه، لأن إبراهيم بن حمزة رواه عن الدراوردي عن حميد عن أنس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى تزهو. قلنا لأنس: وما تزهو؟. قال: تحمر، أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يستحل مال أخيه؟!. وهو الصواب، فأما ابن عباد فإنه أسقط كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأتى بكلام أنس ورفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا خطأ].

وما قاله أنس في هذا الحديث هو مما اقتبسه من النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر، وهو ما رواه مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو بعتَ من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟!”. وصرح ابن جريج في بعض طرقه بالإخبار.

* ـ روى مسلم في صحيحه من طريق أبي عوانة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذ قال {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} فقولوا آمين، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا”. ثم رواه من طريق سليمان التيمي عن قتادة به بزيادة “وإذا قرأ فأنصتوا”، ودافع عن صحة هذه الزيادة وقال: تريد أحفظ من سليمان؟!.

ولم يمنع تصحيحُ مسلم لهذه الزيادة عددا من أئمة المحدثين من تضعيفها، فقد قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: [اعلم أن هذه الزيادة وهي قوله “وإذا قرأ فأنصتوا” مما اختلف الحفاظ في صحته، فروى البيهقي في السنن الكبير عن أبي داود السجستاني أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، وكذلك رواه عن يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني والحافظ أبي علي النيسابوري شيخِ الحاكم أبي عبد الله، قال البيهقي: قال أبو علي الحافظ: هذه اللفظة غير محفوظة، قد خالف سليمانَ التيميَّ فيها جميعُ أصحاب قتادة]. ثم قال النووي: واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم.

[الحافظ أبو علي النيسابوري شيخ أبي عبد الله الحاكم هو الحسين بن علي بن يزيد، ولد سنة 277 ومات سنة 349، قال فيه الحاكم: هو واحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة والتصنيف. وقال الخطيب البغدادي وابن الجوزي وابن نقطة في التقييد: كان واحد عصره في الحفظ والإتقان والورع، مقدما في مذاكرة الأئمة، كثير التصنيف. وأثنى عليه ابن عساكر وابن الصلاح في طبقات الفقهاء الشافعية وابن العديم في بغية الطلب والذهبي في تاريخ الإسلام وتذكرة الحفاظ، وقال عنه في سير أعلام النبلاء: الحافظ الإمام العلامة الثبت أحد النقاد].

* ـ روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الأعلى عن داود بن أبي هند عن عامر بن شراحيل الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قال: “أتاني داعي الجن فذهبتُ معه فقرأت عليهم القرآن”. قال ابن مسعود: فانطلقَ بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال “لكم كل عظم ذكِر اسم الله عليه يقع فى أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم”.

ثم رواه من طريق عبد الله بن إدريس عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى قوله “وآثار نيرانهم”. قال مسلم: ولم يذكر ما بعده.

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: [قال الدارقطني: انتهى حديث ابن مسعود عند قوله “فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم”، وما بعده: من قول الشعبي، كذا رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي: ابنُ علية وابنُ زريع وابنُ أبي زائدة وابنُ إدريس وغيرهم. هكذا قاله الدارقطني وغيره].

* ـ روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل”.

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: “هذا الإسناد والحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وزعم أنه معلل بأن جماعة رووه هكذا مرفوعا وجماعة رووه موقوفا”. وقال الدارقطني في كتاب العلل عن هذا الحديث: “الأشبه بالصواب الموقوف“.

وهذا مما لم يوافق النوويُّ الدارقطنيَّ في إعلاله، لكن ليس المهم في هذا البحث الموافقة على الإعلال أو عدم الموافقة، إنما المهم الآن هو أن الدارقطني يعل هذا الحديث.

* ـ روى مسلم في صحيحه عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن العلاء بن خالد الكاهلي عن شقيق أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يُؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها”.

سئل الدارقطني في كتاب العلل عن هذا الحديث فقال: يرويه العلاء بن خالد عن أبي وائل، واختُلف عنه، فرفعه عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن العلاء، ووقفه غيره، والموقوف أصح عندي وإن كان مسلم قد أخرج حديث عمر بن حفص في الصحيح.

* ـ قال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد في الجزء الذي كتبه لإعلال بعض المرويات في صحيح مسلم: [وجدت فيه حديث سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غلاب حديثَ أبي موسى، وفيه زيادة “وإذا قرأ فأنصتوا”، وقوله “وإذا قرأ فأنصتوا” هو عندنا وهَم من التيمي، ليس بمحفوظ ، لم يذكره الحفاظ من أصحاب قتادة].

[الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد ـ لمن لا يعرفه ـ هو محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمار الهروي المتوفى سنة 317: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الناقد المجود أبو الفضل محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمار الجارودي الهروي الشهيد، وقد خرج الحافظ أبو الفضل صحيحا على رسم صحيح مسلم، ورأيت له جزءا مفيدا فيه بضعة وثلاثون حديثا من الأحاديث التي بين عللها في صحيح مسلم، ولعله لم يبلغ خمسين سنة، رحمه الله، ولهذا لم يشتهر حديثه. وقال عنه في تاريخ الإسلام: إمام كبير عارف بعلل الحديث. وبنحو ذلك جاءت ترجمته في الوافي بالوَفَيَات لصلاح الدين الصفدي وكتاب البداية والنهاية لابن كثير وطبقات الحفاظ للسيوطي. وكلام الإمام الذهبي فيه ثناء على الجزء الذي صنفه الحافظ ابن عمار الشهيد في بيان علل بعض المرويات في صحيح مسلم].

* ـ وقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: [وجدت فيه حديث جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس أنه قال: أصابنا مطر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر ثوبه عنه وقال: “إنه حديث عهد بربه”. وهذا حديث تفرد به جعفر بن سليمان من بين أصحاب ثابت، لم يروه غيره]. أي وجَد هذا الحديث في صحيح مسلم. ثم روى عن علي بن المديني أنه قال: لم يكن عند جعفر كتاب، وعنده أشياء ليست عند غيره. وروى عنه أنه قال: أما جعفر بن سليمان فأكثرَ عن ثابت، وكتبَ مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير. وروى عن عثمان بن أبي شيبة أنه قال: جعفر ضعيف.

* ـ وقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: [وجدت فيه لأحمد بن عبدة عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أنه قال: ذكِر عند ابن عمر عُمرة النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها. وهذا حديث لم يروه غير ابن عبدة عن حماد، وهو غير صحيح، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة].

* ـ وقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: [وجدت فيه عن ابن وهب عن سليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في سفر وأسحر يقول: “سمَّع سامعٌ بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربَّنا صاحبْنا وأفضلْ علينا، عائذا بالله من النار”. وهذا الحديث إنما يُعرف بعبدالله بن عامر الأسلمي عن سهيل، وعبدالله بن عامر ضعيف الحديث، فيشبه أن يكون سليمان سمعه من عبد الله بن عامر، ولا أعرفه إلا من حديث ابن وهب هكذا].

* ـ وقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: [وجدت فيه حديث سعيد بن عامر عن جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر. فوجدت له علة: حدثني محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج قال حدثنا محمد بن إدريس قال حدثنا محمد بن عمر بن علي قال حدثنا سعيد بن عامر عن جويرية عن رجل عن نافع أن عمر قال “وافقني ربي في ثلاث”، فذكر الحديث، ولم يذكر ابنَ عمر في إسناده، وأدخل بين جويرية ونافع رجلا غير مسمَّى].

* ـ روى مسلم والبخاري من طريق همَّام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن ثلاثة في بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرصَ فقال: أي شيء أحب إليك؟. قال: لون حسن وجلد حسن ويذهبَ عني الذي قد قذِرَني الناس. فمسحه، فذهب عنه قذره وأعطِي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟. قال: الإبل. فأعطِي ناقة عشراء، فقال بارك الله لك فيها”. الحديثَ. وفي آخره: فقال الملك للأعمى: “أمسكْ مالك، فإنما ابتُليتم، فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك.

ورواه العُقيلي كذلك في كتاب الضعفاء من طريق همَّام بن يحيى به مرفوعا، ثم رواه من طريق عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة من قوله موقوفا عليه، ومن طريق عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير من قوله موقوفا عليه كذلك، وعلق بقوله: “وهذا أصل الحديث، من كلام عبيد بن عمير وقصصه، كان يقص به”.

وهذا يعني أن الإمام العُقيلي يرجح إعلال الطريق المرفوع، وأن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة إنما قال ذلك القول من كلامه لا من روايته، وأنه أخذه من عبيد بن عمير الذي كان يقص القصص على الناس، وأن أصل هذا الحديث هو من قصصه الذي كان يقص به.

[أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي المتوفى سنة 322، قال فيه مسلمة بن قاسم: ثقة جليل القدر عظيم الخطر، عالم بالحديث، ما رأيت أحدا من أهل زماننا أعرف بالحديث منه. وقال القاضي أبو الحسن بن القطان الفاسي: أبو جعفر العقيلي ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، مقدم في الحفظ. ووصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بالإمام الحافظ الناقد].

* ـ روى البخاري [في باب قوله تعالى {وتقول هل من مزيد}] ومسلمٌ وابن حنبل وابن حبان من طريق همَّام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “تحاجت الجنة والنار، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا”.

ورواه مسلم والخرائطي في كتاب مساوئ الأخلاق والطبراني في مسند الشاميين من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا به نحوه. وله طريق آخر عن الأعرج يأتي الكلام عنه قريبا إن شاء الله.

ورواه ابن حنبل والنسائي في الكبرى وابن خزيمة والطبراني في الأوسط من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا به نحوه.

وروى مسلم وابن خزيمة من طريقين عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة”.

وروى مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى ثم ينشئ الله تعالى لها خلقا مما يشاء”.

ورواه البخاري [في باب ما جاء في قول الله تعالى {إن رحمة الله قريب من المحسنين}] من طريق صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، …، فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي، …، أما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار مَن يشاء فيُلقون فيها، فتقول هل من مزيد، حتى يضع فيها قدمه، فتمتلئ ويُرد بعضها إلى بعض، وتقول قط قط قط”.

وفي تبويب الإمام البخاري رحمه الله للروايتين اللتين رواهما في صحيحه لهذا الحديث إشارة إلى صحة الرواية التي رواها من طريق همَّام في الجزء المتعلق بما يفعل الله عز وجل في جهنم لتمتلئ، وإلى وقوع الخلل في الرواية التي فيها “وإنه ينشئ للنار مَن يشاء فيُلقون فيها”.

الطرق المتقدمة قبل الرواية الأخيرة فيها أن الله تعالى ينشئ خلقا يوم القيامة يسكنهم فضل الجنة ولم يسبق لهم تكليف ولا عمل، وهذا إكرام ورحمة من الله تعالى، وباب الكرم واسع، أما الرواية الأخيرة ففيها أن الله عز وجل ينشئ خلقا يوم القيامة يلقيهم في النار دون سابقة تكليف ولا عمل!!.

وهذا الجزء الذي في الرواية الأخيرة غير صحيح سندا ومتنا:

أما من حيث السند فظاهره الصحة لأنه متصل من طريق الثقات، ولكنه معلول، فمقارنة رواية الراوي بالروايات الأخرى أفادت بأن هذا الجزء من الحديث وقع فيه خلل، حيث انقلب اللفظ على أحد الرواة في السند فجعل الإنشاء لأولئك الخلق واردا فيمن يدخِلهم النار بدلا من أن يكون فيمن يدخِلهم الجنة.

وأما من حيث المتن فما من شك في أن مثل هذا يستحيل وقوعه من الله جل وعلا، فقد قال في محكم كتابه {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، والذين ينْشهم يوم القيامة لم يبعث إليهم رسولا فكيف يعذبهم؟!، كيف وقد قال جل شأنه {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}.

ولهذا فإن جماعة من الأئمة أعلوا ذلك الجزء من الحديث وقالوا هو مقلوب، وذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري على أنه أحد الأوجه في الجواب عن الرواية، ورغم أنه لم يعتمده فإنه لم يردَّه ولم يسفه قائله، وقال: [قوله “وأنه ينشئ للنار من يشاء” قال أبو الحسن القابسي: “المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقا، وأما النار فيضع فيها قدمه، ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقا إلا هذا”. وقد قال جماعة من الأئمة إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، وكذا أنكر الرواية شيخنا البُلقيني واحتج بقوله تعالى {ولا يظلم ربك أحدا}].

[أبو الحسن القابسي هو علي بن محمد بن خلف المتوفى سنة 403، قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الفقيه العلامة، وكان عارفا بالعلل والرجال، والفقه والأصول والكلام، مصنفا يقظا دينا تقيا. البُلقيني هو عمر بن رسلان المتوفى سنة 805، قال فيه ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه: شيخ الإسلام مجتهد العصر نادرة الوقت. وقال ابن حجر في المجمع المؤسس للمعجم المفهرس: شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام].

* ـ قال ابن الصلاح المتوفى سنة 643 في كتابه معرفة أنواع علم الحديث: [مثال العلة في المتن ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه “فكانوا يستفتحون القراءة بـالحمد لله رب العالمين”، من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح، ورأوا أن مَن رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له، ففهم من قوله كانوا يستفتحون بالحمد أنهم كانوا لا يبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ، لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية، وانضم إلى ذلك أمور، منها أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم].

ووافقه على إعلال تلك الرواية بدر الدين الزركشي المتوفى سنة 794 في النكت على مقدمة ابن الصلاح، والأبناسيُّ المتوفى سنة 802 في الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، وابنُ الملقن المتوفى سنة 804 في كتاب المقنع في علوم الحديث، وزينُ الدين العراقي المتوفى سنة 806 في التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح وفي ألفيته المسماة بالتبصرة والتذكرة وشرحها، وابنُ حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 في كتاب النكت على كتاب ابن الصلاح، والسخاويُّ المتوفى سنة 902 في كتابه فتح المغيث، والسيوطي المتوفى سنة 911 في تدريب الراوي، وأكثر من واحد من شراح البيقونية.

قال الزركشي بعدما عزاه لمسلم: “هذا الحديث سنده صحيح ومتنه ضعيف لوجود العلة فيه“.

وقال العراقي في كتابه التقييد والإيضاح لما أطلِق وأغلَق من كتاب ابن الصلاح: [ربما يعترض معترض على المصنف بأنك قدمتَ أن ما أخرجه أحد الشيخين البخاري أو مسلم مقطوع بصحته فكيف يُضعف هذا وهو فيما أودعه مسلم كتابه؟!، وأيضا فلم تعينْ مَن أعله حتى يُنظر محله من العلم، وما حكيتَه عن قوم لم تسمهم أنهم أعلوه معارَض بقول أبي الفرج بن الجوزي في التحقيق عقب حديث أنس هذا إن الأئمة اتفقوا على صحته، والجواب عن ذلك أن المصنف لما قدَّم أن ما أخرجه أحد الشيخين مقطوع بصحته قال “سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره”، فقد استثنى أحرفا يسيرة، وهذا منها، وقد أعله جماعة من الحفاظ الشافعي والدارقطني وابن عبد البر رحمهم الله]. ثم ذكر كلامهم في ذلك، ثم قال: “فهذا كلام أئمة الحديث في تعليل هذا الحديث، فكيف يقول ابن الجوزي إن إلأئمة اتفقوا على صحته؟!، أفلا يقدح كلام هؤلاء في الاتفاق الذي نقله؟!”.

وقال ابن حجر مؤيدا كلام شيخه الحافظ العراقي: “وقد تكلم شيخنا على هذا الموضع بما لا مزيد في الحُسن عليه”.

* ـ قال القاضي عياض المتوفى سنة 544 في إكمال المعْلم بفوائد كتاب مسلم: [قوله “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله” كذا رُوي عن مسلم هنا فى جميع النسخ الواصلة إلينا، والمعروف الصحيح “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”، وكذا وقع في الموطأ والبخاري، وهو وجه الكلام، لأن النفقة المعهودُ فيها باليمين]. ثم ذكر ما يشير إلى أن الوهَم فيها من الناقلين عن مسلم.

ووافقه على وقوع الخطأ في تلك اللفظة وأنها مما انقلب فيه اللفظ على الراوي جماعةٌ من أهل العلم: منهم ابن قرقول المتوفى سنة 569 في مطالع الأنوار على صحاح الآثار، والنووي المتوفى سنة 676 في شرح صحيح مسلم، وابن الملقن في شرحه لصحيح البخاري المسمى بالتوضيح لشرح الجامع الصحيح، وابن حجر في فتح الباري وفي النكت على كتاب ابن الصلاح وفي نزهة النظر، والعيني المتوفى سنة 855 في عمدة القاري، والسخاويُّ المتوفى سنة 902 في فتح المغيث، والسيوطي المتوفى سنة 911 في تدريب الراوي وفي شرح صحيح مسلم، والقسطلاني المتوفى سنة 923 في إرشاد الساري، وملا علي القاري المتوفى سنة 1014 في كتابه مصطلحات أهل الأثر على شرح نخبة الفكر، وزين الدين المناوي المتوفى سنة 1031 في اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر، وأكثر من واحد من شراح البيقونية.

قال النووي في شرح صحيح مسلم: [قوله صلى الله عليه وسلم “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله” هكذا وقع في جميع نسخ مسلم في بلادنا وغيرها، وكذا نقله القاضي عن جميع روايات نسخ مسلم، والصحيح المعروف “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”].

وقال ابن حجر في كتاب النكت على ابن الصلاح: [وقع في الصحيح من رواية يحيى بن سعيد عن هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه في السبعة الذين يظلهم الله في عرشه، فذكر منهم “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله”، كذا رواه، والمحفوظ من طرق أخرى في الصحيح “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”].

وقال في نزهة النظر: [قد يقع القلب في المتن، كحديث أبي هريرة عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله في عرشه، ففيه “ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله”، فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو “حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”، كما في الصحيحين].

* ـ روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهادُ في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك”.

علق ابن حجر في فتح الباري فقال: [قوله “والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك” ظاهر هذا السياق رفْع هذه الجُمل إلى آخرها، وعلى ذلك جرى الخطابي، وجزم الداودي وابن بطال وغير واحد بأن ذلك مدرج من قول أبي هريرة، ويدل عليه من حيث المعنى قوله “وبر أمي”، فإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حينئذ أم يبَرُّها، ووجَّهه الكرماني فقال أراد بذلك تعليم أمته، وفاته التنصيصُ على إدراج ذلك، فقد فصله الإسماعيلي من طريق أخرى عن ابن المبارك ولفظه “والذي نفس أبي هريرة بيده”]. أحمد بن نصر الداودي من أئمة المالكية بالمغرب، طرابلسي تلمساني، مات سنة 402، وعلي بن خلف ابن بطال قرطبي، مات سنة 449، ولكل منهما شرح على صحيح البخاري.

وقال في النكت على كتاب ابن الصلاح: “هذا الفصل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يمتنع عليه أن يتمنى أن يصير مملوكا، وأيضا فلم يكن له أم يبرها، بل هذا من قول أبي هريرة أدرِج في المتن”.

* ـ روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم.

ذكر الخطابي الرواية عن ميمونة أنها قالت “تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسَرِف” وعقب بقوله: ميمونة أعلمُ بشأنها من غيرها، وأخبرت بحالها وبكيفية الأمر في ذلك العقد، وهو من أدل الدليل على وهَم ابن عباس.

ووافقه على معنى ذلك أبو المطرف القنازعي المتوفى سنة 413 في كتابه تفسير الموطأ، والوزير يحيى بن محمد بن هبيرة المتوفى سنة 560 في كتاب الإفصاح، والإمام العلامة ابن الجوزي المتوفى سنة 597 في كشف المشكل من حديث الصحيحين، والقاضي عبد الله بن عمر الشيرازي البيضاوي المتوفى سنة 685 في تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة. [قال الذهبي في تاريخ الإسلام عن القنازعي: كان عالما عاملا فقيها حافظا ورعا متقشفا قانعا باليسير دؤوبا على العلم كثير الصلاة والتهجد والصيام، عالما بالتفسير والأحكام، بصيرا بالحديث. وقال عن ابن هبيرة: كان من خيار الوزراء دينا وصلاحا ورأيا وعقلا وتواضعا لأهل العلم وبرا بهم، وكان يحضر مجلسه الأئمة والفقهاء].

وقال ابن حجر في فتح الباري: [قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول بأي شيء يُدفع حديث ابن عباس؟!. فقال: “الله المستعان، ابن المسيب يقول وهِم ابن عباس، وميمونة تقول تزوجني وهو حلال”].

* ـ ذكر السيوطي في رسالته مسالك الحنفا في والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ـ وهي مطبوعة ضمن الحاوي للفتاوي ـ الحديثَ الذي رواه مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي سأله عن أبيه “إن أبي وأباك في النار” وضعَّفه بهذا اللفظ، وأطال في بيان ذلك، وكان مما قاله: [هذه اللفظة “إن أبي وأباك في النار” هي من الحديث الذي رواه مسلم، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟. قال: “في النار”. قال: فأين أبوك؟. قال: “حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار”. وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمُه على غيره، وفي بعض الروايات زيادة في آخره: فأسلم الأعرابي بعدُ فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار].

* ـ قال الإمام سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة 474 رحمه الله في كتاب التعديل والتجريح وهو يتحدث عن الصحيحين: “وُجد في الكتابين ما فيه الوهَم، وأخرج ذلك الشيخ أبو الحسن وجمعه في جزء، وإنما ذلك بحسب الاجتهاد، فمن كان من أهل الاجتهاد والعلم بهذا الشأن لزمه أن ينظر في صحة الحديث وسقمه بمثل ما نظرا، ومن لم تكن تلك حالـَه لزمه تقليدُهما في ما ادعيا صحته والتوقفُ فيما لم يخرجاه في الصحيح”. قوله “الشيخ أبو الحسن” يعني به الإمام الدارقطني.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة فتح الباري: “هذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح، وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصَّلتها، لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر“. وهذا إقرار منه بأن بعض ما انتقده الأئمة على الصحيح يؤثر في أصل موضوع الكتاب، ولكنه نادر.

* ـ فهل الشافعي ويحيى بن معين وابن حنبل وأبو داود السجستاني صاحب كتاب السنن وأبو حاتم الرازي وأبو الفضل بن عمار الشهيد والعُقيلي والحافظ أبو علي النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله والإسماعيلي والدارقطني والخطابي وأحمد بن نصر الداودي وأبو الحسن القابسي والقنازعي وعلي بن خلف ابن بطال والبيهقي وابن عبد البر والباجي والقاضي عياض وابن هبيرة وابن قرقول وابن الجوزي وابن الصلاح والنووي والبيضاوي والذهبي وبدر الدين الزركشي والأبناسيُّ وابنُ الملقن وسراج الدين البُلقيني وزينُ الدين العراقي وابنُ حجر العسقلاني والعيني والسخاويُّ والسيوطي والقسطلاني وملا علي القاري وزين الدين المناوي، هل كل هؤلاء ـ وفيهم عدد من الأئمة الكبار ـ قولُهم مردود عليهم ولا كرامة؟!. اللهم غفرا.

ومما يدل على أنه لا إجماع على صحة أحاديث الصحيحين بالمعنى المشهور اليوم إجماعُ هؤلاء الأعلام الذين تقدمت أسماؤهم على أن بعض المرويات في الصحيحين قد تطرق الخلل إلى بعض ألفاظها، ولا يُعقل أنه يكون قد وقع الإجماع على مسألة ما وكل هؤلاء لم يعلموه.

* ـ مسألة صحة أحاديث الصحيحين لا بد فيها من كلمة توضح الإشكال الواقع فيها، فأقول سائلا المولى جل وعلا التوفيق والسداد والمعونة:

جمع علماء الحديث الشريف الذين اختصهم الله جل وعلا بهذه المكْرمة منذ عصر السلف ما وصل إليهم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودونوا في ذلك مدونات منتقاة مما جمعوا، واختار بعضهم أن يقتصر على الصحيح في بعض تلك المدونات الحديثية.

من أولئك الذين اهتموا بجمع الصحاح البخاري ومسلم وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان وأبو عبد الله الحاكم رحمهم الله تعالى وأجزل لهم المثوبة.

وأقواهم وأدقهم نظرا في معرفة الصحيح الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256 ومسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة 261، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل.

لكن عملية انتقاء الصحاح من المرويات جهد بشري، فلا يمتنع أن يقع في ما انتقياه بعض القصور، وهذا ما يفسر لنا وقوع بعض المرويات عندهما مما أعله بعض الأئمة، وهي معلولة كذلك على ذات المنهج الذي مشى عليه الإمامان البخاري ومسلم.

ولا يخفى أن صاحبي الصحيحين أرادا من تصنيف هذين الكتابين جمع المرويات الصحيحة والإشارة إلى بعض ما تطرق إليه الخلل من روايات تلك الأحاديث، فالبخاري يشير إلى ذلك في تصرفه في عناوين الأبواب، ومسلم يشير إلى ذلك في التقديم والتأخير وبعض ما انتُقد هو من هذا الباب الذي لا يغيب عن ذينك الإمامين.

وههنا ملحوظات لا بد من النظر فيها لمن يتكلم في روايات الصحيحين:

الأولى:

هذه الكتب ألـِّفت لأهل الحديث، وليست لعامة العلماء فضلا عن غيرهم، وفي طريقة تصنيفها دقائق علمية تخصصية، فمن لم يعرف تلك الدقائق فإن خوضه فيها ونقله لرواية منها قد يكون فيه ظلم للكتاب وللمؤلف.

الثانية:

كثيرا ما يروي صاحب الصحيح الحديثَ من طرق متعددة ويكون الحديث بألفاظ مختلفة ولو قليلا، وأحيانا يكون اختلاف اللفظ مغيرا للمعنى، وفي هذه الحالات ليس مراد صاحب الصحيح تصحيحَ الحديث بكل الألفاظ التي رُوي بها، بل مراده أن أصل الحديث صحيح، وأن الراجح من تلك الألفاظ هو واحد منها، وقد يشير إلى الراجح.

فمن الظلم الكبير أن يقع المرء على رواية في أحد الصحيحين فينقلها ويعزوَها له بمجرد وجودها في الكتاب دون بيان موقعها فيه.

وهذا مثال على ذلك، وهو في الحديث المتعلق بسن النبي صلى الله عليه وسلم يوم وفاته، فقد روى البخاري ومسلم من طرق أنه تُوفي وهو ابن ثلاث وستين، وروى البخاري من طريق واحد أنه تُوفي وهو ابن ستين، وروى مسلم من طريق واحد أنه تُوفي وهو ابن خمس وستين.

فهل يُعقل أن يكون الإمامان غافلين عن أن الصواب هو الذي رُوي من طرق متعددة وأن ما تفرد به راويه هو مما وهِم فيه؟!.

وقد قلت في كتابي متنزه الأنظار: [روى البخاري ومسلم عن اثنين عن مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمعه يقول: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة”. صحيح البخاري: 3/ 1214، كتاب اللباس، باب الجعد. صحيح مسلم: 2/ 1005، كتاب الفضائل، باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه وسنه. طبعة المكنز. ولا شك في أن هذا اللفظ خطأ.

[وروى مسلم من طريق عمار مولى بني هاشم أنه قال حدثنا ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين. صحيح مسلم: 2/ 1006، كتاب الفضائل، باب كم أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة. وهذا كذلك خطأ.

[لأنه لا يمكن أن تكون الروايات في سن النبي صلى الله عليه وسلم يوم وفاته ستين سنة وثلاثة وستين سنة وخمسة وستين سنة وتكونَ كلها صحيحة.

[والصواب هو فيما رواه البخاري ومسلم من طريقين عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين. صحيح البخاري: 2/ 697، 892، كتاب المناقب، باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتاب المغازي، باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. صحيح مسلم: 2/ 1005، كتاب الفضائل، باب كم سن النبي صلى الله عليه وسلم يوم قبض.

[وجاء على الصواب فيما رواه البخاري ومسلم من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. ورواه البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، ثم أمِر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين. ورواه مسلم من طريق أبي جمرة الضُبَعي عن ابن عباس به نحوه. صحيح البخاري: 2/ 768، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. صحيح مسلم: 2/ 1005، كتاب الفضائل، باب كم أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة.

[وجاء على الصواب فيما رواه مسلم من طريق الزبير بن عدي عن أنس بن مالك أنه قال: قـُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين. صحيح مسلم: 2/ 1005، كتاب الفضائل، باب كم سن النبي صلى الله عليه وسلم يوم قبض.

[وجاء على الصواب كذلك فيما رواه مسلم من طريق أبي إسحاق السَبيعي عن عامر بن سعد البجلي عن جرير بن عبد الله أنه سمع معاوية يخطب فقال: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين. صحيح مسلم: 2/ 1006، كتاب الفضائل، باب كم أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة.

[قد يقول قائل: إن رواية الستين والخمسة والستين هما من باب التقريب بإلغاء الكسر أو جبره. والجواب أن هذا لا ينفي أن التقريب في العدد هو غير الحقيقة والواقع.

[ولا شك في أن المثال المذكور يؤكد أن الشيخين لم يقصدا صحة الحديث بكل ألفاظه التي أدخلاها في كتاب الصحيح، وأنهما كانا يرويان الحديث من عدة طرق، وهي تشتمل على اللفظ الثابت وعلى ما وهِم فيه راويه، ثم إنه لم يكن خافيا عليهما اللفظ الثابت ولا على أهل المعرفة، وهو ما تتفق عليه معظم الطرق، كما في المثال السابق.

[وانظر كيف روى الإمام البخاري رحمه الله الرواية الصحيحة في مقدار عمر سيدنا رسول الله في “باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم” من كتاب المناقب وكتاب المغازي وهو الباب المناسب لها، وكيف روى الرواية التي وقع فيها الخلل في مقدار عمره الشريف في “باب الجعد” من كتاب اللباس وهو الباب المناسب لجزء آخر من الحديث لا للفظ الذي تطرق إليه الخلل. فرحمه الله رحمة واسعة]. انتهى النقل من متنزه الأنظار.

هذا وقد أشار الإمام البخاري في أحد المواطن في صحيحه إلى منهجه في هذا، حيث روى في صحيحه عددا من طرق قصة جمل جابر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعضها أن جابرا اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحْمله الجملُ حتى يصل إلى المدينة، وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وسلم منحه ظهر الجمل حتى وصوله دون اشتراط منه، وعلق البخاري على اختلاف ألفاظ الحديث في ذلك قائلا “الاشتراط أكثر وأصح عندي”. ومع هذا فقد روى في صحيحه عددا من طرق هذا الحديث الراجحة عنده وعددا من الطرق المرجوحة لهذا الحديث.

الثالثة:

قد يوْهَم صاحب الصحيح في بعض الروايات ويغيب عنه وجه إعلالها، وقد بيَّن عدد من الأئمة بعضها، كما تقدم في هذا المبحث، ولا مانع من بذل الجهد ومتابعة البحث لاستخراج ما لم يذكره العلماء السابقون، على المنهج الذي ارتضاه الأئمة النقاد، ومنهم الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله. [ولي كتاب سميته منهج الإمامين البخاري ومسلم في إعلال المرويات الحديثية].

لكن كم نسبة هذه الروايات التي وقع الوهَم فيها أو في بعض طرقها؟، لا أشك أنها قليلة جدا، وأنها لا تمس الأسس الراسخة لهذا الدين.

* ـ مخالفة الإجماع:

قد يقول قائل: انعقد الإجماع على صحة أحاديث الصحيحين فلا يجوز سماع قول أحد فيهما بعد ذلك، قال ابن الصلاح في كتابه معرفة أنواع علم الحديث: “الذي يقول فيه أهل الحديث صحيح متفق عليه ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم جميعُه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافا لقول من نفى ذلك، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن”.

أقول:

لم يذكر ابن الصلاح متى حصل ذلك الإجماع، كما إنه لم يذكر نموذجا لأسماء بعض المجْمعين، ومن المعلوم أن الإجماع عند الذين يحتجون به هو إجماع المجتهدين، وليس إجماعَ المقلدين، فلا بد لمن يكون قوله حجة في هذه المسألة أن يكون ممن بلغ رتبة الاجتهاد في علم الحديث، بما فيه من علم الجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف والإعلال.

متى انعقد الإجماع في هذه المسألة الحديثية الهامة بخلاف قول الإمامين يحيى بن معين وأحمد ابن حنبل وهما من كبار أئمة علم الحديث ومن طبقة شيوخ البخاري ومسلم؟!، وبخلاف قول الإمامين أبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي وهما من كبار الأئمة كذلك ومعاصران للبخاري ومسلم؟!، وبخلاف قول الأئمة مِن بعدهم أبي الفضل بن عمار الشهيد والعُقيلي والحافظ أبي علي النيسابوري والإسماعيلي والباجي والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر؟!. ومَن الذين جاؤوا بعد هؤلاء من المجتهدين في هذا العلم وأجمعوا على خلاف قولهم؟!.

قد يُقال: إن انتقاد الأئمة المتقدمين على زمان الإمامين البخاري ومسلم والمعاصرين لهما كان كلامهم قبل حدوث الإجماع على صحة كل ما في الكتابين.

فالجواب: فمتى حصل الإجماع إذن؟!، وهل يتم الإجماع بخلاف أقوال أولئك العلماء على مر العصور؟!، وهل حصل الإجماع في زمان المجتهدين ولم يعلم به الحافظ ابن حجر وغيره من العلماء المذكورين؟!.

يبدو أن كل من وقف على ما أوردتُه من الأمثلة على تضعيف بعض العلماء والأئمة الكبار لبعض أحاديث الصحيحين لا يسعه إلا الإقرار بأنه لا إجماع في المسألة، وأنها اجتهادية، كما يبدو أن كلام ابن الصلاح رحمه الله وغفر له في هذه المسألة إذا فهِم على ظاهره هو بخلاف الإجماع.

مَن آنس في نفسه أهلية الخوض في مسألة اجتهادية فليدْلِ بدلوه بالحجة والدليل بعيدا عن التعصب والهوى، وشتان بين هذين الطريقين، وأهل الاجتهاد والنظر ينظرون فيما قاله ويحكمون بتصويب كلامه أو بتخطئته.

* ـ كلمة الختام:

تساءلَ ويتساءلُ عدد من الإخوة: هل من الحكمة إظهار مثل هذا البحث الآن في ظل هذه الهجمة الشرسة على السنة النبوية من العَالَمَانيين؟.

أقول: كان عدد من العلماء السابقين قد وقفوا على أشياء تحتاج إلى إعادة نظر ومزيد تمحيص في عدد من العلوم الإسلامية، ورأوا أن من الحكمة في تلك الأزمنة الغابرة دفنَها في بحر التناسي لئلا تلوكها ألسنة العامة والمغرضين، ورأوا أن الوصول إليها وهي في بطون المخطوطات أشبه بالمستحيل، ولعل هذا كان هو الأصوبَ في تلك الأزمان.

أما اليوم ـ في ظل الثورة المعلوماتية ـ فقد تبدلت الأحوال وصار الوصول إلى كثير من المصادر والمسائل في متناول اليد.

ولذا فلا بد من البحث والبيان، ولا يُنكر تبدل الأحكام المبنية على المصالح الآنية بتبدل الأزمان.

* ـ رجاء وأمل:

أرجو أن يتداعى أهل العلم الغيورون على دين الله عز وجل إلى الاجتماع والتحاور بشأن تشكيل لجان لمراجعة كتب التراث الإسلامي، بغية التعليق عليها بما يجلو صفاءها وينقيها من العوالق التي لحقت بها، وأعني بها الأقوال التي لا دليل عليها وتتنافى مع ما دل عليه الدليل، وهذه غير ما يتسع له اجتهاد المجتهدين المؤسس على استدلال غير منقوض، وذلك في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة وما تفرع عن هذين الأصلين، ومنه ما استمر عليه عمل الأمة من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمَن بعدهم من التابعين والأئمة المجتهدين.

الهجمة غير المنضبطة على السنة النبوية اليوم يتبناها أحيانا أناس من العَالَمَانيين الذين لا يؤمنون بالله تعالى وكتابه الكريم ولا برسوله صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة.

وشتان بين من يريد هدم السنة النبوية الثابتة وقدسيتها وتشويهَ حمَلتِها من الأئمة الأعلام وبين من يريد الذب عن هذا الصرح المجيد بتنقيته من بعض العوالق مقتفيا آثارهم على منهج أئمة المحدثين، كالإمام أحمد ابن حنبل والبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين والنسائي والدارقطني وغيرهم من أكابر أئمة هذا العلم الشريف.

الذي أراه باديا للعيان أنه إذا تقاعس أهل العلم الغيورون في هذا فإنهم يسْهمون من حيث لا يشعرون في تغذية الغبش الذين ران على عقول كثير من أبناء المسلمين، حتى إن كثيرين منهم وقعوا في أحابيل العَالَمَانيين المشككين في أركان الإيمان، وإذا استمر هذا الانحدار فستظهر أمواجٌ هائجة وأعاصيرُ عاتية تخرج الكثيرين من أبناء المسلمين من حظيرة الدين، والعياذ بالله جل جلاله.

اللهم إني أعوذ بجلال وجهك أن يدركني ذلك اليوم، اللهم وإذا أردت بقومي فتنة فاقبضني إليك غير مفتون.

كلمتي الأخيرة للمشايخ هي التذكير بقول الله تعالى [وسوف تُسألون].

اللهم تولنا بهدايتك ورعايتك وتسديدك وتوفيقك يا غياث المستغيثين ويا أرحم الراحمين.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 24/ 3/ 1439، الموافق 12/ 12/ 2017، والحمد لله رب العالمين.

 


تعقيب الشيخ سلمان أبو غدة : (من أجمل ما قرأت  سبيكة ذهبية) .


تعقيب الشيخ جمال الدين السيروان :

الحبيب الأعز الأكرم فضيلة المحدث الشيخ صلاح الإدلبي يرعاكم الله  لقد أثلجتم صدري ونورتم عقلي ووسعتم معرفتي بهذا المبحث الفذ والتحقيق الدقيق أجل إنني أشارككم الرأي في هذه الإضاءة الضرورية والإيضاح الهام ذوداً عن دين الله تبارك وتعالى ورداً لادعاءات تلكم الشرذمة الخبيثة التي تبتغي إثارة الشك في صحة السنة الشريفة  وبناء على ذلك يتجرأ على الخوض في تقويم السنة من لا يملك معرفة بهذا الفن الدقيق وهذا يدعو إلى الاضطراب في إدراك الحقيقة الناصعة لذا جاء إيضاحكم تجلية هامة لشرائح الأمة عالمها وجاهلها كما أنه رد على تلكم الدعاوى الباطلة ولكن بقلم المحترف المتبحر شكر الله لكم وتقبل منكم .

أخي الأثير شكر الله لكم أثلجت صدري بهذه الإضافات الكاشفة للهدف والموضحة للمقصد زادكم الله تبارك وتعالى من فضله ونفع بكم وأضاء درب الوعي من خلال تحقيقكم إذ الوعي عبادة غائبة ومغيبة فبكم وبأمثالكم يعود إلى الأمة تحقيق قوله سبحانه وتعالى (وتعيها أذن واعية) .