حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حديث “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب”

 

رُوي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك ومرسل أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب وسالم بن أبي الجعد:

* فأما حديث جابر فرواه مسلم وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي في الكبرى وأبو عوانة في المستخرج والطحاوي في مشكل الآثار وابن حبان والطبراني في الكبير وأبو نعيم في المستخرج والبيهقي، من ثلاثة طرق عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة، فأتى امرأته زينب، فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه فقال: “إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه”.

ورواه مسلم وابن حنبل وأبو عوانة في المستخرج وأبو نعيم في المستخرج وفي معرفة الصحابة والبيهقي في شعب الإيمان، من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث وعبد الرحمن بن علقمة عن حرب بن أبي العالية عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا به نحوه.

ورواه النسائي في الكبرى عن قتيبة بن سعيد عن حرب عن أبي الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا.

[أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس مكي صدوق ثقة فيه لين ويدلس الإسناد، مات سنة 126]. لم يصرح أبو الزبير في كل تلك الطرق بما يدل على سماعه هذا الحديثَ من جابر، فالسند منقطع، فهو ضعيف.

قال الترمذي بعد تخريجه الحديث: حديث جابر حديث حسن صحيح غريب. وقال النسائي في الكبرى بعد تخريجه لرواية هشام ثم لرواية حرب: هذا كأنه أولى بالصواب من الذي قبله. فكلام الترمذي يشير إلى صحة ظاهر الإسناد وغرابة المتن، وكلام النسائي يشير إلى إعلال الحديث عنده بالإرسال، لأنه أخـَّر رواية حرب بن أبي العالية المروية عنده بالإرسال وعلق عليها بأنها كأنها أولى بالصواب من الرواية الموصولة.

وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء هذا الحديث مع أحاديث أخر وقال: “فهذه غرائب، وهي في صحيح مسلم”.

* إشكال وجواب:

قد يقال: لقد ورد التصريح بالسماع في أحد طرق الحديث في مسند ابن حنبل.

أقول: روى ابن حنبل عن موسى بن داود عن ابن لهيعة عن أبي الزبير أنه قال: أخبرني جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في نفسه فليعمِدْ إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يرد من نفسه”.

وهذا غير مقبول هنا لسببين: أحدهما اختلاف لفظ الرواية، إذ قد يكون أبو الزبير سمع من جابر هذا الجزء من الحديث دون غيره، والثاني أن ابن لهيعة لا يُعتمد عليه وخاصة في رواية غير العبادلة عنه، لقبوله التلقين ولتدليسه. ثم إن ثلاثة من الرواة ـ عند ابن حنبل والخرائطي في اعتلال القلوب والطبراني في الأوسط ـ رووا الحديث عن ابن لهيعة فلم يذكروا ما يدل على السماع.

* تتميم:

الجزء الأخير من الحديث “فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه” يحتمِل التحسين:

فقد رواه مسلم وأبو عوانة وأبو نعيم من طريق معقل بن عبيد الله، وابنُ حنبل والخرائطي في اعتلال القلوب من طريق موسى بن عقبة، وابنُ حنبل والخرائطي في اعتلال القلوب والطبراني في الأوسط برقم 9073 من أربعة طرق ـ وإن لم يكن فيها أحد العبادلة ـ عن ابن لهيعة، وابنُ حبان والدولابي في الكنى من طريق ابن جريج، وابنُ أبي شيبة في مسنده ـ كما في إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري ـ من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، خمستهم معقل وموسى وابن لهيعة وابن جريج وابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر به دون ما جاء قبله في رواية هشام الدستوائي وحرب بن أبي العالية عن أبي الزبير.

وإذا كان ذلك كذلك فيكون أبو الزبير قد سمع الجزأين الأولين من هذا الحديث من رجل عن جابر وسمع الجزء الأخير منه من جابر، ويكون قد جمعَ الأجزاء الثلاثة وحدَّث بها هشامًا وحربًا وحدَّث بالجزء الأخير معقلا وموسى بنَ عقبة وابن لهيعة وابن جريج وابنَ أبي ليلى، والله أعلم.

* وأما حديث ابن مسعود فرواه الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان عن قبيصة عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن عبد الله بن حلّام عن عبد الله بن مسعود مرفوعا به نحوه. وعنده “فأتى سودةَ وهي تصنع طيبا”. [قبيصة بن عقبة السُوائي كوفي صدوق ثقة إلا في روايته عن الثوري فإنه لم يكن ضابطا لها، مات سنة 215. عبد الله بن حلام ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في الميزان: لا يكاد يعرف].

ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع وعبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن حلام عن ابن مسعود موقوفا. وذكر البخاري في التاريخ الكبير أن إسرائيل رواه عن جده أبي إسحاق موقوفا كذلك.

الطريق المرفوع ضعيف الإسناد ومعلول بعلة الوقف على الصحابي، وإسناده عن ابن مسعود حسن لا بأس به.

* وأما حديث أنس فرواه الطبراني في مسند الشاميين من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس مرفوعا به نحوه. [سعيد بن بشير الأزدي البصري الشامي ضعيف مات سنة 169]. فالسند ضعيف.

* وأما مرسل أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن أبي حَصين عن عبد الله بن حبيب مرفوعا به نحوه. وعنده “فرجع إلى أم سلمة وعندها نسوة يَدُفْنَ طيبا”. [أبو حَصين عثمان بن عاصم كوفي ثقة ربما دلس الإسناد مات سنة 128. عبد الله بن حبيب كوفي تابعي ثقة مات سنة 72 تقريبا]. داف الطيبَ يدُوفه دَوفا: خلطه.

ورواه ابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن حبيب به مرفوعا. والظاهر أن عبد الرحيم بن سليمان وهم في تسمية شيخ سفيان هنا، فجعله عن أبي إسحاق بدلا من أن يكون عن أبي حَصين، وعبد الرحيم بن سليمان ثقة فيه لين ووكيع ثقة متقن.

وهو على كلا الحالين مرسل، والمرسل ضعيف.

* وأما مرسل سالم بن أبي الجعد فرواه ابن أبي شيبة عن عبيدة بن حميد عن منصور بن المعتمر عن سالم بن أبي الجعد مرفوعا به نحوه. وعنده “رأى امرأة فأتى أمَّ سلمة”. سالم بن أبي الجعد تابعي ثقة.

وهذا حديث مرسل، والمرسل ضعيف.

* درجة الحديث:

أسانيده ضعيفة، ولا يرتقي باجتماع هذه الطرق لأنه غريب، كما نص على ذلك بعض الأئمة، وأقل ما يقال عنه أنه يُتوقف فيه، والله أعلم.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 13/ 4/ 1437، والحمد لله رب العالمين.