هل ابن تيمية يميل إلى التجسيم؟

هل ابن تيمية يميل إلى التجسيم ؟   الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بالحق المبين وعلى آله وأصحابه ومن تبع سنتهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين

قال أحد الإخوة أحسن الله إليه عني:

“صلاح الدين من المتحاملين على ابن تيمية رحمه الله، ومن صور التحامل اتهامه لابن تيمية بأنه يميل إلى التجسيم”.

أقول:

حيث إنني آنست من هذا الأخ الكريم الرغبة في الحوار مع الاعتماد على الدليل ونبذ التعصب فكان لزاما علي أن أدله على حقيقة الأمر، رغبة في الوصول إلى الحق والابتعاد عن تبادل التهم بما لا دليل عليه.

قد قال مثل هذا القول عني أحد الإخوة سابقا، وردَدْتُ هذه التهمة عن نفسي في كتابي “عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار”، وإليك مقتطفاتٍ مما قلته في هذا الكتاب:

الوقفة الثالثة عشرة:

نقل الباحث الثاني عني أني قلت: “ابن تيمية لا يصرح بالتجسيم ولكن يميل إليه”. وأنني أوردت قوله رحمه الله إذ يقول “وأما الحنبلية فلا يُعرف فيهم من يطلق هذا اللفظ، لكن فيهم من ينفيه، وفيهم من لا ينفيه ولا يثبته، وهو الذي كان عليه الإمام أحمد وسائر أئمة السنة”. وأنني فهمت منه أنه يميل للتجسيم!!. وعلق الباحث الثاني بقوله “مع أن عبارة ابن تيمية رحمه الله يفهمها أي عاقل، وهو يبين في مواضع عديدة حقيقة هذا المصطلح ـ التجسيم ـ وأنه من المصطلحات التي يُستفسر عنها، فإن أريدَ به حق أثبتنا ذلك الحق، وإن أريد به باطل لم نقبله”. [النص المنقول عن ابن تيمية هو في بيان تلبيس الجهمية: 2/ 93. وفي الطبعة الأخرى: 4/ 96].

أقول:

ما نقله عني صحيح، فجزاه الله خيرا، ولكنه حذف تتمة الكلام، وهو: [أما أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي الحنبلي المتوفى سنة 410 فينقل عن الإمام أحمد خلاف ذلك، إذ يقول عنه: “وأنكر على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسَمْك وتركيب وصورة وتأليف، والله تعالى خارج عن ذلك كله”. انظر: الملحق الذي بآخر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: 2/ 298. وممن نفى لفظ الجسم عن الله تبارك وتعالى شيخُ الحنابلة القاضي أبو يعلى، فإنه قال: “لا يجوز أن يُسمى الله جسماً، فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام وأعطاه حقيقة الجسم من التأليف والانتقال فهو كافر”. انظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: 2/ 212]. انتهى ما ذكرته في عقائد الأشاعرة في حوار هادئ.

وفي هذا النقل الذي ذكره الإمام الفقيه أبو الفضل التميمي الحنبلي وهو متأخر عن الإمام أحمد زمنا بقرابة قرنين ومتقدم على ابن تيمية بثلاثة قرون ما يوجب وقفة، فهل أنكر الإمام أحمد على من يقول بالجسم كما نقله عنه أبو الفضل التميمي؟ أو كان لا ينفيه ولا يثبته هو وسائر أهل السنة كما نقله عنهم ابن تيمية؟!. أظن أن قول ابن تيمية رحمه الله بأن الإمام أحمد وسائر أهل السنة لا ينفون لفظ الجسم عن الله تعالى ولا يثبتونه ليس مبنيا على رواية عنهم بذلك، وإلا فأين تلك الرواية عنهم أو عن بعضهم على الأقل؟؟.

وربما كان قد بنى هذا القولَ على أنه لم يصلنا عنهم في هذه المسألة شيء، ولكن إن يكن ذلك كذلك فإن في هذا مغالطة، لأن عدم وقوفنا على قول لعالم من العلماء في مسألة ما لا يعني بتاتا أنه لا ينفيها ولا يثبتها، إذ ربما لو كانت عُرضت عليه لكان له فيها رأي بنفي أو إثبات.

ألا ترى أنه لو كان جماعة من أهل العلم لم يصلنا عنهم شيء في مسألة خلق القرآن مثلا، فهل يجوز لنا بعد ذكر أقوال النافين والمثبتين والمتوقفين أن نقول عن أولئك إنهم لا ينفون ولا يثبتون أن القرآن مخلوق؟!!. لا شك في أن الجواب هو أن هذا غير جائز البتة، لأن هذا مغالطة، فكذلك هنا، فتأمل. وابن تيمية هو نفسه يقول “والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته”. [مجموع الفتاوى: 16/ 432].

ولم أقف على اسم رجل واحد من أهل السنة قال عن الله تعالى إنه جسم، وذُكر في ترجمة محمد بن كرام أنه قال عن الله تعالى إنه جسم لا كالأجسام، وهذا بدعة من بدع الاعتقاد.

هذا وقد وقفت على أسماء جماعة من العلماء قبل ابن تيمية رحمهم الله لا يسكتون عن هذه المسالة ويصرحون بأن الله تبارك وتعالى ليس بجسم، فمنهم:

الإمام أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل المتوفى سنة 324 في رسالته إلى أهل الثغر، وقال في مقالات الإسلاميين: “وقال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس بجسم”. فانظر إلى عزوه هذا إلى أهل السنة وأصحاب الحديث.

أبو بكر الرازي الجصاص أحمد بن علي، الفقيه الحنفي الزاهد الورع صاحب كتاب أحكام القرآن والمتوفى سنة 370.

الكلاباذي محمد بن إسحاق المتوفى سنة 380 في كتابه التعرف لمذهب التصوف، إذ يقول: “أجمعت الصوفية على أن الله واحد أحد فرد صمد ليس بجسم”.

أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب المتوفى سنة 403 في كتابه تمهيد الدلائل.

ابن فـُورك محمد بن الحسن المتوفى سنة 406 في كتابه مشكل الحديث وبيانه.

أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي الحنبلي المتوفى سنة 410.

أبو نصر الوائلي السجزي عبيد الله بن سعيد المتوفى سنة 444، في رسالته إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت إن ثبتت نسبتها إليه.

الماوردي علي بن محمد بن حبيب المتوفى سنة 450 في كتابه أعلام النبوة.

الإمام البيهقي أحمد بن الحسين بن علي المتوفى سنة 458 في كتابه شعب الإيمان وكتابه الاعتقاد.

القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء شيخ الحنابلة والمتوفى سنة 458 في عقيدته التي ذكرها ولده في طبقات الحنابلة.

الإمام ابن عبد البر الأندلسي المتوفى سنة 463 في كتابه التمهيد في شرح الموطأ.

أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن المتوفى سنة 465 في كتابه الرسالة القشيرية.

الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ابن منده المتوفى سنة 470، فقد نقل عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء أنه قال “وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من الشبه والمثل والضد والند والجسم والأعضاء والآلات”.

أبو المظفر الإسفـَراييني طاهر بن محمد المتوفى سنة 471 في كتابه التبصير في أصول الدين.

المتولي عبد الرحمن بن مأمون المتوفى سنة 478 في كتابه الغنية في أصول الدين.

أبو حامد الغزالي محمد بن محمد بن محمد المتوفى سنة 505 في كتابه قواعد العقائد وكتابه معيار العلم.

الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر المتوفى سنة 571 في تبيين كذب المفتري.

ابن الجوزي الحنبلي عبد الرحمن بن علي بن محمد المتوفى سنة 597 في كتابه التبصرة وكتابه تلبيس إبليس.

ـ ثم إنني لم أقل إن ابن تيمية يقول بالتجسيم، وإنما قلت كان يميل إليه، ولا بد من التنبه للفرق بين اللفظين، والذي وقفت عليه من كلامه هو أنه لا يقول إن الله جسم، ولا يقول إنه جسم لا كالأجسام، ولا يقول إنه ليس بجسم.

لكن ما وجه قولي بأن ابن تيمية كان يميل إلى التجسيم؟ هنالك قرائن أذكر هنا بعضها:

* القرينة الأولى على ميل ابن تيمية للتجسيم:

موقفه من الأحاديث النبوية فيه دلالة واضحة على ذلك، ولننظرْ على سبيل المثال إلى موقفه من حديث “كان الله ولم يكن شيء غيره” وحديث أطيط العرش “وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب”:

الحديث الأول الدال على التنزيه وهو حديث “كان الله ولم يكن شيء غيره” يرده بدعوى أن هذا اللفظ مروي بالمعنى على الرغم من صحته وثبوته بهذا اللفظ، والحديث الذي فيه رائحة التجسيم وهو حديث “وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب” يقبله على الرغم من ضعفه ونكارته!.

حديث “كان الله ولم يكن شيء غيره” صحيح ثابت، ومدلوله هو ما صرح به جماعة من أئمة المسلمين ممن يُستبعد أن تخفى عليه أقوالهم، ولكنه أعرض عن البحث في هذا، وكان مما قاله فيه: “وهذا الحديث لو كان نصاً فيما ذُكر فليس هو متواتراً، فكم من حديث صحيح ومعناه فيه نزاع كثير، فكيف ومقصود الحديث غير ما ذُكر؟! ولا نعرف هذه العبارة عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين”!!. [نقد مراتب الإجماع: 1/ 304].

وحديث الأطيط المشتملُ على أن العرش أو الكرسي يحْدث صوتا من جلوس الله عليه من ثِقـَله كما يحْدِث الرحْل الخشبي الجديد صوتا من الحِمْل الثقيل إذا وُضع عليه: مقبول عنده، بل يقول “أكثر أهل السنة قبلوه”!!. [مجموع الفتاوى: 16/ 435].

ـ ويحسن هنا الكلامُ في تخريج حديث الأطيط ودراسة أسانيده ليُعرف حاله، ثم نقْلُ بعض كلام ابن تيمية حول هذا الحديث مع التعليق عليه:

المطلب الأول في تخريج حديث الأطيط ودراسة أسانيده:

ـ رُوي حديث أطيط العرش أو الكرسي من علو الله جلَّ وعلا عليه من حديث جبير بن مطعم وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم:

ـ فأما حديث جبير بن مطعم فرواه …

ـ وأما حديث عمر بن الخطاب فرواه …

ـ وأما حديث ابن مسعود فرواه …

ـ وقد ظهر بما لا خفاء فيه أن طرق الروايات السابقة كلها ضعيفة وبعضها شديد الضعف، وأنها لا تصلح للاحتجاج في إثبات حكم شرعي في مسألة عملية فقهية، فكيف يُحتج بها في مسألة من مسائل العقيدة؟!!.

وأما المتن فلا شك في نكارته، إذ تجعل تلك الرواياتُ ربَّنا تبارك وتعالى كأنه جسم قاعد على العرش أو الكرسي، وأن ما يحمله يصْدِر صوتا من ثقله عليه كصوت الرَحْل الخشبي الجديد من الحِمل الثقيل!!. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ـ لا شك في أن مصدر تلك الروايات المصنوعة هو تلبيسات الوضاعين الذين يروجون أمثال تلك الروايات، ومن المفيد أن نعلم أنهم كثيرا ما يأخذون جزء من نص صحيح ويبنون عليه ما يريدون، لأن هذا أقرب إلى أن تستسيغه عقول السذج من الضعفاء فيتناقلوه ويروجوه بين الناس.

ـ وأصل النص هو ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أطيط السماء التي تحمل الملائكة، وهو من رواية أبي ذر وحكيم بن حزام والعلاء بن سعد رضي الله عنهم، وهذه رواياته وأسانيدها:

ـ فأما حديث أبي ذر فرواه … عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحُقَّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُعُدات تجأرون إلى الله”.

ـ وأما حديث حكيم بن حزام فرواه …

ـ وأما حديث العلاء بن سعد فرُوي من طريق …

ـ كعب الإحبار ورواية الأطيط المنكرة:

روى أبو الشيخ في كتاب العظمة من طريق … عن عطاء بن يسار أنه قال: أتى كعْبًا رجلٌ وهو في نفر فقال: يا أبا إسحاق حدثْني عن الجبار تبارك وتعالى. فقال كعب: “أخبِرُك، إن الله تعالى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل تبارك وتعالى ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض، وجعل كِثـَفـَها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه، فما من السماوات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل العلافي أولَ ما يُرتحل من ثِقـَل الجبار تبارك وتعالى فوقهن”. قال أبو صالح: العلافي: الجديد.

ـ خلاصة القول هي أن حديث “أطـَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد” صحيح ثابت، وأن حديث “إن الله لفوق سماواته على عرشه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب” ضعيف السند منكر المتن، وأن كعب الأحبار هو أحد الناقلين لهذه الأساطير اليهودية والمروجين لها بين الضعفاء السذج من المسلمين، ولعله هو المصدر فيها.

المطلب الثاني في نقل بعض كلام ابن تيمية حول حديث الأطيط مع التعليق عليه:

قال رحمه الله: [وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي وغيرهما، لكن أكثر أهل السنة قبلوه، وفيه “إن عرشه أو كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربعة أصابع، أو فما يفضل منه إلا قدر أربعة أصابع، وإنه ليَئِط به أطيط الرَّحْل الجديد براكبه”، ولفظ الأطيط قد جاء في حديث جبير بن مطعم الذي رواه أبو داود في السنن، وابن عساكر عمل فيه جزءً، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق، والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد وأبي داود وغيرهما، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى، ولفظ الأطيط قد جاء في غيره، وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا، وذكر أنه حدَّث به وكيع، لكن كثير ممن رواه رووه بقوله إنه “ما يفضل منه إلا أربع أصابع”، فجعل العرش يفضل منه أربع أصابع، واعتقد القاضي وابن الزَّاغُوني ونحوهما صحة هذا اللفظ، فأمَرُّوه، وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء]. ثم ردَّ رواية “ما يفضل منه إلا أربع أصابع” وقال بعد الرد: “وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش وأنه مع هذه العظمة فالرب مستو عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع”. [مجموع الفتاوى: 16/ 434 ـ 437].

يبدو أن ابن تيمية رحمه الله لم يدرس أسانيد حديث أطيط العرش، ولم يتأكد من صحته، وراح يثبته ويخوض في الدفاع عنه وبيان معناه!، كيف هذا وهو الذي يقول في بعض كلامه في موضوع آخر: “ولكن إذا لم يرِدْ به الخبر ولم يُعلم ثبوته يُسكت عنه فلا يُتكلم في الله بلا علم، ما عُلم ثبوته أُثبِت، وما عُلم انتفاؤه نُفي، وما لم يُعلم نفيه ولا إثباته سُكت عنه، هذا هو الواجبُ، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته، والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما عُلم أنه كذب، فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة وعظَّم السنة والشرع وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة جمعوا أحاديث ورَدت في الصفات، منها ما هو كذب معلوم أنه كذب، ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، ومنها متردد، وجعلوا تلك الأحاديث عقائد”. [مجموع الفتاوى: 16/ 431 ـ 432].

أقول:

فليته ـ على الأقل ـ طوى صفحة مثل تلك الروايات الضعيفة المنكرة التي جاءت في الأطيط وسكت عنها. وإذا كان ابن تيمية لم يجد الوقت لدراسة أسانيد حديث الأطيط للتأكد من صحته فما الذي صده عن إدراك نكارته ؟! وهل هناك سبب سوى ميله للتجسيم ؟!.

ومن العجائب أن يقع التساهل في دراسة الأحاديث المتعلقة بالعقائد، وأن يُعتمد فيها على ما لو جاء به حكم فقهي لكان دون درجة القبول، والأحكام الفقهية العملية على الرغم من وجوب الاحتياط فيها فشأنها أسهل من موضوع العقائد، لأن الأقوال في الفقه دائرة بين الصواب والخطأ، أما الكلام في العقائد فقد ينبني عليه الحكم بتكفير مسلم أو القول بأنه مبتدع ضال وليس بناج وأنه من أهل النار!!.

قد يُقال: إن حديث الأطيط رواه الإمام أحمد وجماعة ممن صنفوا في السنة، وفي هذا دليل على أنهم يرجحون ثبوته!. فأقول: لم أجده في مسند أحمد، ولا في كتيِّب الرد على الزنادقة والجهمية المنسوب له، وهو في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد بروايته له عن أبيه وغيره، ولكن نسبة الكتاب إليه ليست بثابتة.

وعلماء الرواية يروون ما عندهم بأسانيدهم، ويجعلون العهدة على رجال تلك الأسانيد، ولذا فإنه يقع في المرويات المسندة كثير من الروايات الضعيفة وبعض الروايات المنكرة والموضوعة، ومجرد رواية الحديث بالسند ليست دليلا على أن المؤلف يقبله، فلا بد من الإتيان بالقرينة الدالة على قبوله، وإذا كان الذين روَوْه وقبلوه جماعةً فهل هم أكثر أهل السنة ؟! وما نسبتهم إلى الذين أعرضوا عنه ؟؟.

ـ وهذا بعض ما وقفت عليه من الأمثلة الدالة على أن علماء الرواية يجمعون ما وَصَلهم ولا يتكلمون عليه في الغالب لا سندا ولا متنا: …

* القرينة الثانية على ميل ابن تيمية للتجسيم:

موقفه من الآثار المروية في تفسير اسم الله الصمد فيه دلالة واضحة على ميله إلى ذلك، ويحسن هنا الكلامُ في تخريج تلك الآثار ودراسة أسانيدها ليُعرف حالها، ثم نقلُ بعض كلام ابن تيمية عليها مع التعليق عليه:

المطلب الأول في تخريج الآثار المروية في تفسير اسم الله الصمد ودراسة أسانيدها:

الأقوال المروية في هذا عن الصحابة والتابعين ستة:

فأما القول الأول وهو أن الصمد هو الذي لا جوف له أو ما في معناه فقد رُوي عن …

وأما القول الثاني في تفسير الصمد وهو أنه السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج أو ما في معناه فقد رُوي عن …

وهناك قول ثالث أن الصمد هو الباقي بعد خلقه رواه …

وهناك قول رابع أن الصمد الذي لا يأكل الطعام رواه …

وهناك قول خامس أن الصمد الذي لم يلد ولم يولد رواه …

وهناك قول سادس أن الصمد الذي لم يخرج من شيء ولم يخرج منه شيء رواه …

ـ خلاصة الكلام في هذه الأقوال:

القول الأول بأن الصمد هو الذي لا جوف له أو ما في معناه لم يصحَّ عن أحد من الصحابة، وصحَّ عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطية العوفي والحسن البصري والضحاك بن مزاحم من التابعين.

القول الثاني بأن الصمد هو السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج أو ما في معناه: إسناداه عن ابن مسعود وابن عباس فيهما لين، وصحَّ عن أبي وائل شقيق بن سلمة وإبراهيم النخعي من التابعين.

القول الثالث بأن الصمد هو الباقي بعد خلقه صحَّ عن الحسن وقتادة من التابعين.

القول الرابع بأن الصمد هو الذي لا يأكل الطعام صحَّ عن الشعبي والحسن من التابعين.

القول الخامس بأن الصمد هو الذي لم يلد ولم يولد صحَّ عن الربيع بن أنس من التابعين.

القول السادس بأن الصمد هو الذي لم يخرج منه شيء و لم يخرج من شيء صحَّ عن عكرمة من التابعين.

المطلب الثاني في نقل بعض كلام ابن تيمية حول الآثار المروية في تفسير اسم الله الصمد والتعليق عليه:

قال ابن تيمية رحمه الله: “والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة، قد يُظن أنها مختلفة، وليس كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما أن الصمد هو الذي لا جوف له، والثاني أنه السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج، والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين، والاشتقاق يشهد للقولين جميعا وهو على الأول أدل”. [مجموع الفتاوى: 17/ 214 ـ 215. بيان تلبيس الجهمية: 1/ 511، وفي الطبعة الأخرى: 3/ 54 ـ 55].

وقال: [وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد “الذي لا جوف له”، … وهذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه وأن يخرج منه شيء، إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مُصْمَت”. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 48 ـ 49، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 50 ـ 51].

لي على كلام ابن تيمية ملحوظات:

ـ قوله “والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة قد يُظن أنها مختلفة وليس كذلك”: ليس بصحيح، فهي مختلفة المعنى، لأنها ليست بمعنى واحد.

ـ قوله “بل كلها صواب” ليس له عليه دليل، فمجرد ثبوت قول ما عن بعض التابعين لا يُعد دليلا على صوابه إذا كان في الفقه، وفي العقيدة من باب أولى، وخاصة إذا علمنا أن جماعة منهم كانوا يسمعون من مسلمة أهل الكتاب وينقلون أقوالهم.

ـ قوله “القول بأن الصمد هو الذي لا جوف له هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين” غير صحيح، فإنه لم يصحَّ عن أحد من الصحابة، وصحَّ عن أربعة من التابعين وصحَّ غيره من الأقوال عن ستة من التابعين، وهذا باستثناء الحسن البصري لأنه قد صحَّ عنه ذلك القول وصحَّ عنه غيره.

ـ قوله “الصمد الذي لا جوف له والصمد السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج، والاشتقاق يشهد للقولين جميعا، وهو على الأول أدل” غير صحيح، فالاشتقاق لا يشهد للقول الأول، بل للقول الثاني فقط. ولم أجد في كتب اللغة ما يشهد لاستعمال المشتقات من لفظ الصمد بمعنى الذي لا جوف له.

ـ فتبين بهذا أن قول ابن تيمية بأن الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول باطل من حيث اللغة، لأنه لا يدل على القول الأول أصلا، وأما قوله “وهو على الأول أدل” فهو أظهر في البطلان.

ـ قوله “وقد رووا بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين في الصمد الذي لا جوف له” غير صحيح، فإنه ليس بثابت عن أحد من الصحابة، كما تقدم في تخريج تلك الأقوال ودراسة أسانيدها.

ـ قوله “هذه الصفة تستلزم امتناع التفرق عليه وأن يخرج منه شيء، إذ ذلك ينافي الصمدية، وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مصمت” كلام واضح في التجسيم، لأنه يعني أن الله تبارك وتعالى له أبعاض ولكن يستحيل أن تتفرق أبعاضه وتنفصل عن بعضها، وأن تفرقها ينافي الصمدية، وكأنه جل وعلا مركب من أجزاء!!، وقوله “وهو ما احْتـُج به في أنه جسم مصمت” هو في العقيدة، وقد ذكره في معرِض الإقرار ولم يعلق عليه!!. فهل هذه هي عقيدة السلف ؟!.

ـ قال الباحث الثاني “إن ابن تيمية رحمه الله يبين في مواضع عديدة حقيقة هذا المصطلح ـ التجسيم ـ وأنه من المصطلحات التي يُستفسر عنها، فإن أريدَ به حق أثبتنا ذلك الحق، وإن أريد به باطل لم نقبله”، ولم يبين لنا ما الوجه الذي يُراد به حق من لفظة الجسم وما الذي يُراد به باطل، وربما يكون لابن تيمية في توضيح هذا كلام في أكثر من موضع، ولكن كلامه هنا يوضح المسألة، فالقول بأنه جسم يجوز عليه التفرق وأن يخرج منه شيء مرفوض عنده، وأما القول بأنه جسم يمتنع عليه التفرق فيبدو أن هذا هو المقبول عنده!!!. ثم يأتي من يقول لنا إن ابن تيمية لا يميل إلى التجسيم!! ويبدو أن المراد هو أنه لا يميل إلى التجسيم الذي يُعنى به أن الله تبارك وتعالى له أبعاض يمكن أن تتفرق وتنفصل عن بعضها!!!. سبحانه وتعالى عما يقولون.

لست بصدد بيان الأدلة على استحالةِ أن يكون الله تعالى جسما، واستحالةِ أن يُوصف بأنه يجوز أو يستحيل عليه التفرق، فمن المقطوع به والمجمع عليه أنه منزه عن ذلك.

ولكن أقول للباحث الثاني: إن قولي في كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ “ابن تيمية لا يصرح بالتجسيم ولكن يميل إليه” هو الذي يعبر عن موقف ابن تيمية من التجسيم، ولم تأتِ بما ينقضه. فتأمل.

* القرينة الثالثة على ميل ابن تيمية للتجسيم:

قال ابن تيمية: “لفظ الجسم والعَرَض والمتحيِّز ونحو ذلك ألفاظ اصطلاحية، وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمة لم يتكلموا في ذلك في حق الله لا بنفي ولا بإثبات، بل بدَّعوا أهل الكلام بذلك وذموهم غاية الذم، والمتكلمون بذلك من النفاة أشهر، ولم يذمَّ أحد من السلف أحدا بأنه مجسم، ولا ذموا المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضا المشبهة الذين يقولون صفاته كصفات المخلوقين، ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعَرَض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولَبْس الحق”. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 100، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 105].

فقوله “ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعَرَض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق” إقرار بأنهم كانوا يذمون لفظ الجسم، ومن الواضح أن ذمهم للفظ الجسم يشمل ذم المجسمة، وقوله “ولم يذمَّ أحد من السلف أحدا بأنه مجسم ولا ذموا المجسمة” دفاع عن المجسمة بأنهم ليسوا مذمومين عند السلف، وهذا مخالف لما قبله، ولولا ميله للتجسيم لما كان للدفاع عن المجسمة معنى.

* القرينة الرابعة على ميل ابن تيمية للتجسيم:

ذكر ابن تيمية حديث “يقبض الله تبارك وتعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟”، ثم قال: [والحديث مروي في الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا، وقال ابن عباس: “يقبض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده”. وفي لفظ عنه: “ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم”. وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث]. [مجموعة الرسائل والمسائل: 4/ 117].

أما قول ابن عباس “يقبض عليهما فما يُرى طرفاهما بيده” فلم أقف عليه مرويا بسند، ووجدته في تفسير مقاتل بن سليمان البلخي بلا إسناد، قال: قال ابن عباس: “يقبض على الأرض والسموات جميعاً فما يُرى طرفها من قبضته”. وهذه صورة تجسيمية تشير إلى أن الأرض والسماوات تكون في قبضة الله تعالى ولا يُرى طرفها من قبضته لكونها أصغرَ من قبضة الرحمن جل وعلا!!، وإيراد هذا الأثر من تفسير مقاتل المتهم بالتشبيه وحشْرُه مع الصحاح ومحاولة تثبيته بقوله “وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث” أمر يدعو إلى العجب!، ولولا ميله للتجسيم لما كان لإيراده معنى.

* القرينة الخامسة على ميل ابن تيمية للتجسيم:

نقل ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى عن ابن قتيبة أنه قال في كتابه تأويل مختلف الحديث [قوله “الرحمن على العرش استوى” أي استقر، كما قال “فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك” أي استقررت]. ونقل عن القاضي عن عبد الوهاب أنه قال “استوى: قعد”. ولم يتعقبه. [بيان تلبيس الجهمية: 1/ 434، وفي الطبعة الأخرى: 2/ 468. مجموع الفتاوى: 5/ 404].

ونقل ابن تيمية عن أبي عمر الطـَلـَمَنْكي أنه قال “وقال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم وهم كثير: إن معنى استوى على العرش استقر”. ولم يتعقبه. [مجموع الفتاوى: 5/ 519].

والصحيح عن ابن المبارك هو ما ذكره الترمذي في السنن حيث قال “والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تـُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يُقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تـُروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمَن بها ولا تـُفسر ولا تـُتـَوهم ولا يُقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه”.

ونقل ابن تيمية عن البغوي أنه قال في تفسير قوله تعالى {ثم استوى على العرش}: “قال الكلبي ومقاتل: استقر”. ولم يتعقبه. [مجموع الفتاوى: 16/ 400].

والكلبي هو محمد بن السائب بن بشر الكلبي وقد اتهمه أربعة من الأئمة بالكذب، والمنقول هنا عن الكلبي هو من رأيه لا من روايته، ومع ذلك فلا ينبغي السكوت عليه.

وأما مقاتل بن سليمان فقد اتهمه سبعة من الأئمة بالكذب، وقال فيه ابن حبان: “كان يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها يشبه الرب عز وجل بالمخلوقين”. فهل السكوت على مثل هذه الروايات في تفسير الاستواء بالاستقرار والقعود إلا دليل على الميل للتجسيم ؟!.

* القرينة السادسة على ميل ابن تيمية للتجسيم: قال ابن تيمية: [كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، … وقال الله تعالى في حق المسيح وأمه “ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام”، فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى، والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل، إذ ذاك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكملُ ممن لا يقدر على الفعل، وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم الضعفَ والعجز الذي يُنزه عنه سبحانه، بخلاف الفرح والغضب، فإنه من صفات الكمال”. [مجموع الفتاوى: 3/ 86].

قوله “كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به” لا دليل عليه إلا إذا كان الخالق من جنس المخلوق!، وهيهات!، والله جل وعلا متصف بالكمال المطلق الذي لا يدانيه فيه مخلوق، وليس كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به!، فالمخلوق الذي له زوجة أكمل ممن لا زوجة له، والذي له أولاد أكمل ممن ليس له ذلك، وقد قال تعالى {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية}، فهذه صفة كمال في أكمل المخلوقين، وهم الأنبياء والرسل الكرام، عليهم صلوات الله وسلامه، فهل يُتصور في العقل أن الخالق جل جلاله يجوز عليه هذا الوصف ؟!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

استدلاله بقوله تعالى “كانا يأكلان الطعام” على نفي الألوهية بذلك عن سيدنا عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام صحيح، ولكن هل هذا هو كل ما في الآية؟!، هل كل ما تعنيه هو أنهما كانا يأكلان الطعام وأن الله تعالى بخلاف ذلك؟!، أليست الآية الكريمة تشير إلى أنهما أجسام مفتقرة إلى ما يحتاجه الجسم وأن الله تعالى بخلاف ذلك كله لأنه ليس بجسم ولأنه هو الغني؟!.

ابن تيمية ينزه الله تعالى عن الكبد والطحال لأنه منزه عن الأكل والشرب، وينزه الله تعالى عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وهذا عنده بخلاف اليد التي هي للعمل والفعل، ولا شك في أن هذا الكلام لا نجده ولا نجد ما يشبهه في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فما الذي يدعوه للخوض في هذا سوى الصورة المتخيَّلة للأعضاء في جسم الإنسان؟!، وليته نزَّه الله تعالى عن الجسمية ولوازم الجسمية، وليته فهم النصوص بفهم من يتذوقون لسان العرب من أئمة السلف الصالحين.

ثم إنه يقرر في كلامه أن من يقدر أن يفعل أكملُ ممن لا يقدر على الفعل، ولكن أيهما أكمل: الخالق الذي يقول للشيء كن فيكون وهو غني عن آلة العمل والفعل أو الذي لا يخلق بغير آلة العمل والفعل التي هي اليد؟!.

ما الذي يعنيه بأن الله تعالى يُوصف بالفرح والغضب وأنهما من صفات الكمال؟!!، وكلا الوصفين ليسا من صفات الكمال بإطلاق، فقد قال تعالى {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}، وذكر الفرح في عدة آيات في معرض الذم، منها قوله تعالى {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفـَرِح فخور}، وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني فقال له “لا تغضب”.

* القرينة السابعة على ميل ابن تيمية للتجسيم:

قال ابن تيمية: [الأدلة الشرعية والعقلية يُعلم بها تنزهُ اللهِ تعالى أن يكون من جنس أجساد الآدميين أو غيرها من المخلوقات، لكن المستدل على ذلك بقوله {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار} استدل بحجة ضعيفة، … والمقصود أن ما أخرجه كان جسدا مُصْمتا لا روح فيه حتى تبين نقصُه، وأنه كان مسلوب الحياة والحركة، … ولكن الله سبحانه بيَّن أن المُخْرَج كان موصوفا بصفات النقص، يحقق ذلك أنه سبحانه قال {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا}، فلم يذكرْ فيما عابه به كونه ذا جسد، ولكن ذكر فيما عابه به أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، ولو كان مجردُ كونه ذا بدن عيبا ونقصا لذكر ذلك، فعُلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيبٌ ونقصٌ]. [مجموع الفتاوى: 5/ 220].

وقال: “وأهل السنة والجماعة المتبعون لإبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يثبتون ما أثبتوه من تكليم الله ومحبته ورحمته وسائر ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وينزهونه عن مشابهة الأجساد التي لا حياة فيها“. [مجموع الفتاوى: 16/ 208].

فابن تيمية ينزه الله تعالى عن أن يكون من جنس أجساد الآدميين أو غيرها من المخلوقات، لكن لا ينزهه عن أن يكون جسدا بإطلاق، وينزهه في النص الثاني عن مشابهة الأجساد التي لا حياة فيها، ولا ينزهه عن مشابهة الأجساد بإطلاق، ومن أقواله “ولا يلزم من نفي الخاص نفيُ العام”، [في مجموع الفتاوى: 5/ 215]، وفيه إشارة إلى أنه لا يلزم من نفي المقيد نفيُ المطلق.

ثم إنه صرح بأن الإله إذا كان ذا جسد وبدن فإن هذا ليس عيبا ولا نقصا فيه، وذلك إذ قال في إبطال الله تعالى لإلهية العجل الذي اتخذه السامري: “فلم يذكرْ فيما عابه به كونه ذا جسد، ولكن ذكر فيما عابه به أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، ولو كان مجردُ كونه ذا بدن عيبا ونقصا لذكر ذلك، فعُلم أن الآية تدل على نقص حجة من يحتج بها على أن كون الشيء ذا بدن عيبٌ ونقصٌ”.

ومراده ـ كما هو ظاهر ـ أن يقول “فعُلم أن الآية تدل على نقـْصِ حجةِ من يحتج بها على أن كون الإله ذا بدن عيبٌ ونقصٌ”، لأن الكلام هنا هو في دعوى إلهية العجل، فلمَ عدَل عن لفظة الإله التي يقتضيها السياق إلى لفظة الشيء؟ أي لمَ عدَل عن الصواب الظاهر إلى التعمية؟ لا أدري. ولا شك في أن كون الشيء المخلوق ذا بدن ليس عيبا ولا نقصا، ولكن الكلام هنا ليس في الشيء المخلوق، وإنما الكلام في الإله، وما من شك في أن الإله الخالق لا يكون ذا بدن، وكونه ذا بدن هو فيه عيبٌ ونقصٌ، إلا عند من تشتبه عليه صفات الخالق بالمخلوق.

انتهى النص المنقول من كتاب “عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار”، وهو الذي طبعته دار الفتح بعمَّان بعنوان “عقائد الأشاعرة وجولة جديدة من الحوار”.

والحمد لله رب العالمين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.