الحوار الثاني حول حديث “إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين”

الحوار الثاني حول حديث “إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين”

 

قرأ أحد الإخوة الكرام ما كتبتُه من تضعيف حديث “إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين” فقال معلقا على كلامي:

[في كلامه ملاحظات يطول تفصيلها، لكن من أهمها: الخلل المنهجي المتمثل بإقامة القرائن ـ التي يستند إليها حيث لا دليل ـ مقام اﻷدلة الصريحة، فهنا تصريح سفيان بالسماع وهو ثقة إمام جليل دليل على اللقي، ومعارضته بأن خمسة لم يصرحوا بالسماع فيه خلل، فالعنعنة لا تعارض السماع أصلا ﻷنها تحتمله، فإذا ورد السماع بطريق صحيح حُملت العنعنة عليه، أما النظر في وفيات شيوخ الحسن من البصريين فاستدلال جيد إجمالا، لكنه لا يعدو كونه قرينة تاريخية يُلجأ إليها حيث لم يرد دليل صريح، بخلاف ما هنا، حيث ورد تصريح سفيان بن عيينة بالسماع صريحا، واعتمده البخاري وهو صاحب شرط ثبوت اللقي، كذلك استند على أن الحسن لم يسمع من أبي بكرة كونه كان كاتبا للربيع في خراسان، وأنه لم يجد من نص على أنه ترك الكتابة له قبل وفاته سنة 51، وهذا استدلال بعدم الوجدان! وهو لا يدل على عدم الوجود، فهل ثبت لديه مَن نص على استمرار الكتابة له أيضا؟!، ثم على فرض أنه استمر كاتبا له ألا يمكن أن يحج أو يعتمر فيلقى أبا بكرة؟. والحاصل أن الخلل في منهجه كما قلت هو رد الصريح بالمحتمل وعدم تنزيل الأدلة على مراتبها].

أقول للأخ الكريم:

جزاك الله خيرا على ما قدمتَ وكتبتَ، وخاصة في حرصك وتأكيدك على المنهج، وهذا أمر طيب، لأنه ينبغي تصحيح المنهج ومعالجة الخلل المنهجي أولا ثم البحث في التطبيق.

* مقدمة حول تنوع المنهج في مثل هذا عند المشتغلين بالحديث:

المشتغلون بالحديث الشريف وعلومه عندما يتحدثون عن المنهج ينبغي أن يلاحظوا أن المنهج هنا على نوعين:

الأول هو المنهج الناقد، وهو معرفة حال ظاهر الإسناد مع الاهتمام بمعرفة العلل والشذوذ، وهو الذي كان عليه كبار أئمة المحدثين النقاد، وهذا يهتم بحال ظاهر الإسناد ولا يلغي دلالة القرائن على الإعلال أو الشذوذ.

الثاني هو المنهج الظاهري، وهو معرفة حال ظاهر الإسناد مع الإعراض عن معرفة العلل، وهو الذي يمشي عليه المتأخرون غالبا، وهذا يهتم بحال ظاهر الإسناد ولا يلقي بالا لدلالة القرائن على الإعلال أو الشذوذ.

مثال:

قال أبو عبد الله الحاكم عن أحد الأحاديث في كتابه معرفة علوم الحديث: “هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلله بها، فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون، قال محمد بن إسماعيل البخاري: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟!. فقال: كتبته مع خالد المدائني. قال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ”.

فهذا كلام بعض الأئمة النقاد في هذا الحديث، وأعله كذلك: أبو حاتم الرازي وأبو داود والترمذي والخطيب البغدادي والبيهقي.

وجاء بعض الناس من بعدهم فصحح الحديث وقال: “الإسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وقد أعله الحاكم بما لا يقدح في صحته”. وهذا كلام المشتغلين بالحديث على الطريقة الظاهرية.

فكلام البخاري والحاكم على هذا الحديث ـ عند هذا المتأخر ـ لا يُلتفت إليه، حتى وإن أيدته أقوال أبي حاتم الرازي وأبي داود والترمذي والخطيب البغدادي والبيهقي وغيرهم، لأنه يخالف حال ظاهر الإسناد.

وعلى مثل هذا المنهج الظاهري يمكن تنزيل كلام الأخ الكريم المعترض على كلامي حيث يقول: “الخلل المنهجي المتمثل بإقامة القرائن التي يستند إليها حيث لا دليل مقام اﻷدلة الصريحة”.

* قال الأخ المعلق:

“فهنا تصريح سفيان بالسماع وهو ثقة إمام جليل دليل على اللقي، ومعارضته بأن خمسة لم يصرحوا بالسماع فيه خلل، فالعنعنة لا تعارض السماع أصلا ﻷنها تحتمله، فإذا ورد السماع بطريق صحيح حُملت العنعنة عليه”.

أقول:

روى البخاري حديث “إن ابني هذا سيد” من طريق سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن البصري أنه قال: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: “إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين”. ثم نقل البخاري عن شيخه علي بن المديني أنه قال: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبى بكرة بهذا الحديث.

المنهج الظاهري يقول بأن السند الذي ظاهره الصحة يجب أن يكون مقبولا بما فيه، وأنه لا يضيره أن تأتي الطرق الأخرى وفيها اختلاف عن بعض ما فيه إلا إذا كان الاختلاف اختلافَ تعارض، وهذا ما مشى عليه الأخ الكريم، حيث يؤكد على هذا المعنى بقوله: “ومعارضته بأن خمسة لم يصرحوا بالسماع فيه خلل، فالعنعنة لا تعارض السماع أصلا ﻷنها تحتمله، فإذا ورد السماع بطريق صحيح حُملت العنعنة عليه”.

وأما منهج الأئمة النقاد فهو غير هذا، إذ يرون أن السند الذي ظاهره الصحة لا يجب أن يكون دائما مقبولا بكل ما فيه، وأنه قد يؤثر عليه أو على بعض أجزائه أن تأتي الطرق الأخرى وفيها اختلاف عنه أو عن بعض أجزائه، وليس الاختلاف المؤثر عندهم دائما هو اختلافَ تعارض، بل إذا ورد التصريح بالسماع من طريق راو ثقة وجاءت عدة طرق عن شيخ ذلك الراوي بالعنعنة صار التصريح بالسماع ـ حسب منهج هؤلاء ـ فيه نظر، أما إذا جاءت عدة طرق عن شيخ ذلك الراوي وعن شيخ شيخه بالعنعنة فإن التصريح بالسماع ـ عندهم ـ يصبح بغلبة الظن وهَما من الأوهام.

وهذه بعض الأمثلة من كلامهم ليتضح منهجهم في هذه النقطة:

1 ـ روى ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل عن أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم أنه قال عن بعض الأحاديث المروية عن عائشة رضي الله عنها: سمعت أبا عبد الله أحمد ابن حنبل وذكَرَ حديثَ خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة، فقال: مرسل. فقلت له: “عراك بن مالك قال سمعت عائشة”!. فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟!، إنما يروي عن عروة، هذا خطأ. ثم قال لي: من روى هذا؟!. قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء. فقال: [رواه غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه “سمعت”، وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه “سمعت”].

هذا الحديث رواه حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك أنه قال سمعت عائشة، ولم يأبه الإمام أحمد لهذا الطريق الذي جاء فيه “عن عراك بن مالك أنه قال سمعت عائشة”، للقرائن التي تدل عنده على أن عراك بن مالك لم يسمع منها، ومن تلك القرائن أن عددا من الرواة رووه عن حماد بن سلمة وعددا من الرواة رووه عن خالد الحذاء كذلك وكلهم لم يذكروا السماع بين عراك بن مالك وعائشة.

أما على المنهج الذي يتبناه الأخ المعلق فكان ينبغي أن يُرد على ابن حنبل وابن أبي حاتم! وأن يُقال لهما: “العنعنة لا تعارض السماع أصلا ﻷنها تحتمِله، فإذا ورد السماع بطريق صحيح حُملت العنعنة عليه”.

2 ـ نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وابن حجر في تهذيب التهذيب عن الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله أنه قال: [كان مبارك بن فضالة يرفع حديثا كثيرا، ويقول في غير حديث “عن الحسن قال حدثنا عمران”، “قال حدثنا ابن مغفل”، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك]. فهذا من حيثيات التضعيف.

وعلى المنهج الذي يتبناه المعلق كان ينبغي أن يُرد على ابن حنبل وابن أبي حاتم وابن حجر!.

3 ـ قال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عن حديث رواه أبو داود الطيالسي عن همَّام عن قتادة عن عزرة عن الشعبي أنه قال أخبرني أسامة بن زيد. فقال أبي: “هذا خطأ، الشعبي لم يسمع من أسامة شيئا فيما أعلم”. [همام بن يحيى كان ثبتا في قتادة].

4 ـ قال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر أنه سمع أبا سلام الأسود قال: سمعت عمرو بن عبسة. فقال أبي: “ما أدري ما هذا؟! لم يسمع أبو سلام من عمرو بن عبسة شيئا، إنما يروي عن أبي أمامة عنه”.

فعُلم من منهج الأئمة أنه لا يُنكر الحكم بتخطئة السماع الوارد في الأسانيد ـ حتى ولو كان ظاهرها الصحة ـ إذا كان هناك قرائن تدل عليه.

* قال المعلق:

“ورد تصريح سفيان بالسماع صريحا، واعتمده البخاري وهو صاحب شرط ثبوت اللقي”.

وكأن البخاري إذا اعتمد القول بإثبات السماع فإنه لا يصح ـ عنده ـ أن يُعترض عليه!.

أقول:

الإمام البخاري مكانته كبيرة ودرجته في الحفظ والمعرفة عالية، ولكنه بشر يخطئ ويصيب، ومن الممكن أن يُعترض عليه، فإذا أثبت سماعَ راو من راو آخر فلا بد من مراجعة القرائن وأقوال غيره من أهل العلم، فإذا كانت تخالف ما قاله فلا مانع من المصير إلى ما يخالف قوله.

وهذه بعض الأمثلة على أوهامه في ذكر السماع:

المثال الأول: قال البخاري في التاريخ الأوسط: القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الشامي، سمع عليا وابن مسعود.

وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل: روى عن علي مرسلا وابنِ مسعود مرسلا.

وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: أرسل عن علي وابن مسعود.

وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: أرسل عن علي وابن مسعود، وذكر البخاري أنه سمع عليا وابن مسعود، فوهِم.

ولو نظرنا في القرائن لوجدناها تؤيد ما قاله أبو حاتم وابن عساكر والذهبي، وإليك البيان:

القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي مات سنة 112.

من أقدم من أدركهم القاسم من الصحابة سهل ابن الحنظلية الذي مات بدمشق في صدر خلافة معاوية.

هذا وقد قال القاسم “قدم علينا سلمان الفارسي دمشق”، وسلمان مات بالمدائن سنة 34 أو 36، وقوله “قدم علينا دمشق” يحتمِل أنه قدم على قومه وأنه لم يره ويحتمِل أنه رآه، فإن كان مراد القاسم أنه رآه فنفترض أن ذلك كان سنة 32 مثلا وأن القاسم كان في الثامنة من عمره فيكون القاسم قد عاش نحوا من 88 عاما، وإن كنت لم أجد من نص على أنه من المعمرين، ولكن الاحتمال قائم وفيه بُعد.

فإن كان هذا الاحتمال مقبولا في سلمان وقدومِه دمشقَ فإنه لا يمكن أن يُقبل في علي رضي الله عنه الذي توفي سنة 40 وفي ابن مسعود رضي الله عنه الذي توفي سنة 32 وما قدم واحد منهما إلى دمشق!.

وهذا يعني أن الإمام البخاري رحمه الله قد وهِم في قوله إن القاسم بن عبد الرحمن سمع عليا وابن مسعود.

المثال الثاني: قال البخاري في التاريخ الكبير: خالد بن اللجلاج أبو إبراهيم العامري، شامي، سمع عمر بن الخطاب. وتابعه على ذلك أبو أحمد الحاكم في كتاب الأسماء والكنى.

ولم يذكر مسلم في كتاب الكنى روايته عن عمر، وقال أبو حاتم في كتاب الجرح والتعديل والمزي في تهذيب الكمال: روى عن عمر رضي الله عنه مرسلا. وقال ابن حبان في الثقات: يروي عن عمر بن الخطاب وأبيه وعبد الرحمن بن عائش.

وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام فيمن ماتوا بعد سنة 110، وقال: “سمع أباه وعبد الرحمن بن عائش وقبيصة بن ذؤيب، وقد أرسل عن عمر وابن عباس، وقال البخاري سمع من عمر، والبخاري ليس بالخبير برجال الشام، وهذه من أوهامه”. وإذا كان خالد بن اللجلاج قد مات بعد سنة 110 فوفاته بعد وفاة عمر رضي الله عنه بثمانية وثمانين عاما على الأقل.

ـ فإذا وجدنا أن البخاري قال سمع فلان من فلان فهو صحيح في الغالب، وهو قرينة من القرائن، ولا ينبغي أن يُعتمد دليلا إلا بعد المراجعة والتأكد.

وهذا بخلاف ما قد يتوهمه بعض طلاب العلم من أن مجرد وجود رواية فلان عن فلان في صحيح البخاري هو دليل على لقيه إياه وسماعِه منه!، لأن البخاري وهو صاحب شرط ثبوت اللقي ـ عندهم ـ لا يرويه هكذا في صحيحه إلا بعد التأكد من اللقي!، وبخلاف ما يتوهمونه من أنه إذا نص البخاري على سماع فلان من فلان فهذا دليل أقوى على إثبات اللقي والسماع!.

وتبين بما قدمته أن مثل هذه التوهمات ليس لها أساس علمي مبني على الاستقراء، وأن ما يظنونه دليلا هو مجرد قرينة، ولا يرقى لمرتبة كونه دليلا بحال من الأحوال.

وبما تقدم يكون ما تخيله المعترض دليلا وأنه يجب اعتماده وتقديمه على القرائن قد سقط تماما، لأنه لا يقوم على أساس من منهج الأئمة النقاد.

* قال المعترض عني:

“استند على أن الحسن لم يسمع من أبي بكرة كونه كان كاتبا للربيع في خراسان، وأنه لم يجد من نص على أنه ترك الكتابة له قبل وفاته سنة 51، وهذا استدلال بعدم الوجدان! وهو لا يدل على عدم الوجود، فهل ثبت لديه مَن نص على استمرار الكتابة له أيضا؟!، ثم على فرض أنه استمر كاتبا له ألا يمكن أن يحج أو يعتمر فيلقى أبا بكرة؟”.

أقول:

ـ ما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، والمطالـَب بالدليل هو من كان قوله بخلاف الظاهر.

ـ قال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل: سئل أبي عن ابن سيرين: سمع من أبي الدرداء؟. فقال: قد أدركه ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام وهذا بالبصرة. ونقله عنه العلائي في جامع التحصيل وابن رجب في شرح العلل وأبو زرعة العراقي في تحفة التحصيل وابن حجر في تهذيب التهذيب.

فعلى المنهج الذي يتبناه المعلق كان ينبغي أن يُرد على أبي حاتم الرازي وابنه والعلائي وابن رجب وأبي زرعة العراقي وابن حجر! وأن يُقال لهم: “ألا يمكن أن يحج أو يعتمر فيلقى أبا الدرداء؟”.

ـ وهذه بعض النبذ المفيدة في أحكام الأئمة بعدم السماع:

روى ابن أبي حاتم في المراسيل عن الإمام أحمد أنه قال: لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما كان ابن عباس بالبصرة واليا أيام علي رضي الله عنهم. وروى نحوه عن علي بن المديني. أي: وكان الحسن البصري وقتها بالمدينة ولم يكن قد قدم إلى البصرة بعد.

وروَى عن علي بن المديني أن الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع، فذُكر له رواية المبارك بن فضالة عن الحسن عن الأسود بن سريع أنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إني حمدت ربي بمحامد، وفيها “أخبرني الأسود”، فلم يعتمد عليٌّ المباركَ في ذلك.

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول وذكر حديثا حدثه مسلم بن إبراهيم حدثنا ربيعة بن كلثوم قال سمعت الحسن يقول حدثنا أبو هريرة قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، قال أبي: لم يعمل ربيعة بن كلثوم شيئا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا. فقلت لأبي: إن سالما الخياط روى عن الحسن قال سمعت أبا هريرة!. فقال: هذا ما يبين ضعف سالم.

ثم إن هذه مجرد قرينة، وليست هي المستندَ في أن الحسن لم يسمع من أبي بكرة، والمستند في ذلك ـ بالإضافة إلى القرائن ـ هو قول ابن معين والدارقطني رحمهما الله بأنه لم يسمع منه، مع ظهور ضعف الحجة التي استند إليها علي بن المديني والبخاري رحمهما الله في إثبات سماع الحسن منه.

فأما حجة البخاري وشيخه ابن المديني فهي قول البخاري في صحيحه تعقيبا على رواية سفيان بن عيينة لحديث “إن ابني هذا سيد” المصرحة بسماع الحسن من أبي بكرة، فقد قال البخاري عقب هذه الرواية: قال لي علي بن عبد الله: “إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث”. وتأمل كلمة “إنما” التي استعملها علي بن المديني هنا، وهي للحصر.

وأما بيان ضعف هذه الحجة فهو ما ذكرته في البحث من أن حسينَ بن علي الجعفي قد سمع هذا الحديث من أبي موسى إسرائيل بن موسى الذي سمعه منه ابن عيينة، وأن رواية أبي موسى هي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ذكر الصحابي أصلا، فضلا عن التصريح بسماع الحسن له من ذلك الصحابي، وأن حسينا الجعفي هو الذي أدخل سفيان بن عيينة على أبي موسى يوم سمعا هذا الحديث منه، مع جزمه بأن ابن عيينة لم يحفظه ووهِم في روايته إذ وصله بذكر أبي بكرة فيه، لأن أبا موسى إنما رواه عن الحسن بالإرسال.

ورفْض هذا البيان الواضح الجلي مكابرة.

ـ المحدثون يعولون كثيرا على القرائن، وخاصة في الإعلال، ومن شاء فلينظر في كتب العلل، ولعل الأقرب لمن يريد البحث السريع كتاب النكت على ابن الصلاح لابن حجر.

ـ ولا تنس أن الروايات في الحديث وفي علوم الحديث هي تاريخ، والتاريخ يقوم على جمع القرائن والنظر فيها للوصول إلى غلبة الظن، وكلما كثرت القرائن الدالة على أمر ما كلما قوي الظن بثبوته، إلى أن يصل الأمر لدرجة الجزم ثم اليقين.

ومن منهج التاريخ أن لا نغفِل الاحتمالات، لكن الاحتمالات التي يُعول عليها هي الاحتمالات القريبة في واقع حياة الإنسان، وليست الاحتمالات العقلية المجردة.

ـ فإن قيل: روى ابن أبي حاتم عن محمد بن سعيد بن بلج الرازي المقرئ عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم أنه سمع جرير بن حازم يسأل بهز بن أسد عن الحسن مَن لقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثا، وسمع من عمران بن حصين شيئا، وسمع من أبي بكرة شيئا. فهل هو حجة في إثبات سماع الحسن من أبي بكرة؟.

فأقول: السند لا بأس به، وبهز بن أسد بصري ثقة مات سنة 200 تقريبا، وهو من شيوخ يحيى بن معين الذي هو أحد مَن نفى سماع الحسن البصري من أبي بكرة، والقرائن تشير لتأييد قول ابن معين، وربما بنى بهز قوله على مثل ما بنى عليه ابن المديني والبخاري قولهما.

* إشكال وجواب:

قد يقول قائل: روى النسائي في السنن الكبرى والصغرى ـ ومن طريقه البيهقي ـ عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن زياد الأعلم عن الحسن البصري، أن أبا بكرة حدثه أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “زادك الله حرصا ولا تعد”. وهذا إسناد ظاهره الصحة عن الحسن البصري رحمه الله يصرح فيه بأن أبا بكرة حدثه بهذا الحديث.

أقول:

هكذا جاء لفظ الأداء في سنن النسائي والبيهقي، ولا بد من البحث للتأكد من صحة هذا اللفظ، لأنه قد يكون وهَما من راويه، فلا بد من تخريج الحديث لمعرفة طرقه ومقارنة اختلاف ألفاظ الرواة إذا كان فيها اختلاف.

هذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي والبخاري في جزء القراءة والبزار وابن الأعرابي في معجمه والطبراني في الصغير من طريق أبي حرة واصل بن عبد الرحمن ويونس بن عبيد والربيع بن صَبيح وهشام بن حسان وأحد الطريقين عن عنبسة بن أبي رائطة الأعور، خمستهم عن الحسن عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، هكذا موصولا وليس فيه لفظ التحديث.

ورواه ابن حنبل ومحمد بن الحسن الشيباني في موطئه وابن حبان من طريق قتادة بن دعامة والمبارك بن فضالة وأحد الطريقين عن عنبسة بن أبي رائطة الأعور، ثلاثتهم عن الحسن أن أبا بكرة دخل المسجد والإمام راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، هكذا مرسلا.

وبقيت رواية زياد بن حسان الأعلم عن الحسن البصري والتي فيها محل الإشكال فأقول:

ورواه ابن حنبل والطحاوي في معاني الآثار ومشكل الآثار والبيهقي من طرق عن حماد بن سلمة، وابنُ حنبل والبخاري في صحيحه والبيهقي من طرق عن همَّام بن يحيى، وابنُ حنبل والبزار وابن الجارود من طريقين عن أشعث بن عبد الملك الحمراني، وابنُ حبان من طريق أحمد بن المقدام العجلي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، أربعتهم عن زياد بن حسان الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، هكذا موصولا وليس فيه لفظ التحديث.

وههنا أقول: رواية النسائي لهذا الحديث “عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن زياد الأعلم عن الحسن البصري أن أبا بكرة حدثه” مخالفة لكل تلك الروايات السابقة، فلا شك في أنها غير محفوظة، والأئمة يحكمون بمثل هذا الحكم بأقل من تلك القرائن.

ومما يزيد التأكيد على حصول الوهَم في هذه الرواية: روايةُ أبي داود للحديث في سننه من هذا الطريق عينه، فقد رواه “عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن زياد الأعلم عن الحسن البصري أن أبا بكرة حدَّث أنه دخل المسجد ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع”، فالرواية الصحيحة الموافقة لمعنى ما رواه الجماعة هي “أن أبا بكرة حدَّث”، وليست بلفظ “أن أبا بكرة حدثه”، وشتان ما بينهما.

وبهذا ظهر جليا جواب الإشكال وأنه لا حجة البتة بهذه الرواية التي تثبت سماع الحسن البصري من أبي بكرة.

ـ كنت قد خرجت هذا الحديث من طريق أحد عشر راويا رووه عن الحسن البصري، وأضيف إليهم اليوم راويا فاتني التخريج من طريقه من قبل، هو جعفر بن حيان، فصار عدد رواته عن الحسن اثني عشر راويا.

فقد رواه الطبراني في المعجم الأوسط عن أحمد بن محمد ابن صدقة، ورواه في المعجم الكبير عن أحمد بن عبد الله البزار التستري، كلاهما عن عبيد الله بن يوسف الجبيري عن محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا أبو الأشهب عن الحسن عن أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما: “إن ابني هذا سيد، وإني أرجو أن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين”.

أحمد بن محمد بن صدقة عن عبيد الله بن يوسف به.

[أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة بغدادي ثقة حافظ مات سنة 293. أحمد بن عبد الله بن عبيد البزار التستري لم أجد له ترجمة. عبيد الله بن يوسف الجبيري بصري ذكره ابن حبان في الثقات ومات سنة 250 تقريبا. محمد بن عبد الله الأنصاري بصري ثقة مات سنة 215، قيل إنه تغير في آخر عمره تغيرا شديدا. أبو الأشهب جعفر بن حيان بصري ثقة مات سنة 165]. وهذا الإسناد لا بأس به في المتابعات.

وكان عدد الذين رووه منهم بالعنعنة “عن الحسن عن أبي بكرة” أربعة فصار اليوم خمسة.

ـ هذا وأنصح الأخ الكريم بقراءة ما كتبته تحت عنوان “الحوار الأول حول حديث إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين”، لتكتمل في الذهن صورة البحث، سائلا المولى تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يحفظنا من الهوى ويجنبنا الردى.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 15/ 9/ 1436، الموافق 2/ 7/ 2015، والحمد لله رب العالمين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.