العقلية العلمية والعقلية الآبائية

العقلية العلمية والعقلية الآبائية

العقلية العلمية تعني أن العقل يسعى إلى العلم والمعرفة ويتخطى الحواجز والعراقيل، وهذا يعنى الحركة الدؤوب والتصحيح والارتقاء المستمر وتشجيع البحث والاستمرار في الإبداع.

العقلية الآبائية تعني أن العقل يميل إلى التمسك بما كان عليه الآباء ويقف عند الذي وصلوا إليه، وهذا يعني الجمودَ والقبول بما هو موجود وإيثار التقليد وتثبيط همم من يفكرون بالبحث، كما يعني قتل روح الإبداع.

قد يقول قائل: هذا صحيح ومفيد في العلوم الدنيوية، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والميكانيك والطب ونحوها، لكن علوم الشريعة التي تُتلقى بالوحي لا يمكن أن يتطرق إليها مثل هذا.

أقول وبالله تعالى أستعين:

كلام الله عز وجل كله حقائق قطعية لا شك فيها.

وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناطقِ بالوحي المبلغِ عن الله تعالى في أمور الشريعة هو كذلك إذا كان ثابتا عنه، وكذلك أفعاله وإقراراته.

لكن كيف نصل إلى أن ما نُقل عنه هو ثابت عنه أو لا إذا لم نكن في زمنه المبارك ولم نسمع منه صلى الله عليه وسلم؟، لا بد من منهج علمي نستند إليه، وهو المنهج الذي أسهم في استلهامه من نصوص الكتاب والسنة كبارُ الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين في كل علوم الشريعة، ثم لا بد من جمع كتب التراث والنظر فيها بتأمل واع وتدقيق.

لا بد من الحذر الشديد مما يحاول العالَمانيون والحِداثيون إدخاله وإقحامه في منهج التفكير، فقد قال الله عز وجل {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}. وقال سبحانه {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}. فالحذرَ الحذرَ.

استنباط الأحكام الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية لا بد فيه من منهج علمي، وهذا المنهج اجتهادي، والأحكام المستنبطة من الأصول على ذلك المنهج اجتهادية، وقد تكون القواعد الأصولية والأحكام الفرعية المستنبطة مما يحتاج لمراجعة.

مرتْ على الأمة فتراتُ ازدهارٍ علميةٌ نبغ فيها علماءُ كبار في شتى فروع المعارف الإسلامية، لكن سنة الله في خلقه قضت أنه يتلو أزمنةَ الازدهار والتقدم فتراتٌ من الركود.

الحوادث المتجددة عبر العصور والمتسارعةُ في عصرنا الحاضر هي بحاجة لمن يتكلم فيها من فقهاء الشريعة ويستنبط لها الأحكام.

بعض الناس يتصورون أن ما توارثته الأجيال عبر القرون الإسلامية من كتب التفسير والحديث والعقيدة والأصول والفقه والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي هو على التمام والكمال، وأن فيها ما يكفي لتصحيح الصحيح وتضعيف الضعيف، وأن فيها ما يغني عن مزيد من النظر للإضافة والمراجعة.

وبعض الناس يتصورون أن ما توارثته الأجيال من تلك الكتب هو على نقيض التمام والكمال، وأن معظمه أخطاء، وأن الحاجة ماسة لإعادة النظر فيه جملة وتفصيلا لأنه ـ بزعمهم ـ لا يصح فيه إلا القليل.

الذي أراه ـ والله أعلم ـ هو لا هذا ولا ذاك، أعني أن التراث الإسلامي في مجمله ناصع مشرق، وأن فيه الكثير من الفحص والتقعيد والتأصيل والمراجعات، وأن فيه بعض الهَنَات التي ينبغي أن تُستكمل، وأن من ينظرون إليه في مجمله أنه على نقيض التمام والكمال هم إما أناس تنقصهم المعرفة أو ينقصهم العدل والإنصاف أو ينقصهم الإيمان واليقين.

نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن نستفيد من البرامج المعلوماتية التي وضعت أمامنا كتبَ التراث الإسلامي وأتاحت لنا من تسهيل سبل البحث الشيء الكثير مما لم يكن يخطر على بال، وهذا نعمة كبرى من الله عز وجل، والنعمة تقتضي شكر المنعم، والشكر المطلوب منا هو أن نستخدم هذه النعمة في البحث العلمي الذي يرضي اللهَ تعالى وأن نحْمَده على ذلك.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واجعلنا هادين مهديين، والحمد لله رب العالمين.