علم الكلام في حوار هادئ

علم الكلام في حوار هادئ

بقلم: صلاح الدين بن أحمد الإدلبي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه.

سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك انت العليم الحكيم.

رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

وبعد، فهذه مقالة حوارية، كتبتها لتوضيح أمر هام أرى أنه في غاية الأهمية لطلاب العلم، تتعلق بعلم الكلام.

الذي أراه منذ زمن بعيد هو أن ما يسمى بعلم الكلام في معظمه شيء عقيم، ولذا فمن مآخذي على كثير من علماء العقيدة ـ ومنهم الأشاعرة ـ إدخالهم علم الكلام في كتب العقائد وتبني الطرق الكلامية في دراستها.

كتبت هذا في مقدمة كتابي “عقائد الأشاعرة في حوار هادئ”، فانبرى بعض الإخوة الأكارم للرد على هذه الفكرة، انتصارا للمذهب الأشعري، وربما يعلمون أو لا يعلمون أن عددا من كبار علماء الأشاعرة رجعوا في أواخر العمر ـ بعد إضاعة كثير من الوقت والجهد ـ إلى هذه الحقيقة.

والغريب من الأشاعرة وغيرهم أن اللاحق لا يستفيد من تجربة السابق، فتبقى الكتب تنسج على ما نسج عليه الأقدمون، وهو خلط الأدلة العقلية بالاستدلالات الكلامية، وبينهما فرق كبير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

 

* قال أحد الإخوة القراء عني وعن كتابي عقائد الأشاعرة في حوار هادئ مع شبهات المناوئين متسائلا:

[خلال تصفحي لهذا الكتاب وجدت كلاما لم يعجبني حول الإمام الجويني والإمام الرازي، حيث قال كاتبه “من مآخذي على الأشاعرة إجمالا دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها، دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج، فنحن أمة أغنانا الله تعالى بالطرق القرآنية في إثبات العقائد، ولا حاجة لنا إلى غيرها، ومن كان من هذا في شك فلينظر ـ على سبيل المثال ـ في الشامل لإمام الحرمين والمطالب العالية للإمام فخر الدين الرازي ـ رحمهما الله وغفر لهما ـ، فإنه يرى فيهما الإغراق الشديد في الطرق الفلسفية العقيمة التي لا تعطي اليقين ولا توصل إلى الهداية”].

وقد علق على هذا التساؤل اثنان من الباحثين:

 

* قال الباحث الأول:

“طبعا ليس بصواب، وعلى عادة الكثير من الناس تسمية كل ما فيه دقة متناهية وتقسيم عميق ونظر دقيق ووضع الاعتراضات والإجابة عنها يسمونه فلسفة، فهم لا يعنون به الفلسفة التي هي علم من العلوم، بل يعنون به ما لم يفهموه هم، فقد يكون مقصود الشيخ من هذا الباب، ثم كتابه ليس بذاك من وجهة نظري، ليس قويا، وقد يكون هو وغيره قد أتِي من حيث لم ينتبه إلى الفرق بين ماهية علم الكلام وماهية الفلسفة، فهما يشتركان من ناحية أنهما يبحثان في أحوال المعلوم، ويختلفان في الحيثية المتعلقة به، فالمتكلم يبحث في أحوال المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية التي جاء بها الوحي، والفيلسوف يبحث في المعلوم من أجل معرفة حقيقته فقط لا من حيث يقتدر به على إثبات عقيدة دينية، فأهم نقطة يظهر فيها الخلاف هي الفرق بين غاية الفلسفة وغاية علم التوحيد (الكلام)، فغاية الكلام إثبات العقائد التي جاء بها النبي، أما الفلسفة فعلى أحسن أحوالها فإنها تنظر إلى العقائد على أنها أشياء غير موثوق بها إطلاقا، هذا على أحسن الأحوال، وفي معظمها إنكار للعقائد من أصلها، وهم يعيبون على المتكلم بحثه في عقائد موجودة مسبقا، إذ الصواب – عندهم – أن تكون عاريا عن كل تصديق وإيمان مسبق حتى يصح لك أن تتفلسف، ثم الفلاسفة أنفسهم لم يستطيعوا أن يعطونا تعريفا محددا للفلسفة، وبعد ذلك اختلفوا إلى فلاسفة إلهيين وطبيعيين وغير ذلك، فأي واحدة من هذه الفلسفات يعني الشيخ؟!، إذ لا تشترِط الفلسفة الإيمانَ بالله ولا بالأنبياء مثلا، على عكس علم الكلام الذي يعدها أصولا، ونقطة أخرى يختلف فيها العِلمان، هي الوسائل المستخدمة في كل منهما، فالفلسفة تعتبر الشيء غير القابل للتجربة غير قابل للبحث، فلا يبحث في الإلهيات كثير منهم، أما عند المتكلم فهذا هراء، فلذلك يبحث في الصفات الإلهية مثلا، وهناك نقاط كثيرة للاختلاف ليس هذا محلَّ بسطها. فإذا عرفتَ هذا علمتَ أن كلام الشيخ لا محل له من الإعراب، وقائله غير متمكن، والسلام].

* وقال الباحث الثاني:

[هذا الانتقاد للأشاعرة طريقة انتقاد هزيلة، لا قوام لها، والقائل بذلك مع ما له من جهد محمود إلا أنه غفـَل عن أساس علم الكلام الذي يوجب على المتكلمين أن يبحثوا في كل ما من شأنه أن يدلّ على العقيدة الحقة، وفي كل ما من شأنه أن ينقض العقيدة الباطلة، وهذا المنهج نفسه موجود في القرآن الكريم، ففيه ذكر العقائد الباطلة والرد عليها، وفيه ذكر العقيدة الصحيحة وذكر الأدلة عليها، فالمتكلمون من حيث المنهجُ العام لم يخالفوا القرآن، فقوله “ومن مآخذي على الأشاعرة إجمالاً دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج” قول باطل، بل هو قولُ من لم يعرف كلام الأشاعرة، فليس لمثلهم يقال إنهم دخلوا في الفلسفة وإنهم تبنوا طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق!، ألهذا الحد يعتقدهم مغفلين غافلين لا يتمتعون بأدنى ذكاء حتى يتبنوا مناهج الفلسفة دون التنبه إلى عقمها؟!، وأنا أجزم أنْ لا أحد يقول بذلك إلا إن كان لم يقرأ كتبهم المفصلة، بل اكتفى بهذه النظرة الإجمالية وتأثر من كثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحداثيين وبعض المجسمة في اتهام الأشاعرة بذلك، ولو أنهم وعَوْا حقيقة ما يقولون وقرأوا بعض مباحث الأشاعرة ونقدهم للفلسفة ومذاهبها لما صدر عنهم ما صدر. أما قوله إنه ليس مقلدا فنقول له لو لم تكن مقلدا لما قررتَ ما قررته، بل ما قلتَه عينُ التقليد، ولكن بدل أن يكون للأشاعرة كان لمخالفيهم ومنتقديهم والغامطين لحقهم].

 

* ـ أقول:

من حق الأخ القارئ أن لا يعجبه كلامي، فالإعجاب وعدم الإعجاب ينبني على ما تقرر في ذهن القارئ قبل ذلك من معلومات، ولقد أحسن في توجهه بالسؤال إلى من يتوسم فيهم العلم والمعرفة. فأشكره على ذلك.

 

أما كلام الباحثين المعلقين على التساؤل ففيه وقفات:

 

* الوقفة الأولى:

أنقل هنا موقف ثلاثة من كبار أئمة الأشاعرة من علم الكلام، وهم من المتفق على جلالة قدرهم وعلو منزلتهم وأنهم من أكبر العلماء بهذا العلم وأكثرهم خبرة به، وهم غير متهمين لا بقلة العلم ولا بمحاباة أحد على أحد، لعل في ذكر موقفهم منه ما يشفي ويكفي.

ـ وقبل ذكر موقفهم منه يحسُن أن أذكِّر بكلمة من كلمات الإمام الشافعي رحمه الله، فقد ثبت عنه أنه قال “لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشركَ خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام”، لكن الذي يرى أن هذا العلم هو علم عقلي حقيقي يمْكن أن يوصل إلى حقائق عقلية فإنه يؤول كل ما جاء عن الشافعي وغيره في ذم علم الكلام بأن المراد هو استخدام هذا العلم في مناقضة الحقائق لا في إثباتها، ولذا فلن أحتج هنا بمثل هذه الكلمات التي قد يدخلها التأويل.

ولا يعنيني في هذا الموقف مسألة استخدام هذا العلم في إثبات أشياء أو في مناقضتها بمقدار الأمر الهام الذي أريد الجواب عنه، وهو هل هذا علم عقلي حقيقي؟!.

إذا كان هو كذلك ـ وهذا ما أقول بخلافه منذ أمد طويل ـ فلا مانع من الاستفادة منه، لأنه بذلك سيكون مؤكدا للحقائق الإيمانية، ونحن نعلم يقينا أن الحقائق العلمية والحقائق الشرعية يستحيل أن تتناقض، بل يؤكد ويعضد بعضها بعضا.

 

* أولا: موقف الفقيه الشافعي الكبير أبي المعالي إمام الحرمين ابن الجويني عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 478:

ـ قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الإسلام: قال السمعاني: قرأت بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي الهمَذاني قال: سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومَهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصْت في الذي نهى عنه أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموتَ على دين العجائز ويختِمَ عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص لا إله إلا الله فالويل لابن الجويني. [محمد بنُ الحسن بنِ محمدٍ أبو جعفر بنُ أبي علي الهمَذاني ثقة مات سنة 531]. ونقلها كذلك تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى عن كتاب ذيل تاريخ بغداد لأبي سعد السمعاني، وهو عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي، ثقة مات سنة 562.

ـ وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: قال السمعاني: سمعت أبا روح الفرج بن أبي بكر الأرموي يقول: سمعت أستاذي غانم بن حسين الموشيلي يقول: سمعت الإمام أبا المعالي الجويني يقول: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام”. ونقلها كذلك ابن كثير في طبقات الشافعيين عن السمعاني. [أبو روح الفرج بن أبي بكر بن الفرج الأُرْمَوي الهمَذاني فقيه فاضل صالح. غانم بن حسين الموشيلي أبو الغنائم الأرموي الأذربيجاني فقيه فاضل ورع مات سنة 525 تقريبا].

ـ وقال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: ذكر ابن السمعاني أنه سمع أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضلِ الحافظَ بأصبهان ذكر عن محمد بن طاهر المقدسي الحافظ أنه قال: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب بنيسابور وكان ممن يختلف إلى درس إمام الحرمين قال: سمعت أبا المعالي يقول: “لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به”. وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام وفي السير عن محمد بن طاهر به.

[أبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الأصبهاني ثقة مات سنة 543. محمد بن طاهر بن محمد بن علي أبو الفضل المقدسي الهمذاني البغدادي ثقة مات سنة 507. أبو الحسن علي بن فضَّال بن علي القيرواني النيسابوري أديب مشهور مات سنة 479‏].

قال السبكي: “يشبه أن تكون هذه الحكاية مكذوبة، وابن طاهر عنده تحامل على إمام الحرمين، والقيرواني المشار إليه رجل مجهول”!.

ـ أقول:

فات تاجَ الدين السبكي رحمه الله معرفة أبي الحسن القيرواني، فظنه مجهولا، ولذا فقد ظن أن هذه الراوية الأخيرة مكذوبة، وهذا تسرع، فأبو الحسن القيرواني رجل معروف، وهو أديب نيسابوري مشهور، وكان يحضر دروس إمام الحرمين، ثم إن تلك الروايات الثلاث عن الإمام يعضد بعضها بعضا.

اجتماع هذه الروايات الثلاثة عن إمام الحرمين رحمه الله يجعلنا لا نشك في ثبوت هذا المعنى عنه، والذي أفهمه من ذلك هو أنه غاص في الكتب التي نهى عن قراءتها والغوصِ فيها علماء الإسلام، وكانت قراءته لها وغوصُه فيها هربا من التقليد، وبحثا عن مزيد من الحقائق والأدلة العقلية، ولا أراها سوى كتب الفلسفة وعلم الكلام ونحوهما، ولا ننسى هنا أنه لا يغيب عن باله ما قاله إمامه الشافعي رحمه الله في علم الكلام على وجه الخصوص، وأفهمُ من ذلك المعنى أنه لم يجد فيها ما يروي غلته، وعاد بعد قراءة أكثر من عشرين مجلدا ضخما بهذه الأمنية: أن يموتَ على دين العجائز، وأن يختِمَ الحق تبارك وتعالى بلطيف بره عاقبة أمره عند الرحيل على كلمة التوحيد، وهذا يعني أنه لم يستفد من كل تلك المجلدات من دلائل التوحيد أكثرَ مما عند المرأة المؤمنة العجوز التي تحرص على تلاوة القرآن بتدبر معاني آياته الكريمة.

ومما يؤكد صحة هذا المعنى الذي فهمتُه عنه قوله “لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام”، ونصيحتُه الذهبية لمن بعده بقوله “لا تشتغلوا بالكلام”.

ولو كان في علم الكلام أدلة عقلية حقيقية لكانت جديرة بالعناية لمزيد تثبيت لعقائد الإسلام عند المهتمين بالأدلة العقلية، ولكان إمامُ الحرمين أولَ الناصحين بقراءة هذا العلم والاهتمام به.

 

* ثانيا: موقف حجة الإسلام الإمام الغزالي محمد بن محمد بن محمد المتوفى سنة 505 وهو من تلاميذ إمام الحرمين:

ـ قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وهو يتحدث في كتابه إحياء علوم الدين عن علم الكلام: “أما منفعته فقد يُظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتُها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعتَه من محدِّث أو حَشَوي فربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خَبَرَ الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وتحققَ أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور، في أمور جلية تكاد تـُفهم قبل التعمق في صنعة الكلام، بل منفعته شيء واحد، وهو حراسة العقيدة على العوام وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا، ومعارضة الفاسد بالفاسد تدفعه“.

ـ أقول:

تدبر قوله “أما منفعته فقد يُظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتُها على ما هي عليه، وهيهات، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف”، وقولَه “الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود”، وقولَه “معارضة الفاسد بالفاسد تدفعه”. وفيه كفاية لمن تدبر.

 

* ثالثا: موقف الإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر المتوفى سنة 606:

ـ ذكر ابن كثير في طبقات الشافعيين عن الإمام فخر الدين الرازي أنه قال: “لقد اختبرتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا”. ثم ذكر نص الوصية التي أملاها في مرض الوفاة، وكأنه يرى أن اللفظ الذي قدمه هو غير اللفظ الوارد في الوصية، أي إنهما كليهما ثابتان عنه.

تأمل قوله “لا تشفي عليلا”، وإذا لم يكن فيها الشفاء للناس من أمراض العقائد الفاسدة فما فائدتها إذًا؟!.

ـ نقل ابن أبي أصيبعة المتوفى سنة 668 وتاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 وابن كثير المتوفى سنة 774 في طبقات الشافعيين وصية فخر الدين الرازي التي أملاها في مرض وفاته، وفيها: “لقد اختبرتُ الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية”. تأمل قوله “تتلاشى وتضمحل”.

ـ ونقل ابن كثير في طبقات الشافعيين والذهبي في تاريخ الإسلام وابن قاضي شهبة في طبقات الفقهاء الشافعية عن ابن الصلاح رحمه الله أنه قال: أخبرني القطب الطوغاني مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول “ليتني لم أشتغل بعلم الكلام”، وبكى. [القطب الطوغاني لم أجد له ترجمة بهذه النسبة، ولكن ميل ابن الصلاح لقبول روايته والتأكيد على أنه سمعها منه مرتين يشير إلى أنه مقبول الرواية عنده]. والظاهر من حال ابن الصلاح ومن نقلوا هذه الحكاية عنه أنهم موافقون على القول الذي نقلوه عنه، وهو قوله “ليتني لم أشتغل بعلم الكلام”.

ثم وقفت على عدة قرائن تشير إلى أن القطب الطوغاني هو الفقيه الشافعي قطب الدين أميري بن بختيار، الأُشْنُهي نزيل إربل، وابن الصلاح فقيه شافعي شَهْرَزُوري، وشهرزور ليست بعيدة من إربل.

مات فخر الدين الرازي سنة 606، ومات قطب الدين أميري بن بختيار سنة 614، ومات تقي الدين ابن الصلاح سنة 643.

وقطب الدين هذا وابن الصلاح كلاهما ممن رحل إلى الموصل لطلب العلم، وكلاهما ممن قرأ على الشيخ أبي حامد محمد بن يونس.

وأما كلمة الطوغاني فربما كان أصل الأسرة من دوغان وكانوا ينطقونها طوغان.

والشيخ قطب الدين أثنى عليه ابن المستوفي في تاريخ إربل فقال: “فقيه عالم زاهد ورع كامل، كثير الخشية والوجل، حسن السمت والوقار، آخذ نفسه بالجد والاجتهاد في العمل، ما رئي ضاحكا إلا متبسما”. ووصفه الذهبي في تاريخ الإسلام بأنه إمام زاهد ورع عالم، ووصفه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى بأنه الفقيه الزاهد.

فإذا صح ما تؤدي إليه مجموعة القرائن من أن القطب الطوغاني هو هذا فالحكاية عن فخر الدين الرازي بأنه قال “ليتني لم أشتغل بعلم الكلام” صحيحة الإسناد، وإلا فهي تتقوى بالروايات الأخرى التي رُويت عنه في هذا المعنى.

* ويمكن أن أضيف إليهم رابعا وإن لم يكن مقاربا لأولئك في رتبة العلم، هو الإمام السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر المتوفى سنة 911:

قال السيوطي رحمه الله في كتابه إتمام الدراية لقراء النُقاية: [علم أصول الدين، بدأتُ به لأنه أشرف العلوم مطلقا، لأنه يبحث عما تتوقف صحة الإيمان عليه، ولست أعني به علم الكلام، وهو ما تـُنصب فيه الأدلة العقلية وتـُنقل فيه أقوال الفلاسفة، فذاك حرام بإجماع السلف، نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى، ومن كلامه فيه “لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشركَ خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام”]. لكن ليت السيوطي قال “الاستدلالات الكلامية” بدلا من قوله “الأدلة العقلية”.

ـ وفي قول هؤلاء الأئمة من أساطين علماء الأشاعرة الذين أفنوا جل أعمارهم في علم الكلام غنيةٌ لمن أراد أن يستبصر وينتفع، إلا إذا كان هؤلاء الأئمة متهمين عند من يظن نفسه أكثر منهم اطلاعا ومعرفة وإخلاصا، فلكل فهمه واجتهاده.

 

* الوقفة الثانية:

قد يتساءل بعض طلاب العلم ومن حقهم أن يتساءلوا: هل علم الكلام هو العلم الذي يُعنى بالأدلة العقلية على إثبات العقائد الإيمانية؟، وإذا كان ذلك كذلك فلمَ قال فيه أولئك الأئمة ما قالوا؟، وهل هذا يعني أنهم كانوا في حيرة من عقائد المذهب الأشعري ثم تابوا في آخر العمر ورجعوا عما كانوا عليه؟!.

وجوابا عن تلك التساؤلات أقول:

علم الكلام عند المسلمين هو علم يراد منه إثبات العقائد الإسلامية بالأدلة العقلية لكن باستخدام المنهج الكلامي الفلسفي اليوناني، أي بطريقة مختلفة عن طريقة النظر والتفكر والتدبر العقلي، إذ لم يتبنَّ علم الكلام الإسلامي ـ من أول أيامه ـ الأدلة العقلية التي ينتجها العقل المتدبر بعيدا عن التأثيرات الخارجية، وإنما بدأ باستعمال ما يُسمى بالأدلة الكلامية اليونانية ممزوجة بالتفكير العقلي لإثبات العقائد، وكان ذلك بسبب الانبهار الشديد بما وصل للمسلمين من كتب الفلسفة التي نقلت أقوال ومناهج فلاسفة اليونان، وعلم الكلام هو جزء من تلك الفلسفة، على خلاف في درجة التأثر بتلك الأقوال والمناهج.

عندما وصل كلام أولئك المتأثرين بأقوال ومناهج الفلسفة اليونانية وعلمِ الكلام اليوناني إلى مسامع علماء الإسلام الكبار أنكروه غاية الإنكار، ويبدو أنهم أنكروا المنهج والطريقة وأنكروا الأفكار الدخيلة وإن كان الإنكار للأفكار أشد، ومن أولئك العلماء الذين وقفوا أمام هذه الهجمة الفكرية الإمامُ الشافعي وغيره عليهم رحمة الله أجمعين.

ولو كان علم الكلام هو العلمَ الذي يُعنى بالأدلة العقلية على إثبات العقائد الإيمانية لمَا أنكروه، وكيف ينكرون على من عمل بما أمره الله به في آيات كثيرة منها قوله تعالى {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}؟!.

كان ذلك المنهج في بداية الأمر منهج المعتزلة على وجه الخصوص، ولكن يبدو أنه انتقل بعد ذلك إلى غيرهم ممن أرادوا أن يستفيدوا من ذلك المنهج وتلك المصطلحات في نصرة العقائد الإسلامية، ومن أولئك الذين حاولوا أن يستفيدوا تلك الاستفادة علماء الأشاعرة والماتريدية. وهنا كانت الغلطة.

وعندي أن نصرة العقائد الإسلامية يجب أن تكون بالأدلة العقلية المستوحاة من كلام الله عز وجل وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، توضيحا وشرحا وتفصيلا، مع الاستفادة من كل بحث علمي ـ على الصعيد الإنساني ـ إذا كان فيه دليل عقلي برهاني.

لكن علم الكلام شيء آخر.

وهذا يفسر لنا لمَ قال أولئك الأئمة الكبار الثلاثة ما قالوه في علم الكلام، الجوينيُّ والغزالي والرازي، ويوضح لنا أنهم لم يكونوا في حيرة من عقائد المذهب الأشعري ثم تابوا في آخر العمر ورجعوا عما كانوا عليه، ومما يؤكد لنا ذلك أنهم لم ينبهوا على أي خطأ فيما كانوا يعتقدون، وإنما رجوعهم هو عن منهجٍ وطريقةٍ في الاستدلال غاية ما فيها ـ لو صحت ـ أنها تترك الطريق اليسير السهل الواضح وتسلك الطريق الطويل الوعر المعقد، ولكن أنى لها أن تصح؟!. وشهادات العلماء الذين نقلت أقوالهم تنبئك عن حقيقة هذا المنهج الاستدلالي، ولا ينبئك مثل خبير.

 

* الوقفة الثالثة:

قد يقول قائل: لقد ضعفتْ همم كثير من طلاب العلم اليوم في البحث والاطلاع، فمعظمهم لن يذهبوا إلى كتب علماء الكلام ليقرؤوا بأنفسهم ويتعرفوا عن طريق بعض الأمثلة على هذا العلم، فهلا ذكرتَ ولو مثالا واحدا من كتب علم الكلام لنتعرف على طريقة هذا العلم من خلال المثال!.

أقول: هذا صحيح، وكنت أظن يوم لفتُّ النظر إلى كتابين من كتب هذا العلم أن طالب العلم المهتم بمثل هذه الأبحاث لا بد أن يرجع إليهما وأن يقرأ من كل واحد منهما عشر صفحات أو عشرين على الأقل، ليتعرف بنفسه على لمحة سريعة على هذا العلم ومنهج الكتابة فيه، ويبدو أنني أخطأت في ظني.

وحيث إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فإليك ـ أيها القارئ ـ نبذة صغيرة من بعض كتب علم الكلام لتطلع منها على لمحة، وهي في مسألة بطلان التسلسل إلى اللانهاية في الماضي:

قال سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 791 في كتابه شرح المقاصد: [احتجوا على بطلان التسلسل بوجوه: …، الوجه الثاني ويسمى برهانَ التطبيق ـ وعليه التعويل في كل ما يُدَّعى عدمُ تناهيه ـ: أنه لو وُجدت سلسلة غيرُ متناهية إلى علة محضة، تنقِص من طرفها المتناهي واحدا، فتحصُل جملتان، إحداهما من المعلول المحض، والثانية من الذي فوقه، ثم تطبق بينهما، فإن وقع بإزاء كل جزء من التامة جزءٌ من الناقصة لزِمَ تساوي الكل والجزء، وهو محال، وإن لم يقع ـ ولا يُتصور ذلك إلا بأن يوجد جزء من التامة لا يكون بإزائه جزء من الناقصة ـ لزم انقطاع الناقصة بالضرورة، والتامة لا تزيد عليها إلا بواحد على ما هو المفروض، فيلزم تناهيها، ضرورةَ أن الزائد على المتناهي بالمتناهي متناهٍ].

قال سعد الدين: [واعتُرض بوجهين: أحدهما نقـْض أصل الدليل بأنه لو صح لزم أن تكون الأعداد متناهية، لأنا نفرض جملة من الواحد إلى غير النهاية وأخرى من الاثنين إلى غير النهاية ثم نطبق بينهما، وتناهي الأعداد باطل بالاتفاق، وأن تكون معلومات الله تعالى متناهية للتطبيق بين الكامل وبين الناقص منه بواحد، وتناهيها باطل عند المتكلمين، وأن تكون الحركات الفلكية متناهية للتطبيق بين سلسلة من هذه الدورة وأخرى من الدورة التي قبلها، وتناهيها باطل عند الفلاسفة، وثانيهما نقض المقدمة القائلة بأن إحدى الجملتين إذا كانت أنقص من الأخرى لزم انقطاعُها، بأن الحاصلَ من تضعيف الواحد مرارا غيرَ متناهية أقلُّ من تضعيف الاثنين مرارا غير متناهية مع لا تناهيهما اتفاقا، ومقدوراتِ الله تعالى أقلُّ من معلوماته، لاختصاصها بالممكنات وشمولِ العلم للممتنعات أيضا مع لا تناهي المقدورات عندنا، ودوْراتِ زحَلَ أقلُّ من دورات القمر ضرورةً مع لا تناهيهما عند الفلاسفة، وحاصل الاعتراض أنا نختار أنه يقع بإزاء كل جزء من التامة جزء من الناقصة ولا نسلم لزوم تساويهما، فإن ذلك كما يكون للتساوي فقد يكون لعدم التناهي، وإن سُمي مجرد ذلك تساويا فلا نسلم استحالة ذلك فيما بين التامة والناقصة بمعنى نقصان شيء من جانبها المتناهي، وإنما يستحيل ذلك في الزائدة والناقصة بمعنى كون عدد إحداهما فوق عدد الأخرى، وهو ليس بلازم فيما بين غير المتناهيين وإن نقصت من أحدهما ألوف].

قال سعد الدين: [وقد يجاب عن المنع بدعوى الضرورة في أن كل جملتين إما متساويتان أو متفاوتتان بالزيادة والنقصان وأن الناقصة يلزمها الانقطاع، وعن النقض بتخصيص الحكم، أما عندنا فبما دخلت تحت الوجود سواء كانت مجتمعة كما في سلسلة العلل والمعلولات، أوْ لا، كما في الحركات الفلكية، فإنها من المعدودات، فلا يرِد الأعداد، لأنها من الاعتبارات العقلية، ولا يدخل في الوجود من المعدودات إلا ما هي متناهية، وكذا معلومات الله تعالى ومقدوراته، ومعنى لا تناهيها أنها لا تنتهي إلى حد لا يكون فوقه عدد أو معلوم أو مقدور آخر، وأما عند الفلاسفة فبما يكون موجودة معا بالفعل مترتبة، وضعا كما في سلسلة المقادير على ما يذكر في تناهي الأبعاد، أو طبعا كما في سلسلة العلل والمعلولات، فلا يرِد الحركاتُ الفلكية لكونها متعاقبة غير مجتمعة ولا جزئياتُ نوع واحد كالنفوس الناطقة على تقدير عدم تناهيها بحسب العدد لكونها غير مترتبة، فإن قيل التخصيص في الأدلة العقلية اعتراف ببطلانها حيث يتخلف المدلول عنها قلنا معناه أن الدليل لا يجري في صورة النص بل يختص بما عداها، أما عندنا فنظرا إلى أن ما لا تحقق له في نفس الأمر لا يمكن التطبيق فيه إلا بمجرد الوهْم فينقطع بانقطاعه، بخلاف ما في نفس الأمر فإنه لا بد أن يقع بإزاء كل جزءٍ جزءٌ أو لا يقعَ وهو معنى الانقطاع، وأما عندهم فنظرا إلى أن التطبيق بحسب نفس الأمر إنما يُتصور فيما له مع الوجود ترتب ليوجد بإزاء كل جزء من هذه جزء من تلك، فلا يجري في الأعداد ولا في الحركات الفلكية ولا في النفوس الناطقة].

قال سعد الدين: [والحق أن تحصيل الجملتين من سلسلة واحدة ثم مقابلة جزء من هذه بجزء من تلك إنما هو بحسب العقل دون الخارج، فإن كفى في تمام الدليل حكْم العقل بأنه لا بد أن يقع بإزاء كل جزء جزءٌ أو لا يقعَ فالدليل جار في الأعداد وفي الموجودات المتعاقبة والمجتمعة المترتبة وغير المترتبة، لأن للعقل أن يفرض ذلك في الكل، وإن لم يكفِ ذلك بل اشتُرط ملاحظة إجراء الجملتين على التفصيل لم يتمَّ الدليل في الموجودات المترتبة فضلا عما عداها، لأنه لا سبيل للعقل إلى ذلك إلا فيما لا يتناهى من الزمان]. انتهى.

المنع ـ في اصطلاح علم المناظرة ـ: هو إبطال مقدمة من مقدمات دليل الخصم على وجه الإنكار وطلب الدليل.

النقض ـ في اصطلاح علم المناظرة ـ: هو إبطال دليل المعلـِّل بعد تمامه، متمسكا بشاهد يدل على عدم استحقاقه للاستدلال به، لاستلزامه فسادًا ما.

هذه نبذة من أحد كتب علم الكلام، حيث يذكر المؤلف هنا أحد أدلة إبطال التسلسل إلى اللانهاية في الماضي، وهذه المسألة من أهم مسائل هذا العلم، ولك أن تتصور كتبا يستوعب كل منها مجلدات معظمها على هذا النسق.

لعل مثل هذا هو ما تحدث عنه إمام الحرمين والغزالي والفخر الرازي والسيوطي، وعندي أن مثل هذا ليس من العلوم العقلية أصلا، لأن العلوم العقلية هي التي تناقش المسائل التي يستطيع العقل أن يدليَ فيها ببرهان ويكونُ البرهان فيها مما يتفهمه العقل ويصلُ به إلى الجزم، أما الفلسفة ـ ومنها علم الكلام ـ فهي لا تقتصر على مثل تلك المسائل ولا على مثل تلك البراهين، فيغوص فيها الغائص ولا يرجع منها ـ في معظم الحالات ـ بكبير شيء.

هذا وقد ذكرتُ دليلا عقليا على إبطال التسلسل إلى اللانهاية في الماضي في كتابي “عقائد الأشاعرة في الجولة الثانية من الحوار”، فليراجعه من شاء، كما ذكرت فيه عددا من الأدلة النقلية كذلك، والدليل العقلي الذي ذكرته هناك أراه دليلا عقليا، بخلاف النص المنقول آنفا من كلام التفتازاني رحمه الله، فهو مبحث كلامي وليس بدليل عقلي.

والذين يدافعون عن علم الكلام اليوم يظنون أنهم يدافعون عن الاستدلالات العقلية لإقامة البراهين على صحة العقائد الإيمانية، وهذا حق لو أن علم الكلام هو كذلك، وهيهات، ولو أنهم خلـَّصوا كتب علم الكلام من الاستدلالات الكلامية وأبقوا فيها الأدلة العقلية لأسْدوا إليها معروفا كبيرا.

 

* الوقفة الرابعة: مباحثات مع الباحث الأول:

ـ قال الباحث الأول معلقا على قولي “مِن مآخذي على الأشاعرة إجمالاً دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج”:

“طبعا ليس بصواب، وعلى عادة الكثير من الناس تسمية كل ما فيه دقة متناهية وتقسيم عميق ونظر دقيق ووضع الاعتراضات والإجابة عنها يسمونه فلسفة، فهم لا يعنون به الفلسفة التي هي علم من العلوم، بل يعنون به ما لم يفهموه هم”.

أقول:

الكلام الذي فيه دقة متناهية وتقسيم عميق ونظر دقيق ووضع الاعتراضات والإجابة عنها ليس مذموما ولا شيء فيه، ولا داعي لتسميته فلسفة، لكن هذا في واد وعلم الكلام والفلسفة في واد آخر.

وقوله “بل يعنون به ما لم يفهموه هم” هو من التعريض، أي إن هذا الباحث هو من يفهم الفلسفة وعلم الكلام والفرق بينهما، دون المردود عليه!، وربما يتضح من المباحثات التالية مقدار فهمه لذلك.

ـ ثم قال الباحث الأول:

“قد يكون مؤلف كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ هو وغيره قد أتِي من حيث لم ينتبه إلى الفرق بين ماهية علم الكلام وماهية الفلسفة، فالمتكلم يبحث في أحوال المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية التي جاء بها الوحي، والفيلسوف يبحث في المعلوم من أجل معرفة حقيقته فقط لا من حيث يقتدر به على إثبات عقيدة دينية، والفلسفة في معظمها إنكار للعقائد من أصلها”.

أقول:

الفلسفة كلمة أعجمية يونانية معناها محبة الحكمة، والفيلسوف محِب الحكمة، وأقرب ترجمة لها أن نقول هي علم الحكمة، لكن ليس كل من قال إنه ينطق بالحكمة فهو ينطق بالحكمة حقيقة، شأنها في ذلك شأن كلمة العلم، إذ ليس كل من قال إنه يتكلم بالكلام العلمي فهو يتكلم بالعلم المؤصل بالأدلة والبراهين.

قال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: “الفلسفة ليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء، أحدها الهندسة والحساب، الثاني المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه وهما داخلان في علم الكلام، الثالث الإلهيات وهو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وهو داخل في الكلام أيضا، والرابع الطبيعيات”.

فالتفريق الذي ذكره الباحث الأول بين علم الكلام وبين الفلسفة لا يستند إلى أساس، لا لغوي ولا تاريخي، وإذا كان المراد أن ذلك هو ما استقر عليه الأمر عند الأشاعرة فهذا كلام الإمام الغزالي أحد كبار أئمة الأشاعرة ينقض ذلك، ويجعل علم المنطق والإلهيات أجزاء من علم الكلام وعلمَ الكلام جزءً من الفلسفة.

الفلاسفة يبحثون ويتكلمون في أمور العقيدة كما يبحثون في غيرها، وكبار الفلاسفة اليونانيين مثلا يرون أنفسهم أنهم هم أهل العقائد، وما أكثر كلامهم في مسائل العقائد إثباتا أو نفيا، ولكن كل فيلسوف له فلسفته الخاصة به، في العقائد وغير العقائد.

قال الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام في علم الكلام: “مذهب أهل الحق من أهل الملل كلها أن العالم محدَث ومخلوق، أحدثه الباري تعالى وأبدعه، وكان الله تعالى ولم يكن معه شيء، ووافقتهم على ذلك جماعة من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة، مثل تاليس وأنكساغورس وأنكسمايس وفيثاغورس وأنبدقلس وسقراط وأفلاطـُن، ومذهب أرسطاطاليس ومن شايعه مثل برقلس والإسكندر الأفروديسي وثامسطيوس ومن نصر مذهبه من المتأخرين أن للعالم صانعا مبدعا، وهو واجب الوجود بذاته، والعالَم ممكن الوجود بذاته”.

فهذه الأقوال من الفلاسفة فلسفة، وهي متوافقة مع العقائد الإيمانية.

ثم أضاف الشهرستاني ناقلا عنهم بعض اعتقاداتهم الأخرى إذ يقولون: “العالَم غير محدَث حدوثا يسبقه عدم، فالعالم سرمدي، وحركات الأفلاك سرمدية لا أول لها تنتهي إليه، فلا تكون حركة إلا وحركة قبلها، فهي لا تتناهى مُدَّة وعِدَّة”.

فهذه الأقوال من الفلاسفة فلسفة، وهي عقائد كفرية.

أما بعض من يدعي لنفسه الفهم فيقول “الفلسفة في معظمها إنكار للعقائد من أصلها”، وهذا يدل على أنه ليس له إلمام بماهية الفلسفة!.

وقوله “الفلسفة تعتبر الشيء غيرَ القابلِ للتجربة غيرَ قابل للبحث” يدل على أنه يتكلم عن الفلسفة وهو غير عارف بها أصلا، لأن الفلاسفة يبحثون في واجب الوجود ـ وأكثرهم أو الكثيرون منهم على إثباته ـ والكل يعلمون أنه غير قابل للتجربة، ومع ذلك فهو عندهم قابل للبحث.

ـ قال الباحث الأول:

“كتاب عقائد الأشاعرة في حوار هادئ ليس بذاك من وجهة نظري، ليس قويا، وكلام مؤلفه لا محل له من الإعراب، وقائله غير متمكن”.

أقول:

ليس عندي مشكلة في أن يعبر المرء عن رأيه بكل صراحة ووضوح، ولكن النصح واجب، فأقول من باب التذكير: قال الله جل وعلا {قل هاتوا برهانكم}، وقال تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.

 

* الوقفة الخامسة: مباحثات مع الباحث الثاني:

ـ قال الباحث الثاني معلقا على النص المنقول في بداية هذا الحوار من كتابي عقائد الأشاعرة في حوار هادئ “مِن مآخذي على الأشاعرة إجمالا دخولهم في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج”: “هذا الانتقاد للأشاعرة طريقة انتقاد هزيلة لا قوام لها”.

أقول:

قوله عن انتقادي لدخول الأشاعرة في الفلسفة وتبنيهم طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق والمناهج بأنه طريقة انتقاد هزيلة لا قوام لها: هو دعوى لم يأت صاحبها عليها بدليل، وينقضها ما تقدم نقله عن ثلاثة من كبار أئمة الأشاعرة، وهم إمام الحرمين الذي قال “لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به”، والإمامُ الغزالي الذي قال “فاسمعْ هذا ممن خَبَرَ الكلامَ ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وتحققَ أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود”، وفخرُ الدين الرازي الذي قال “لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا”، وقال “ليتني لم أشتغل بعلم الكلام” وبكى.

ومن تأمل كلام هؤلاء الأئمة في آخر المطاف وعند دنو الأجل عرَف مقدار ما عند هذا الباحث من ضعف العلم وقلة الاطلاع!.

ـ ثم قال الباحث الثاني عني:

“إلا أنه غفـَل عن أساس علم الكلام الذي يوجب على المتكلمين أن يبحثوا في كل ما من شأنه أن يدلّ على العقيدة الحقة، وفي كل ما من شأنه أن ينقض العقيدة الباطلة، وهذا المنهج نفسه موجود في القرآن الكريم، ففيه ذكر العقائد الباطلة والرد عليها، وفيه ذكر العقيدة الصحيحة وذكر الأدلة عليها، فالمتكلمون من حيث المنهجُ العام لم يخالفوا القرآن، وقول مؤلف الكتاب قول باطل، بل هو قولُ من لم يعرف كلام الأشاعرة”.

أقول:

أساس علم الكلام عند الكلاميين المسلمين يوجب على المتكلمين أن يبحثوا في كل ما من شأنه أن يدلّ على العقيدة الحقة وفي كل ما من شأنه أن ينقض العقيدة الباطلة، وهذا لا خلاف فيه ولا اعتراض عليه لو أنهم التزموا بالأدلة العقلية فقط، ولكنهم خلطوا ذلك بالاستدلالات الكلامية الفلسفية اليونانية العقيمة التي لا تعطي اليقين ولا توصل إلى الهداية، وهذا ما جعل عددا من كبار أساطين الأشاعرة في آخر المطاف يتنبهون إلى عقم هذا المسلك ويرجعون عنه، ولا داعي لتكرار ما تقدم في الوقفات السابقة.

ومن ظن أن المنهج الكلامي نفسَه موجود في القرآن الكريم فليأت بالآيات القرآنية الكريمة الواردة في إثبات وجود الله تعالى والرد على المخالفين وبالنصوصِ الكلامية في ذلك وليقارن بينهما، فإن تبين له الافتراق الأساسي والبعدُ الشاسع بين المنهجين وأن ما قاله أولئك الأئمة الثلاثة صحيح فقد وقع بيننا الاتفاق، وإن تبين له أن ما قالوه باطل وأن ما رجعوا عنه هو الصواب فليستمرَّ على ترجيح العمل بأساليب فلاسفة اليونان، وله أجر النية الصالحة إن شاء الله.

لو لم يكن قولي الذي قلته مدعَّما بأدلة من أقوال أئمة الأشاعرة أنفسِهم فمن حق أي أشعري مقلد أن يتوقف فيه، أما بعد معرفة أن هذا هو ما رجع إليه عدد من كبار أئمتهم فلا أرى مناصا عن القول به والرجوعِ عن ذلك البريق الخُلَّب.

لا أدري مَن الذي قوله باطل وقوله قولُ مَن لم يعرف كلام الأشاعرة؟!، هل هو الذي أتى بنصوص كبار أئمتهم وأقوالهم ووعاها واستخلص منها النتيجة التي وصلوا إليها؟! أو هو مَن لم يقف عليها؟! أو هو مَن وقف عليها وأعرض عن تفهم محتواها؟ّ!.

ـ ثم قال الباحث الثاني:

“فليس لمثلهم يقال إنهم دخلوا في الفلسفة وإنهم تبنوا طرقها ومناهجها دون التنبه إلى عقم تلك الطرق!، وأنا أجزم أنْ لا أحد يقول بذلك إلا إن كان لم يقرأ كتبهم المفصلة، بل اكتفى بهذه النظرة الإجمالية وتأثر من كثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحداثيين وبعض المجسمة في اتهام الأشاعرة بذلك، ولو أنهم وعَوْا حقيقة ما يقولون وقرأوا بعض مباحث الأشاعرة ونقدهم للفلسفة ومذاهبها لما صدر عنهم ما صدر”.

أقول:

يبدو أن الأشاعرة عند الأخ الباحث معصومون عن الخطأ فلا يقال لمثلهم إنهم أخطؤوا!!، ولو لم يكن ذلك كذلك فلمَ لا يقال؟!، أبحجة أو بغير حجة؟!. وهذه موبقة ما كنت أظن أن أحدا من طلاب العلم ينزلق إليها.

لو كان لأي فرد من المسلمين أن يعطي أهلَ مذهبه تلك المرتبة لفتحنا الباب لكل متمذهب بمذهب عقدي أو فقهي أو سلوكي أن يعطي أهل مذهبه مثل ذلك!.

هل يرى الباحث إجماع الأشاعرة على أمر يكون حجة لا يجوز الخروج عنه؟!، بل حتى لو قال ذلك فليس من حقه أن يدفع عنهم هذه التخطئة، لأن إجماعهم قد انخرم هنا بخروج ثلاثة من كبار أئمتهم على ذلك الإجماع المتوهَّم.

قوله “أنا أجزم أنْ لا أحد يقول بذلك إلا إن كان لم يقرأ كتبهم المفصلة، بل اكتفى بهذه النظرة الإجمالية وتأثر من كثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحداثيين وبعض المجسمة في اتهام الأشاعرة بذلك” تعريض ساقط وكلام مرفوض.

لم أكتفِ ـ ولله الفضل والمنة ـ بنظرة إجمالية في كتب علماء الكلام، ولم أقرأ كتبهم المفصلة ولا معظمها، لكن قرأت فيها، ومع ذلك فقد وقفت ـ بفضل الله ـ على ما جعلني أنفر من تلك الطريقة الكلامية، كما وقفت من خلال قراءاتي على تلك النصوص التي نقلتها عن الجويني والغزالي والرازي والسيوطي، ولو كانت قراءاتي أكثر فلربما وجدت ما هو أكثر.

ثم إنني لست ـ بحمد الله ونعمته وفضله ـ مقلدا للعلماء الفضلاء دون التعرف على الدليل، فما بالك بمن دونهم؟!، فهل أنا متأثر أو مقلد لكثير من أهل العصر الذين تبعوا المستشرقين والحِداثيين وبعض المجسمة؟؟!!!. استعدَّ أيها الباحث لوقفة بين يدي العليم الخبير الذي قال في كتابه العزيز لك ولكل إنسان يعقل {ولا تقـْفُ ما ليس لك به علم}.

أما المصاب بداء التقليد فلا أدري ما الذي سيقوله لو وقف على أقوال كبار الأئمة في تزييف علم الكلام!، أتمنى أن يذعن للحق ولا يتهم إمام الحرمين والغزاليَّ وفخر الدين الرازي والسيوطي بأنهم من المتأثرين بالذين تبعوا المستشرقين والحِداثيين وبعض المجسمة!!.

أقول هذا وأنا أعلم أن معظم المصابين بهذا الداء لا يستطيعون أن يذعنوا للحق إذا خالف ما عندهم مهما رأوا من الأدلة قبل المجاهدة للخروج من ذلك الداء العضال.

ـ ثم قال الباحث الثاني عني:

“أما قوله إنه ليس مقلدا فنقول له لو لم تكن مقلدا لما قررتَ ما قررتَه، بل ما قلتَه عينُ التقليد، ولكن بدل أن يكون للأشاعرة كان لمخالفيهم ومنتقديهم والغامطين لحقهم”.

أقول:

قولي الذي قلته في المنهج الكلامي هو نتيجة قراءاتي في كتب المتكلمين، وهو مما تفضل الله به علي منذ أمد بعيد، وله المنة والفضل، وقد صرحتُ بأنني لست أشعريا مقلدا، وذلك لأنني لا أرتضي لنفسي التقليد.

ثم إنني فوجئت بإنسان يقول لي “أنت في هذا مقلد”!!. إنها لإحدى الكبر.

كل إنسان أعلم بنفسه من أي مخلوق آخر على وجه الأرض، ألا فليتقِ اللهَ هذا القائل الذي يدعي بلسان الحال أنه يعلم مما في قلوب الناس ما لا يعلمونه هم من أنفسهم.

لعله نسي قول الله تعالى {وما كان الله ليطـْلعكم على الغيب}، وقولَه تعالى {فقلْ إنما الغيب لله}.

وددتُ أن يتوب القائل من هذه الكلمات قبل الممات، فهي نفثة من الشيطان في الإنسان تخيِّل له أنه مشارك لله تعالى في بعض الربوبية، وهو علم الغيب.

وأذكـِّره بقول الله جل وعلا {ولا تقفُ ما ليس لك به علم}، وقولِه جل وعلا {قل هاتوا برهانكم}، وقولِه تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.

 

* وفي الختام أسأل المولى تعالى أن يعفو عنا ويغفر لنا ويرحمنا ويردنا إلى الحق والصواب، إنه العفو الغفور الرحيم.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 14/ 5/ 1436، الموافق 5/ 3/ 2015، والحمد لله رب العالمين.

علم الكلام في حوار هادئ

2

 

ـ قال الفقيه الحنبلي شمس الدين محمد بن مفلح المتوفى سنة 763 في كتاب الفروع وعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي المتوفى سنة 885 في كتاب الإنصاف: قال ابن الجوزي إما من عنده أو حكاية عن الشافعي ولم يخالفه: “لو أن رجلا وصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصية، لأنه ليس من العلم”. وذكر نحوَه برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح المتوفى سنة 884 في المبدع شرح المقنع ولم يعزه لأحد من أهل العلم.

ـ قال الفقيه الحنفي ابن نجيم في كتابه البحر الرائق: “في الخانية: وعن بعض أهل الفضل: رجل أوصى بأن تُباع كتبه ما كان خارجا من العلم وتُوقَف كتب العلم، ففُتش كتبه، فكان فيها كتب الكلام، فكتبوا إلى أبي القاسم الصفار، فكتب أن كتب الكلام تُباع، لأنها خارجة عن العلم”.

ـ قال ملا خسرو في درر الحكام: “في فتاوى قاضي خان: رجل خرج في طلب العلم بغير إذن والديه فلا بأس به ولا يكون عقوقا، ومراده بالعلم العلمُ الشرعي وما يُنتفع به فيه، دون علم الكلام”.

ـ قال زين الدين ابن نجيم في البحر الرائق: “في الخلاصة عن الحلواني: يُمنع عن الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام ويناظر صاحب الأهواء. وحمَله في المجتبى على من يريد بالمناظرة أن يزل صاحبه”.

ـ قال الشلبي في حاشية تبيين الحقائق: [بخط الحلواني: تُمنع الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام ويناظر أصحاب الأهواء. كأنه بناه على ما عن أبي يوسف أنه قال: “لا يجوز الاقتداء بالمتكلم وإن تكلم بحق”. قال الهندواني: يجوز أن يكون مراد أبي يوسف من يناظر في دقائق علم الكلام. وقال صاحب المجتبى: وأما قول أبي يوسف لا تجوز الصلاة خلف المتكلم فيجوز أن يريد الذي قرره أبو حنيفة حين رأى ابنه حمادا يناظر في الكلام، فنهاه، فقال: رأيتك تناظر في الكلام وتنهاني؟!. فقال: “كنا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير مخافة أن يزل صاحبنا وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم، ومن أراد زلة صاحبه فقد أراد أن يكفر، فهو قد كفر قبل صاحبه”. فهذا هو الخوض المنهي عنه، وهذا المتكلم لا يجوز الاقتداء به”.

ـ قال محمد بن أبي بكر المرعشي الشهير بساجقلي زاده المتوفى سنة 1145 رحمه الله في كتابه ترتيب العلوم: “مِن المؤلفات في بعض مسائل الكلام: رسالة إثبات الواجب للدواني، ولها شرح وحاشية على الشرح يشتغل بمدارستها بعض الطلبة مقدار سنة، ومضمونها مسألة واحدة، هي أن للعالم إلها واجب الوجود، مع أدلة طويلة واهية، ومجادلات كثيرة لا ينتج عن الاشتغال بها إلا توهين العقيدة وإيراد الوساوس المهلكة، ومن شك في الله سبحانه فهيهات له اليقين من تلك الرسالة، بل الاشتغال بها يورث شكا لأرباب اليقين ويزيد شكا للشاكِّين”. وقال: “كما هجر الغزاليُّ الكلام كذلك هجرتُه وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأسأل الله أنْ لا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين، وهذا القول مني بعد اشتغالي بالكلام وتأليفي فيه نشر الطوالع، والآن أتمنى أن أجمع نسخه المنتشرة وأحرقها بالنار لئلا يبقى مني أثر في الكلام، لكني لا أقدر على ذلك”. ثم قال: “قال صلاح الدين في حاشية شرح العقائد: الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقسي القلب، ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة ومرتكبي الكبائر ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم”. وعقب على هذا بقوله: “أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال بها، فنسأل الله أن يقيلنا عثراتنا”. ونقل عن شرح الفقه الأكبر للملا علي القاري أنه قال: “إن أدلة المتكلمين لا تشفى عليلا ولا تروي غليلا، فمآلها إلى الحيرة”. كتبت هذه النبذة في 22/ 9/ 1440.

صلاح الدين المشار إليه هو صاحب حاشية على شرح سعد الدين التفتازاني على العقائد النسفية، وهو معلم السلطان بايزيد بن محمد خان. كذا في كشف الظنون.

 

* ـ قد يقول قائل: هل يوجد فرق بين علم الكلام وعلم الكلام الإسلامي؟.

أقول: أصل علم الكلام هو مما تكلم به غير المسلمين قبل الإسلام، وبينه وبين الفلسفة تداخل، فقد قال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: “الفلسفة ليست علما برأسها، بل هي أربعة أجزاء، أحدها الهندسة والحساب، الثاني المنطق، وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجهِ الحد وشروطه، وهما داخلان في علم الكلام، الثالث الإلهيات، وهو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وهو داخل في الكلام أيضا، والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم، بل انفردوا بمذاهب بعضها كفر وبعضها بدعة، والرابع الطبيعيات، وبعضها مخالف للشرع والدين والحق”.

كثير من مسائل علم الكلام كانت موجودة في أبحاث الفلاسفة السابقين من اليونانيين وغيرهم، شأنها في ذلك شأن علم المنطق وغيره من فروع الفلسفة، وتسربت إلى الفكر الإسلامي مع حركة الترجمة من كتب الثقافات القديمة إلى اللغة العربية.

الأبحاث التي تناولها البحث في علم الفلسفة بما يشمل علم المنطق وعلم الكلام وغيرهما لا تعني في حد ذاتها الإيمان أو الكفر، ومنها مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، ومسألة هل الكون في أقصى مداه خلاء أو مَلاء أو لا خلاء ولا مَلاء؟، ونحو ذلك، فبعض الفلاسفة أقر بعد كل تلك الأبحاث بأن لهذا الكون خالقا عظيما لأنه لا يمكن أن يكون من تلقاء ذاته، وبعضهم وقف مع الإنكار والجحود، والعياذ بالله تعالى.

هل كل تلك المعارف هي حقائق؟ أو مجرد ظنون؟ أو فيها وفيها؟، أمَّا بعدَ إذ أنار الله عز وجل بصائرنا بنور الوحي فكل ما جاءنا منهم موافقا لنصوص الوحي فهو حق، وما جاء مناقضا لها فهو باطل لا مرية فيه، وما سوى ذلك فالذي دل الدليل العقلي على صحته فهو صحيح، وما جاء مناقضا لأدلة العقول فهو باطل، وما لم يكن على إثباته أو نقضه دليل عقلي فهو ظن من الظنون التي لا تعنينا، وإن الظن في مثل هذا الباب لا يغني من الحق شيئا.

علماء الكلام المسلمون استفادوا من الطرق الفلسفية والمنطقية والكلامية في تأييد صحة العقائد الإيمانية للرد على أصناف من الكفار وأهل البدع، وذلك إلى جانب الأدلة العقلية المستنبطة من النصوص القرآنية والحديثية.

لكن معظم ما اشتمل عليه علم الكلام مما يُطلق عليه أنه أدلة وبراهين لا يعدو أن يكون تزويقات كلامية للرد والرد المضاد.

وهذا ما يفسر لنا السبب في رجوع عدد من أئمة علماء الكلام المسلمين عنه، كما يفسر لنا سبب وصْف الإمام الغزالي رحمه الله له بأنه فاسد، وأن فائدته هي الرد على بعض أهل البدع من علماء الكلام من باب أن معارضة الفاسد بالفاسد تدفعه.

وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: “حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي يُنتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنهما فهو إما مجادلة مذمومة وهي من البدع، وإما مشاغبةٌ بالتعلق بمناقضات الفِرَق لها وتطويلٌ بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين، ولم يكن شيء منه مألوفا في العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع، ولكن تغير الآن حكمه، إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة، ونبغت جماعة لفقوا لها شُبها ورتبوا فيها كلاما مؤلفا، فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونا فيه، بل صار من فروض الكفايات، وهو القدْر الذي يقابَل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة”. فرحمه الله تعالى رحمه واسعة.

ـ تعريف علم الكلام عند كثير من العلماء المسلمين:

قال الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816 في كتابه التعريفات: “علم الكلام: علم باحث عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قاعدة الإسلام”.

وقال السيوطي المتوفى سنة 911 في كتابه معجم مقاليد العلوم: “علم الكلام: ما يُبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام، وقيل: علم يُبحث فيه عن الأعراض الذاتية للموجود من حيث هو على قانون الإسلام، وقيل: علم يُقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه”.

ـ هل هذه التعاريف هي تعريف بعلم الكلام؟:

أقول:

هذه التعاريف ليست تعريفا بعلم الكلام في أصل وضعه، وهي تعريف بما جرى عليه اصطلاح المتأخرين في تسميته بعلم الكلام.

علم الكلام في أصله ليس في مجمله علما صحيحا، وهو ما تبرأ منه ورجع عنه إمام الحرمين والغزالي والرازي وغيرهم.

أما كتب علم الكلام عند من ظنوه علما صحيحا ففيها مع ذكر العقائد الإسلامية أدلة عقلية واستدلالات كلامية، على تفاوت بينها في ذلك، وتلك الاستدلالات الكلامية لا معنى لإدخالها في كتب العقيدة.

كلامي وتعليقي في إيضاح هذه المسألة يستفيد منه إن شاء الله طالب العلم المنصف الذي يسعى لمعرفة حقيقة المسألة، ولا يكتمل فهمه لها ما لم يرجع إلى بعض تلك الكتب والقراءة فيها، وله أن يكتفي بالمثال الذي ذكرته في أصل هذا البحث من كلام سعد الدين التفتازاني رحمه الله.

وهذا مثال ثان من كتب علم الكلام لمن أراد مزيدا من التعرف على الاستدلالات الكلامية:

قال فخر الدين الرازي رحمه الله في كتابه معالم في أصول الدين: “القائم بنفسه إما أن يكون متحيزا أو لا يكون متحيزا، والمتحيز إما أن لا يكون قابلا للقسمة وهو الجوهر الفرد أو يكون قابلا للقسمة وهو الجسم، والقائم بالنفس الذي لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز هو الجوهر الروحاني، ومنهم من أبطله فقال لو فرضنا موجودا كذلك لكان مشاركا للباري تعالى في كونه غير متحيز وغير حالٍّ في المتحيز فوجب أن يكون مثلا للباري، وهو ضعيف، لأن الاشتراك في السلوب لا يوجب الاشتراك في الماهية، لأن كل ماهيتين مختلفتين بسيطتين فلا بد أن تشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما”. ثم قال: “القول بالجوهر الفرد حق، والدليل عليه أن الحركة والزمان كل واحد منهما مركب من أجزاء متعاقبة، كل واحد منها لا يقبل القسمة بحسب الزمان، فوجب أن يكون الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزأ، بيان المقام الأول في الحركة: وهو أنه لا بد أن يحصل من الحركة في الحال شيء وإلا لامتنع أن يصير ماضيا ومستقبلا، لأن الحاضر هو الذي يُتوقع حضوره ولم يحصل، فلو لم يكن شيء منه حاصلا في الحال لامتنع كونه ماضيا ومستقبلا فيلزم نفي الحركة أصلا وهو محال، ثم نقول: الذي وُجد منها في الحال غير منقسم انقساما ما يكون أحد نصفيه قبل الآخر، وإلا لم يكن كل الحاضر حاضرا، وهذا خُلفٌ، وإذا ثبت هذا فعند انقضاء ذلك الجزء الذي لا يقبل القسمة يحصل جزء آخر لا يقبل القسمة، وكذا الثالث، والرابع، فثبت أن الحركة مركبة من أمور كل واحد منها لا يقبل القسمة التي يكون أحد جزأيها سابقا على الآخر، وأما بيان أن الأمر كذلك في الزمان فالآن الحاضر الذي هو نهاية الماضي وبداية المستقبل لا يقبل القسمة، وإلا لم يكن حاضرا، وإذا عُدم يكون عدمه دفعة أيضا، فإن العدم متصل بآن الوجود، وكذا القول في الثاني، والثالث، فالزمان مركب من آنات متتالية كل واحد منها لا يقبل القسمة، وإذا ثبت هذا فالقدر الذي يتحرك المتحرك عليه بالجزء الذي لا يتجزأ من الحركة في الآن الذي لا ينقسم إن كان منقسما كانت الحركة إلى نصفها سابقة على الحركة من نصفها إلى آخرها، فيكون ذلك الجزء من الحركة منقسما وذلك الآن من الزمان منقسما، وهو محال، وإن لم يكن منقسما فهو الجوهر الفرد، احتجوا بأن قالوا إذا وضعنا جوهرا بين جوهرين فالوجه الذي من المتوسط يلاقي اليمين غير الوجه الذي منه يلاقي اليسار فيكون منقسما، فنقول: لمَ لا يجوز أن يُقال الذات واحدة والوجهان عرَضان قائمان بها؟، وهذا قول نفاة الجوهر الفرد، فإنهم قالوا الجسم إنما يلاقي جسما آخر بسطحه ثم يقابل سطحه عرَض قائم به فكذا ههنا”.

أقول: هذا مما أراه من الاستدلالات الكلامية، لا من الأدلة العقلية، وليس فيه دليل عقلي على صحة قول من يقول بالجزء الذي لا يتجزأ الذي يسمونه الجوهر الفرد، وهذا بغض النظر عما إذا كان هذا القول في نفسه صحيحا أو غير صحيح.

والله ولي التوفيق.

وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 2/ 11/ 1440، الموافق 5/ 7/ 2019، والحمد لله رب العالمين.

* تذييل:

ـ قال الفقيه الحنبلي شمس الدين محمد بن مفلح المتوفى سنة 763 في كتاب الفروع وعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي المتوفى سنة 885 في الإنصاف: قال ابن الجوزي إما من عنده أو حكاية عن الشافعي ولم يخالفه: لو أن رجلا وصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصية، لأنه ليس من العلم.

وذكر نحوَه برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح المتوفى سنة 884 في المبدع شرح المقنع ولم يعزه لأحد من أهل العلم.

ـ قال ابن نجيم في البحر الرائق: في الخانية: وعن بعض أهل الفضل: رجل أوصى بأن تُباع كتبه ما كان خارجا من العلم وتُوقَف كتب العلم، ففُتش كتبه، فكان فيها كتب الكلام، فكتبوا إلى أبي القاسم الصفار، فكتب أن كتب الكلام تُباع، لأنها خارجة عن العلم.

ـ سئل ابن حجر الهيتمي رحمه الله ـ كما في الفتاوى الحديثية ـ عما يقول بعض الأصوليين إنه لا يكمل الدين إلا بمعرفة أصول الدين وتحقيقِه ويتعين على كل أحد الاشتغال به وتقديمه على تعلم سائر الفروع، ومن خالف في ذلك ربما ضللوه وكفروه هل هو صحيح أو لا؟.

فأجاب بقوله: ليس ما قالوه صحيحا بإطلاقه، كما شنع الشافعي رضي الله عنه وغيره من الأئمة على أهل الكلام وبدعوهم وضللوهم بما هو مبسوط في غير هذا المحل، ومن ثم لم يقل من الأئمة الأشعرية بتلك المقالة المحكية في السؤال ولا يتأولها عليهم إلا غبي جاهل، إذ لو كان الإسلام لا يتم إلا على القوانين العقلية التي رتبها الأصوليون لبينها صلى الله عليه وسلم للناس وبلغها إليهم كما أمِر في قوله تعالى {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون}، فلما تيقنا أنه لم يدعُ الناس لذلك ولا تكلم به أحد من الصحابة بكلمة واحدة فما فوقها من هذا النمط من طريق تواتر ولا آحاد من طريق صحيح ولا سقيم عُلم أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابَه عدلوا إلى ما هو أبْين للفهم ليستبقوا إليه بأوائل العقل، وهو ما أمر الله به من الاعتبار بمخلوقاته في غير ما آية، ولم يمتْ صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الناس وبين ما أنزل إليهم، وأمر بتبليغه في خطبته في حجة الوداع وغيرها من مقاماته بحضرة العامة، فلا حجة في إثبات التوحيد وما يجب له تعالى أو يجوز أو يستحيل بما سوى ما أنزله في كتابه وبينه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وما نبه عليه من الاعتبار، فقال {وفى أنفسكم أفلا تبصرون}، أشار إلى أن فيها من آثار الصنعة ولطيف الحكمة ما يدل على وجود الصانع الحكيم، فإذا نظر في نفسه وما رُكب فيها من الجواهر المدركة والجوارح المباشرة للقبض والبسط والأعضاء المُعَدَّة للأفعال كالأضراس المعدَّة للطحن عند فراغ الرضاع والحاجة للطعام والمُعدَّة لنضج الطعام وإنعامه لمجاري الأعضاء والعروق وغير ذلك مما في البدن من البدائع التي لا يعقلها إلا العالمون ولا يفهم حقائق ما وُضعت له إلا العارفون، وقوله تعالى {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}، {إن في خلق السماوات والأرض}، {أفرأيتم ما تمنون}، وشبه ذلك من المجادلة الواضحة التي يدركها كافة العقلاء وعامة المخاطبين وهي أكثر من أن تُحصى، فيتيقن بها وجوده ثم يتيقن وحدانيته وعلمه وقدرته بما يشاهد من كثرة أفعاله على الحكمة وإيرادها وجريها على طرقها، فمن أتقنَ هذا علم سائر صفاته توفيقا على كتابه المنزل، وعلم صدق نبيه المرسل وما ظهر عليه من المعجزات، فالاستدلال بهذا أصح وأوضح في التوصل إلى المقصود، وعليه عول سلف الأمة، لأنه نظر عقلي بديهي مركب على مقدمات من العقل والعلم، والتوصل إليه بطريق الأشاعرة فهو وإن صح إلا أنه لا يؤمَن على صاحبه الفتنة، ولهذا تركها السلف لا لعجزهم عنها فهم أعقل وأفهم ممن بعدهم، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أوائلها، فيتعين على الولاة منْعُ من يشهر علم الكلام بين العامة لقصور أفهامهم عنه، ولأنه يؤدي بهم إلى الزيغ والضلال، وأمْرُ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه، إذ هو بين واضح يُدرك ببداهة العقل كما مر، ثم بتعلم أحكام العبادات والعقود التي كُلفوها على ما هو مبين في الفروع، وأما من جدَّ في الطلب وله حظ وافر من الفهم فعليه أن يقرأ علم الكلام إذا وجد إماما يفتح له مقفله ويوضح له مشكله فيزداد بقراءته والوقوف على حقائقه بصيرة في دينه، ويعرف فساد مذاهب المخالفين والمبتدعة والغالين ورد شبههم ويحوز الكمال في العلم، وتكفير مَن فعل ما ذكرناه هو الكفر أو يجر إليه، لأن من اشتغل بعلم الكلام ومقدماته قبل اشتغاله بمعرفة ما كُلف به من العبادات وغيرها يجلس مدة ذلك وهو لم يصلِّ ولم يصم ولا حج، وقد لا يتم له تعلم الكلام ومقدماته إلا بعد الزمن الطويل فيمرق من الدين ويخرج من جملة المسلمين، أعاذنا الله من الشيطان الرجيم، والذي صرح به أئمتنا أنه يجب على كل أحد وجوبا عينيا أن يعرف صحيح الاعتقاد من فاسده، ولا يُشترط فيه علمه بقوانين أهل الكلام، لأن المدار على الاعتقاد الجازم ولو بالتقليد على الأصح، وأما تعلم الحجج الكلامية والقيام بها للرد على المخالفين فهو فرض كفاية.

روى البيهقي في مناقب الشافعي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق إجازة قال: حدثنا سعيد بن أحمد بن زكريا اللخمي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة.

[أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين النيسابوري، ولد سنة 330 ومات سنة 412، أثنى عليه أبو عبد الله الحاكم، ووثقه أبو يعلى الخليلي في الإرشاد، واتهمه محمد بن يوسف القطان النيسابوري بأنه كان يضع للصوفية الأحاديث، قال الذهبي في ميزان الاعتدال: تكلموا فيه وليس بعمدة، وفي القلب مما يتفرد به. وقال ابن حجر في لسان الميزان: قال البيهقي: مثله إن شاء الله لا يتعمد. ثم قال: ونسبه ـ أي البيهقي ـ إلى الوهَم، وكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو عبد الرحمن السلمي من أصل كتابه. الحسن بن رشيق مصري وصفه الذهبي بالحافظ وأنه محدث ديار مصر في زمانه، ولد سنة 283 ومات سنة 370. سعيد بن أحمد بن زكريا اللخمي قال عنه ابن يونس: تعرف وتنكر، مات سنة 322. يونس بن عبد الأعلى مصري ثقة ولد سنة 170 ومات سنة 264]. فمثل هذا الإسناد هنا لا بأس به.

فإن ثبت أن الشافعي قد قال هذا فعلا فهو يعني التحذير من علم الكلام، وليس من استخدام المعتزلة ونحوهم لعلم الكلام.

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قال أبو الوليد الفقيه: سمعت ابن سريج يقول: قل ما رأيت من المتفقهة من اشتغل بالكلام فأفلح، يفوته الفقه ولا يصل إلى معرفة الكلام. [لا بد من التفكر في قوله هذا ولمَ لا يصل إلى معرفة الكلام؟]. وقال: صح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام.

قال ملا خسرو في درر الحكام: في فتاوى قاضي خان: رجل خرج في طلب العلم بغير إذن والديه فلا بأس به ولا يكون عقوقا، ومراده بالعلم العلم الشرعي وما يُنتفع به فيه، دون علم الكلام.

قال زين الدين ابن نجيم في البحر الرائق: في الخلاصة عن الحلواني: يُمنع عن الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام ويناظر صاحب الأهواء. وحمَله في المجتبى على من يريد بالمناظرة أن يزل صاحبه، وأما من أراد الوصول به إلى الحق وهداية الخلق فهو ممن يُتبرك بالاقتداء به ويندفع البلاء عن الخلق بهدايته واهتدائه.

قال الشلبي في حاشية تبيين الحقائق: بخط الحلواني: تُمنع الصلاة خلف من يخوض في علم الكلام ويناظر أصحاب الأهواء. كأنه بناه على ما عن أبي يوسف أنه قال: لا يجوز الاقتداء بالمتكلم وإن تكلم بحق. قال الهندواني: يجوز أن يكون مراد أبي يوسف من يناظر في دقائق علم الكلام. وقال صاحب المجتبى: وأما قول أبي يوسف لا تجوز الصلاة خلف المتكلم فيجوز أن يريد الذي قرره أبو حنيفة حين رأى ابنه حمادا يناظر في الكلام، فنهاه، فقال: رأيتك تناظر في الكلام وتنهاني؟!. فقال: كنا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير مخافة أن يزل صاحبنا وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم، ومن أراد زلة صاحبه فقد أراد أن يكفر، فهو قد كفر قبل صاحبه. فهذا هو الخوض المنهي عنه، وهذا المتكلم لا يجوز الاقتداء به.

قال محمد بن أبي بكر المرعشي الشهير بساجقلي زاده المتوفى سنة 1145 رحمه الله في كتابه ترتيب العلوم: “من المؤلفات في بعض مسائل الكلام: رسالة إثبات الواجب للدواني، ولها شرح وحاشية على الشرح يشتغل بمدارستها بعض الطلبة مقدار سنة، ومضمونها مسألة واحدة، هي أن للعالم إلها واجب الوجود، مع أدلة طويلة واهية، ومجادلات كثيرة لا ينتج عن الاشتغال بها إلا توهين العقيدة وإيراد الوساوس المهلكة، ومن شك في الله سبحانه فهيهات له اليقين من تلك الرسالة، بل الاشتغال بها يورث شكا لأرباب اليقين ويزيد شكا للشاكِّين”. وقال: “كما هجر الغزاليُّ الكلام كذلك هجرتُه وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأسأل الله أنْ لا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين، وهذا القول مني بعد اشتغالي بالكلام وتأليفي فيه نشر الطوالع، والآن أتمنى أن أجمع نسخه المنتشرة وأحرقها بالنار لئلا يبقى مني أثر في الكلام، لكني لا أقدر على ذلك”. ثم قال: “قال صلاح الدين في حاشية شرح العقائد: الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقسي القلب، ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة ومرتكبي الكبائر ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم”. وعقب على هذا بقوله: “أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال بها، فنسأل الله أن يقيلنا عثراتنا”. ونقل عن شرح الفقه الأكبر للملا علي القاري أنه قال: “إن أدلة المتكلمين لا تشفى عليلا ولا تروي غليلا، فمآلها إلى الحيرة”. كتبت هذه النبذة في 22/ 9/ 1440.

صلاح الدين المشار إليه هو صاحب حاشية على شرح سعد الدين التفتازاني على العقائد النسفية، وهو معلم السلطان بايزيد بن محمد خان. كذا في كشف الظنون.

تعليقان (2) على “علم الكلام في حوار هادئ”

  1. هل يصح أن نعلم العقيدة دون المقدمات الكلامية؟

    السؤال:

    السلام عليكم ورحمة الله سعادة الشيخ صلاح الدين. حفظكم الله وبارك في سعيكم للإسلام.. لدي سؤلات..

    وصل الإسلام إلى الجاوة في إندونيسيا منذ الزمان واعتنق أهلها عقائد الإسلام على طريقة الأشاعرة. وحتى الآن لا تزال كثيرة من مراكز الدروس الإسلامية باقية على هذه الطريقة في تعليم طلبتها العقيدة. كذلك العوام يتلقونها في المساجد.

    إلا أن لدى العوام -وربما بعض الطلبة أيضا- نفورا أثناء متابعتهم لبعض القضايا العقدية التي يتدخلها المسائل العقلية -لو صح التعبير-. يبدو أن تفهمها يشق عليهم ويقع بعيدا عن توقعاتهم مع أنهم أخبروا بأن عقائد الإسلام عقائد بسيطة يستطيع تفهمها كل ناس.

    فمثلا -في أوائل بحث في العقائد- شكواهم من صعوبة تفهم ما هي الوجودية؟ وما السلبية؟ وما المعاني؟ وما المعنوية؟.. إلخ. فحصل الإعراض عن دروس العقيدة وبالتالي باقي قضاياها وفي رؤوسهم أن تفهم العقائد صعب.

    فهل بإمكاننا تجاوز هذه ‘العقليات’ أثناء تناول العقائد وتعلمها بدون مرور بتلك العقليات؟ أم تفهم العقائد الإسلامية لمرهون بتلك العقليات؟؟

    الجواب:

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    دخل الناس في دين الإسلام في كل مناطق العالم الإسلامي عندما دعاهم العلماء والدعاة بالأدلة العقلية السهلة من النظر في خلق الإنسان والمنافع المبثوثة وفي النظر في آفاق السماوات والأرض

    وكذلك مَن قبلهم في القرون المفضلة

    الاستدلالات الكلامية ليست أدلة عقلية وبينها وبين الأدلة العقلية فرق كبير جدا، وهي مجرد طريقة عقيمة لرد كلام الخصم وتخطئته للرد والرد المضاد إذا كان الخصم على طريقة فلاسفة علم الكلام اليونانيين

    لقد حذر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني المتوفى سنة 478 والإمام أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 والإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 رحمهم الله كل واحد في آخر عمره من علم الكلام وأعلن توبته منه، ولكن الأشاعرة بعدهم مع الأسف الشديد بقوا مستمسكين بعلم الكلام، وهو كالسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا

    ظن الأشاعرة بعد أولئك الأئمة أن ما حذروا منه هو استعمال تلك الاستدلالات لنقض عقائد الدين وأن استخدامها لنصرة الدين هو أمر محمود

    ومن وقف على كلام أولئك الأئمة وجدهم يصرحون بإبطال هذا الفهم

    ينبغي أن يكون علم الكلام محصورا في زاوية ضيقة جدا جدا جدا للرد على من يستخدم علم الكلام للتشويه بهذا العلم الفاسد فيكون رد الفاسد بالفاسد

    يا عباد الله

    اتركوا علم الكلام واهجروه ونقوا كتب العلوم الشرعية منه وخاصة علم العقيدة

    أتمنى أن تتطلعوا على بحث صغير كتبه أخوكم الصغير بعنوان “علم الكلام في حوار هادئ” ثم تنطلقوا إلى تقرير الحقائق الإيمانية بالأدلة العقلية الواردة في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة وليس بالاستدلالات الكلامية

    يا عباد الله

    يا علماء الأشاعرة والماتريدية

    خسرتم بسبب تمسكم بعلم الكلام الكثير الكثير الكثير وما زلتم تخسرون كل يوم

    ارجعوا إلى ما نصحكم به إمام الحرمين والإمام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي فالساحة واسعة والفرص كبيرة وإذا عدتم للحق والرشد فسترون أن الله جل وعلا يفتح لكم به من لدنه فتحا مبينا إن شاء الله

    حفظكم المولى بحفظه وجعلكم هداة مهتدين

التعليقات مغلقة.