عمر السيدة عائشة يوم العقد ويوم الزواج

الحديث الوارد في مقدار عمر السيدة عائشة يوم العقد ويوم الزواج

بقلم : صلاح الدين بن أحمد الإدلبي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، رب تمم بالخير، واختم لنا بالخير، بفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عقد على السيدة عائشة رضي الله عنها وسنها ست سنوات وتزوجها وسنها تسع سنوات، فهل صح هذا الحديث سندا ومتنا؟؟ لا بد من الدراسة.

كنت قد وقفت على مقالة حول هذا الموضوع كتبها أحد الباحثين في تضعيف هذا الحديث من حيث السند والمتن، ووجدت أن من الممكن الاستفادة منها في التقاط بعض الأفكار العلمية مع التغاضي عن نقط الضعف، للخروج بنتيجة مؤسسة على مجموعة من القرائن الموصلة إلى القول الصواب بإذن الله.

ولضرورة تجلية وجه الصواب في هذه المسألة الهامة من مسائل السيرة النبوية الشريفة والروايات الحديثية فهذا بحث مدعم بالدليل في تاريخ ولادة السيدة عائشة رضي الله عنها، وفي مقدار عمرها وقت العقد عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرها وقت زفافها، وفي هذه المسألة قولان:

القول الأول المشهور: هو أنه عقد عليها وهي بنت ست سنين وتزوجها وهي بنت تسع، أخذا بما ثبت عنها من قولها في صحيح البخاري وغيره، مما يعني أنها ولدت بعد البعثة النبوية بأربع سنين.

قال أبو نعيم في معرفة الصحابة: وعائشة يومئذ بنت ست سنين.

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة وهي بنت ست سنين، وقيل بنت سبع، وابتنى بها بالمدينة وهي ابنة تسع، لا أعلمهم اختلفوا في ذلك، وتوفي عنها صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة سنة.

وقال ابن حجر في فتح الباري: وكان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها، ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولها نحو ثمانية عشر عاما.

وهذا مما أخذوه من الرواية التي روتها عائشة رضي الله عنها.

القول الثاني: هو أنه عقد عليها وهي ابنة أربع عشرة وتزوجها وهي ابنة سبع عشرة وقد قاربت ثماني عشرة، مما يعني أنها ولدت قبل البعثة بأربع سنين. وكلام ابن إسحاق والطبري يشير إلى هذا، كما سيأتي في الفقرة الرابعة والخامسة من أدلة القول الثاني.

دليل القول الأول:

ـ روى البخاري ومسلم وغيرهما من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين. ورواه مسلم من طريق معْمر عن الزهري عن عروة عن عائشة. ورواه ابن حنبل ومسلم من طريق الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة. وله طرق أخرى عنها رضي الله عنها.

كلمة “تزوجها” قد ترد بمعنى العقد، وهذا هو المقصود هنا.

فالحديث سنده صحيح، وقد أخطأ من ظن أن هشام بن عروة تفرد بروايته وأنه من أوهامه.

ورواه ابن أبي شيبة من طريق الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت تسع ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة.

ورواه أبو عوانة في المستخرج من طريق عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنوات، أو هي بنت سبع، وزفت إليه وهي بنت تسع ولعَبها معها، وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة.

ـ وله شاهد من حديث ابن مسعود قد يُظن أن فيه متابعة لحديث عائشة، لكنه ضعيف:

فقد روى الترمذي في العلل الكبير عن يحيى بن أكثم عن يحيى بن آدم عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود أنه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي ابنة ست سنين، ودخل بها وهي ابنة تسع سنين، وقـُبض وهي ابنة ثمان عشرة. ورواه العقيلي في الضعفاء عن محمد بن موسى البلخي عن مالك بن سليمان الهروي عن إسرائيل به. ورواه الطبراني في الكبير عن محمد بن موسى بن حماد البربري عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي عن يحيى بن آدم عن شريك عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود به.

[في الوجه الأول من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق: يحيى بنُ أكثم، وهو ضعيف يسرق الحديث. وفي الوجه الثاني من طريق إسرائيل: محمدُ بنُ موسى البلخي، ولم أجد له ترجمة. وفيه: مالكُ بن سليمان الهروي، وهو ضعيف. وفي طريق شريك عن أبي إسحاق: محمدُ بن موسى بن حماد البربري البغدادي، مات سنة 294، وقال فيه الدارقطني ليس بالقوي. وفيه: عبد الرحمن بن صالح الأزدي كوفي سكن بغداد، صدوق ثقة مات سنة 235. يحيى بن آدم كوفي ثقة مات سنة 203. شريك بن عبد الله كوفي صدوق يخطئ ويدلس، ومات سنة 177. وفي السند من كلا الطريقين: أبو إسحاق السَبيعي، وهو كوفي ثقة يدلس الإسناد. وفيه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة لم يسمع من أبيه شيئا]. فهذا الإسناد ضعيف.

هذا وطريق إسرائيل عن أبي إسحاق أعله الإمامُ البخاري ـ كما في العلل الكبير للترمذي ـ وكذا العقيليُّ في الضعفاء الكبير بالإرسال.

وحيث إن المروي في هذا عن ابن مسعود ضعيف الإسناد فلا يصح تأييد حديث عائشة به.

دليل القول الثاني:

1 ـ عائشة أصغر من أختها أسماء رضي الله عنهما بعشر سنين، وقد وُلدت أسماء قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، أي قبل البعثة النبوية بأربع عشرة سنة، وهذا يعني أن عائشة ولدت قبل البعثة بأربع سنوات.

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن ابن أبي الزناد أنه قال: كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر من عائشة بعشر سنين.

وقال أبو نعيم في معرفة الصحابة في ترجمة أسماء: وُلدتْ قبل التأريخ بسبع وعشرين سنة، وتوفيت سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير بأيام، ولها مئة سنة.

ومما يؤكد هذه الرواية في معرفة سنة ولادة أسماء ما روى أبو نعيم كذلك عنها أنها قالت: رأيت زيد بنَ عمرِو بنِ نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، ما منكم اليوم أحد على دين إبراهيم غيري. وقد توفي زيد وقريش تبني الكعبة قبل أن ينزل الوحي على رسول الله بخمس سنين، كما رواه ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن المسيب، أي قبل الهجرة بثمانية عشر عاما، فيكون عمرها وقت سماعها إياه تسع سنين، وهذا معقول، لأن من يضبط مثل هذا السماع منه لا يكون دون تسع في الغالب.

وقال ابن الأثير في أسد الغابة: [قال أبو نعيم: وُلدت قبل التاريخ بسبع وعشرين سنة. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: وتوفيت أسماء بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وماتت وقد بلغت مئة سنة].

2 ـ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعبُ {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.

قال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس: “كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين”. وإذا كان ذلك كذلك فهذا يعني أنها نزلت قبل الهجرة بخمس سنين وبعد البعثة بثمان.

وقال ابن سيده في المحكم وابن منظور في لسان العرب: الجارية: الفتيَّة من النساء. والفـَتِـيَّة هي الشابّة. وكأنهم يطلقون لفظة الجارية على البنت في أول فـَتائها وشبابها حيث تجري جيئة وذهابا.

فكم كان عمر عائشة عند نزول قوله تعالى {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} الذي نزل بعد البعثة بثمان سنين؟!.

أما على القول الأول فيكون عمرها أربع سنوات، وبنت الأربع لا يُقال عنها لفظ الجارية عند الإطلاق، أي في غير المقابلة بين الذكر والأنثى، فالظاهر أن القول الأول خطأ، وأما على القول الثاني فيكون عمرها وقت نزول الآية ثنتي عشرة سنة، وهذا هو المنسجم مع أصل معنى الجارية في اللغة.

3 ـ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “لم أعقلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتـُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَل الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة …”. الحديثَ.

وجه الدلالة من هذه الرواية أمران:

أولهما أن الطفل لا يدرك في العادة تديُّنَ والديه بدين مغاير لدين أكثر الناس مِن حولهم قبل سن الرابعة، ولو كانت عائشة قد وُلدت في السنة الرابعة من البعثة وكان أول وعيها بما حولها في السنة الثامنة منها لكان قولها “لم أعقلْ أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين” تحصيلَ حاصل غيرَ ذي فائدة، لأن أبا بكر معلوم سبْقه إلى الإسلام، وأم رومان أسلمت بمكة قديما، كما قال ابن سعد.

ولكن إذا كانت قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات وكان أول وعيها بما حولها في السنة الأولى من البعثة فيكون لهذا القول فائدة، وهي أنها ـ أولَ ما بدأت تعي ما حولها ـ رأت والديها كليهما يدينان بدين الإسلام، وليس والدَها فقط.

وهذا دليل على أن ولادتها كانت قبل البعثة بنحو أربع سنوات، وهذا ما دلت عليه القرائن الأخرى.

وثانيهما أن قولها “فلما ابتـُلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قِبَل الحبشة” معطوفًا على إدراكها لأبويها وهما يدينان الدين فيه إشارة خفيفة إلى أنها كانت إذ ذاك واعية لهذا الحدث، وخروجُ الصحابة من مكة للهجرة قِبَل الحبشة كان في أواسط السنة الخامسة من البعثة، وهجرتهم الثانية إليها في أواخر الخامسة أو أوائل السادسة.

ولو كانت عائشة قد وُلدت في السنة الرابعة من البعثة لما كان ممكنا لها أن تدرك ما حدث في أوائل السادسة، ولكن إذا كانت قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات فهذا يعني إمكان إدراكها لذلك بوضوح.

4 ـ قال محمد بن إسحاق في السيرة النبوية في ذكر أسماء أوائل من أسلموا: “ثم أسلم ناس من قبائل العرب، منهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة، … ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاء به، وأن ينادي الناس بأمره، وأن يدعو إلى لله تعالى، وكان ربما أخفى الشيء واستسر به إلى أن أمِر بإظهاره، فلبث سنين من مبعثه، ثم قال الله تعالى {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}”.

ونقل ابن كثير بعض هذا النص بالمعنى فقال: قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بأن يصدع بما أمِر، وأن يصبر على أذى المشركين.

وكلام ابن إسحاق يعني أن عائشة كانت مع من أسلموا في فترة الدعوة السرية بعد البعثة، وأنها كانت صغيرة، وإذا كانت تلك الفترة قد دامت ثلاث سنوات فلعل عائشة قد أحضِرت إلى بعض تلك المجالس في أواخر تلك الفترة، وعلى القول بأنها وُلدت بعد البعثة بأربع سنين فهذا لا يستقيم أصلا، إذ ما كانت ـ على هذا القول ـ قد وُلدت بعد، وأما على القول الثاني فيكون عمرها في ذلك الوقت ست سنوات أو سبعا، ولعل ابن إسحاق ذكرها في المسلمين الأولين رغم صغر سنها لمقام والدها أبي بكر رضوان الله عليه، ولتكون معطوفة على أختها أسماء التي هي أكبر منها بعشر سنوات.

5 ـ قال الطبري في تاريخه: “تزوج أبو بكر في الجاهلية قـُتيلة ابنة عبد العُزَّى فولدت له عبد الله وأسماء، وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان بنت عامر فولدت له عبد الرحمن وعائشة، فكل هؤلاء الأربعة من أولاده وُلدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية”.

قول ابن إسحاق “في الجاهلية” ظرف زمان متعلق بقوله “وُلدوا”، لأنه لا يصح تعلقه بكلمة “سميناهما”. فهذا نص تاريخي واضح صريح في أن عائشة رضي الله عنها وُلدت قبل البعثة النبوية.

فإن قيل: يحتمِل أن يكون المعنى “فكل هؤلاء الأربعة من أولاده وُلدوا من زوجتيه اللتين سميناهما واللتين تزوجهما في الجاهلية”، وإذا صح هذا الاحتمال فليس في كلام ابن إسحاق إشارة إلى زمن ولادة أولاد أبي بكر. فالجواب أن هذا التأكيد بالتكرار غير مستساغ، حيث إنه صرح في كل واحدة منهما بأنه تزوجها في الجاهلية ولا معنى للقول مرة أخرى بأنه تزوجهما في الجاهلية، وبهذا يتبين أن هذا الاحتمال ضعيف جدا، فلا التفات إليه.

6 ـ روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في المعجم الكبير والحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون رضي الله عنهما قالت بمكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيْ رسولَ الله، ألا تتزوج؟!. قال: ومَن؟. قالت: إن شئتَ بكرا وإن شئتَ ثيبا. قال: فمَن البكر؟. قالت: بنت أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر. قال: ومن الثيب؟. قالت: سودة بنت زمعة. قال: فاذهبي فاذكريهما عليَّ. وكان هذا بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، كما بينته الروايات الأخرى.

يدل السياق على أن خولة رضي الله عنها أرادت أن تخطِب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السيدة خديجة لأنه أصبح بلا زوجة، وفي غاية البعد أن تخطب له في هذه الحال من لها من العمر ست سنوات!!. لكن إذا كانت بنت أربع عشرة سنة فهذا معقول.

ـ لا شك في أن اجتماع هذه القرائن على القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عقد النكاح على عائشة وعمرها أربعة عشر عاما وتزوجها وعمرها قرابة ثمانية عشر عاما يدل دلالة قوية على أن هذا هو الصحيح.

ـ وأما ما ثبت عن عائشة من أن رسول الله تزوجها وهي ابنة تسع سنين فلا بد أن يكون وهَما، وقد عاشت رضي الله عنها ـ على القول المرجَّح هنا ـ خمسة وسبعين عاما، فلعلها قد أصابها شيء من النسيان في هذا الأمر فروته على التوهم.

ويبدو أن توهيم القول المروي عن عائشة رضي الله عنها لا مناص عنه، وذلك لاجتماع تلك القرائن التي تقدم ذكرها على خلافه.

ـ خلاصة البحث:

ترجح من اجتماع عدد من القرائن أن السيدة عائشة رضي الله عنها وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عقد عليها في السنة العاشرة من البعثة وعمرها أربعة عشر عاما، قبل الهجرة بثلاث سنوات وتزوجها في أواخر السنة الأولى بعد الهجرة وعمرها يقرُب من ثمانية عشر عاما.

الحديث الوارد في تحديد عمر عائشة بست سنوات يوم العقد وبتسع سنوات يوم الزواج صحيح الإسناد، ولكنه مخالف للقرائن التاريخية الثابتة، فهو شاذ، ومحمول على أنه من الأوهام.

هذا وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى أن الحديث إذا خالف متنـُه ما هو أقوى ثبوتا منه من ثوابت التاريخ فإنه يُرد، لأن ذلك يدل على أنه قد تطرق إليه الخلل بسبب وقوع أحد رواته في الوهَم. والله أعلم.

وكتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي، والحمد لله رب العالمين.

أقول: وهذه قرينة جديدة ـ بعد تلك القرائن الست ـ وقفت عليها اليوم:

7 ـ روى الطحاوي في أحكام القرآن عن علي بن عبد الرحمن عن المنجاب بن الحارث التميمي، وعن فهد بن سليمان عن محمد بن سعيد الأصبهاني، كلاهما عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “وما علـْمُ أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!، وإنما كانا غلامين صغيرين”.

[علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة كوفي نزيل مصر ثقة مات سنة 272. المنجاب بن الحارث كوفي ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه مسلم روايات عديدة في صحيحه ووثقه الذهبي وابن حجر، ومات سنة 231. فهد بن سليمان كوفي قدم مصر ثقة مات سنة 275. محمد بن سعيد الأصبهاني كوفي ثقة مات سنة 220. علي بن مسهر كوفي ثقة مات سنة 189. هشام بن عروة بن الزبير مدني قدم العراق، ثقة ربما دلس الإسناد عن أبيه بالعراق، ومات سنة 146. عروة بن الزبير ثقة مات سنة 94 تقريبا].

ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن منجاب بن الحارث عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة أنه قال قالت عائشة. فذكره. [محمد بن عبد الله الحضرمي مطين كوفي ثقة حافظ مات سنة 297 وعاش 95 سنة]. وهذا منقطع بين هشام بن عروة وعائشة.

ورواه ابن عساكر عن أبي الحسن علي بن الحسن الموازيني عن أبي الحسين بن أبي نصر عن أبي بكر يوسف بن القاسم عن أحمد بن محمد بن ساكن عن علي بن الهيثم عن المعلى بن منصور عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.

[علي بن الحسن الموازيني دمشقي ثقة مات سنة 514. محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر دمشقي عدل مأمون مات سنة 446. يوسف بن القاسم الميانجي ثقة ولد قبل سنة 290 ومات سنة 375. أحمد بن محمد بن ساكن الزنجاني صدوق مات قبل سنة 300. علي بن الهيثم بغدادي روى عنه البخاري حديثا في صحيحه، وقال عنه ابن حجر مقبول. المعلى بن منصور رازي نزيل بغداد ثقة فيه لين مات سنة 211]. وعلقه ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن علي بن مسهر به متصل الإسناد، فلعل الراجح أن هذا القول ثابت عن عائشة رضي الله عنها.

وإذا كان ذلك كذلك فمن المهم معرفة سنة ولادة أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك رضي الله عنهما، وكلاهما ولدا قبل الهجرة بعشر سنوات تقريبا، وعائشة ـ على القول المشهور ـ أصغر من هذين الصحابيين بسنة، فلا يستقيم ـ إذا كانت أصغر منهما سنا ـ أن تقول عنهما “وإنما كانا غلامين صغيرين”.

لكنها ـ على القول الثاني ـ أكبر منهما بسبع سنوات، فكل منهما ـ يوم زواجها الذي كان بعد الهجرة بقرابة عام ـ كان عمره أحد عشر عاما وهي بنت ثمانية عشر عاما، فهي أكثر منهما وعيا للأحداث، فمن المعقول أن تقول عنهما بأنهما كانا غلامين صغيرين. فالحمد لله على توفيقه.

أقول: وهذه قرينة جديدة وقفت عليها بعد ذلك: ‏

8 ـ روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والدولابي في الذرية الطاهرة والطحاوي في مشكل الآثار والطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في دلائل النبوة من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن أمه فاطمة ابنة الحسين حدثته أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قـُبض فيه قال لفاطمة “يا بنية أحْني علي”، فأحْنت عليه، فناجاها ساعة، ثم انكشفت عنه وهي تبكي، ثم قال لها “أحني علي يا بنية”، فأحنت عليه، فناجاها ساعة، ثم انكشفت عنه وهي تضحك، فقالت عائشة: أي بنية أخبريني ماذا ناجاك أبوك؟. فلما قبضه الله قالت فاطمة: أما الآن فنعم، ناجاني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة وأنه عارضني القرآن العامَ مرتين، فأبكاني ذلك، ثم ناجاني في الآخرة فأخبرني أني أول أهله لحوقا به وقال “إنك سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من البتول مريم بنت عمران”. فضحكت لذلك.

[محمد بن عبد الله بن عمرو ‏بن عثمان بن عفان مدني ضعيف مات سنة 145. أمه فاطمة ابنة الحسين الشهيد رضي الله عنه روت عن جماعة من الصحابة وروى عنها جماعة من الثقات وذكرها ابن حبان في الثقات، ووثقها ابن حجر]. فهذا السند ضعيف.

ـ وجه الدلالة هو أن عائشة خاطبت فاطمة رضي الله تعالى عنهما في هذه الرواية بقولها لها “أيْ بنية”، وقد وُلدت فاطمة ـ على الأشهَر ـ قبل النبوة بخمس سنوات، أو قـُبيل البعثة أو بُعيدها بقليل.

وإذا كانت عائشة قد وُلدت بعد البعثة بأربع سنوات فهذا يعني أن فاطمة أكبر سنا منها بتسع سنوات أو أربع!، ومن المستغرب والمستبعد جدا أن تقول الصغيرة لمن هي أكبر منها بمثل هذا القدر “أي بنية”، حتى ولو كانت هي زوجةَ أبيها.

أما إذا كانت عائشة قد وُلدت قبل البعثة بأربع سنوات فهذا يعني أن فاطمة أكبرُ سنا منها بسنة وربما ببضعة أشهر أو أصغرُ منها بثلاث سنوات، فمن رجَّح أن فاطمة أصغر بثلاث سنوات فليس من المستبعد أن تقول الكبيرة للصغيرة “أي بنية”، ومن رجح أن فاطمة أكبر بسنة أو ببضعة أشهر ـ وهو القول الأشهَر ـ فليس لهذا الفرق الضئيل تأثير يمنع أن تقول الصغيرة للكبيرة “أي بنية” إذا كانت الصغيرة هي زوجةَ أبيها والكبيرة هي ربيبتَها. ‏

ففي هذه الرواية قرينة واضحة على أن السيدة عائشة قد وُلدت قبل البعثة النبوية ‏بأربع سنوات وليس بعدها بأربع سنوات، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة الإسناد فإنها لا بأس بها في الشواهد، فالقرائن بابها واسع.

أقول: وهذه قرينة جديدة ترجحت لي دلالتها بعد ذلك: ‏

9 ـ روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وابن راهويه وابن حنبل والطبري في التاريخ والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي من طرق عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب عن عائشة أنها قالت: لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: أيْ رسول الله ألا تزَوَّجُ؟!. قال: ومن؟. قالت: إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا. قال: فمَن البكر؟. قالت: ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر. قال: ومن الثيب؟. قالت: سودة بنت زمعة.

وفي هذا الحديث أن خولة قالت لأبي بكر: أرسلني رسول الله أخطِب عليه عائشة. فقال لها انتظري، وخرج، وقالت لها أم رومان والدة عائشة: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصْبِئٌ صاحبَنا مُدْخِله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟!. قال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقوْلَ هذه تقول؟!. قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله عز وجل ما كان في نفسه من عِدَتِه التي وعده.

يرى بعض الباحثين أن عائشة كانت مخطوبة لجبير بن مطعم بن عدي قبل خِطبتها من النبي صلى الله عليه وسلم!، وأن ذلك قرينة على أنها كانت وقت خطبة النبي لها فوق سن السادسة بكثير.

وهذا التصور غير دقيق، لأن عائشة لم تكن مخطوبة لجبير بن مطعم، وإنما كان المطعم بن عدي قد ذكرها مجرد ذكر لتكون مخطوبة لابنه وأخذ وعدا من أبي بكر بالموافقة، ومثل هذا كثيرا ما يقع بين الناس حتى وإن كانت المخطوبة ومن خُطبت له طفلين صغيرين.

وكنت قد سمعت أحد الإخوة يقرر هذا الاستدلال قبل سنوات، ولكنني لم أدرجه في القرائن المذكورة لأنني لم أجده مقنعا، ثم ظهر لي وجه دلالته على أن عائشة قد وُلدت قبل النبوة:

سياق القصة يشير إلى أن المطعم بن عدي وزوجته كانا متمسكين بالشرك ويكرهان الدخول في الإسلام، كما يكرهان أن يتحول ابنهما إلى هذا الدين الجديد إذا تم زواجه بعائشة، ومن المعلوم ما كان عليه أبو بكر رضي الله عنه من الحرص الشديد على دعوة الناس إلى الدخول في هذا الدين، فمن المستبعد جدا إذا كانت عائشة رضي الله عنها قد وُلدت بعد البعثة النبوية أن يذكرها المطعم بن عدي خاطبا إياها على ابنه ويوافقَ أبو بكر على ذلك.

فلم يبق سوى أنَّ ذكْر المطعم بن عدي لعائشة كي تكون مخطوبة لابنه وأخْذَ الوعد بذلك من أبي بكر إنما كان قبل البعثة النبوية، وهذا يعني أن عائشة كانت قد ولدت قبل البعثة النبوية، وليس بعدها.

10 ـ روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم أحد، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القِرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم. قال البخاري: “وقال غيره تنقلان القرب”. وهي كذلك في صحيح مسلم، ونقل ابن حجر أنه كذلك في مستخرج الإسماعيلي.

كان مقدار عمر عائشة يوم غزوة أحد ـ على القول المشهور ـ أحد عشر عاما، وعلى القول الثاني تسعة عشر عاما.

قال الخطابي في كتابه أعلام الحديث: [قوله “تنقـُزان” معنى النقز الوثب، وأحسبه “تزفِران”، والزَفْر: حمْل القرب الثقال، ويقال للقربة نفسها الزِفر].

أقول: “تنقـُزان القِرَب” لا معنى له، وقد أحسن الخطابي رحمه الله إذ فسر الزَفر بحمل القرب الثقال، وفي لسان العرب لابن منظور ما يدل على أن الاشتقاق يشهد لذلك.

وإذا كان الأمر كذلك فهذا لا يستقيم على القول المشهور، لأن من كان لها من العمر أحد عشر عاما لا تقوى على حمل قرب الماء الثقال لتفرغها في أفواه الجرحى ثم ترجعَ فتملأها ماء وتعود بها من جديد، بخلاف من لها تسعة عشر عاما، وهذا يعني أن هذا هو القول الصحيح.

ـ قد لا تكون كل واحدة من القرائن المتقدمة دليلا كافيا على حصول الوهَم في الرواية القائلة بأن مقدار عمر السيدة عائشة يوم العقد ست سنوات ويوم الزواج تسع وعلى ترجيح القول الثاني القائل بأن عمرها يوم العقد أربع عشرة ويوم الزواج سبع عشرة، ولكن اجتماع تلك القرائن يشكل دليلا قويا على ذلك.

* جواب عن حوار دار حول هذا المبحث:

نصَّ القرآن الكريم على عدة اللائي لم يحضن من النساء، فقال سبحانه {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن}، وفحوى النص القرآني هنا أنهن قد تم العقد عليهن قبل البلوغ بالحيض، وهذا المعنى ظاهر لا مراء فيه، ولا شك في جوازه، لكنه ليس على إطلاقه لكل أحد من الناس.

والسؤال الذي ربما يثار الآن هو: هل زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وهي في سن صغيرة فيه مثلبة ونقص نريد ـ بترجيح القول الثاني هنا ـ تنزيه مقامه صلى الله عليه وسلم عنهما؟!.

أقول: ليس في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها قبل البلوغ بالحيض ـ إن ثبت وقوعه ـ مثلبة ونقص أصلا، ولو صحَّ وثبت وقوعه فالواجب التسليم التام والإيمان الجازم بأنه كان لحكمة سواء فهمناها أو لم نفهمها.

ومَن توهم أن توثيق هذا الخبر التاريخي يُراد له أن يحمل دلالاتٍ تناقض فحوى نص القرآن الكريم فقد أبعد النُجْعة، ومسألة البحث في مقدار عمر السيدة عائشة وقت الزواج ليست من هذا الباب، وإنما هي مسألة تاريخية، قد تصح وقد لا تصح، وشتان بين جواز وقوع الشيء وبين تحقق وقوعه، وبينهما فرق كبير.

هذا الموضوع التاريخي لا ينبغي البحث فيه بسبب أن الثقافة المعاصرة لم تعدْ تستوعب مثل هذه الفوارق العمْرية بين الزوجين، فما ثبت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله هو الميزان الذي توزن به الأفكار والآراء، لا العكس.

{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيتَ ويسلموا تسليما}.

الروايات التاريخية في أن سنها وقت الزواج كان أكثر من تسعٍ ببضع سنوات هي روايات متعددة، وهي قرائن لا يمكن أن نسمي أي واحدة منها دليلا مستقلا، لكن مجموعها يشكل دليلا واضحا قويا لا يجوز تجاهله، كما لا يمكن ترجيح ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها على مجموع تلك القرائن، لأن القرائن المتعددة إذا بلغت مثل ذلك المبلغ فهي أقوى من قول صحابي واحد غير معصوم عن الذهول والخطأ والنسيان.

عائشة رضي الله عنها لا يمكن أن تغفـُل عن مثل هذا الأمر الهامِّ في حياتها والذي يخصها في شخصها، ولكن إذا اعتراها النسيان لكِبَر السن فهذا لا يمكن أن يُستبعد.

كتب الحديث أقوى في الموثوقية من كتب التاريخ، والمدار على صحة الأسانيد، وكذا في معرفةِ ما تفرد به راويه وما وقع فيه تعدد الطرق، وهذا من المتفق عليه، والمسألة هنا ليست المقارنة بين كتب الحديث وكتب التاريخ، ولكنها المقارنة بين حديث فعْلي ثبت من طريق صحابي واحد في كتب الحديث وبين عشر قرائن من كتب الحديث وكتب التاريخ، وهنا لا بد من ترجيح مجموع تلك القرائن على الرواية التي ثبتت عن صحابي واحد في كتب الحديث.

أنهيت كتابة أصل البحث بقرائنه الست الأولى منذ سنوات، وأتممت كتابته بعد الإضافات في 18/ 6/ 1436، الموافق 7/ 4/ 2015، وكتبه صلاح الدين الإدلبي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ‏